الخطبة بعنوان فضل التوحيد والتحذير من التطير، والتي كانت بدار الحديث بالفيوش 27 صفر 1444هـ الموافق 23 سبتمبر 2022م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يؤكد الشيخ على أهمية توحيد الله وعبادته وحده دون شريك، ويبين أن هذا التوحيد هو أساس دعوة الأنبياء والرسل. يحذر من التعلق بغير الله أو التشاؤم من أمور لا حقيقة لها.
يشرح المقطع الحديث النبوي 'لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر' موضحًا نفي الإسلام لوجود الخرافات والعادات الجاهلية. يبين أن الأخذ بالأسباب لا يتعارض مع التوكل على الله.
يتناول المقطع التحذير من الطيرة والتشاؤم والشرك، ويشير إلى أن بعض الممارسات مثل التشاؤم من أرقام معينة هي من بقايا اعتقادات الجاهلية. يُوصى بالتوكل على الله والابتعاد عن هذه الممارسات.
المقطع يتضمن دعاء للمسلمين بالبقاء على الإسلام النقي، ولهداية ولاة المسلمين في مختلف البلدان، ودفع الفتن عنهم. يُطلب من الله صلاح الحال وهداية المسؤولين في بلاد المسلمين.
يسر موقع دار الحديث بالفيوش أن يقدم لكم خطبة الجمعة لفضيلة الشيخ، العلامة أبي عبد الرحمن عبد الله بن مرع العدن، حفظه الله تعالى. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن الله سبحانه وتعالى أرسل رسله وأنزل كتبه، وجعل شريعته ودينه لمقصد عظيم ومطلب كبير من المطالب العظيمة، ذلكم المطلب عباد الله توحيده وعبادته وعدم الإشراك به سبحانه وتعالى. ولذلك فإنه سبحانه وتعالى لم يبعث نبيًا ولا رسولًا إلا كان مفتتح دعوته ورسالته الدعوة إلى توحيده والتحذير من الإشراك به، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. وما أرسل الله عز وجل من نبي ولا رسول إلا كان من أوائل دعوته أنه أمر قومه بأن يعبدوا الله لا يشركوا معه شيئًا. ولذلك عباد الله كانت كذلك دعوة نبينا صلى الله عليه وسلم مفتتحة بالدعوة إلى توحيده وعبادته وعدم الإشراك به سبحانه وتعالى. فبالصحيحين من حديث معاذ حين أرسله إلى اليمن، وجاء من حديث ابن عباس وغيره أنه كان من أول ما أمره، قال: «إنك تأتي قومًا أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله». وفي رواية للبخاري عنه رضي الله عنه أرضاه أنه أمره فقال: «ليكن أول ما تدعوهم أن يوحدوا الله». توحيد الله عز وجل له شأن عظيم في دين الله، فإن القلوب تتعلق بالله عز وجل وحده ولا تتعلق بغيره، تقبل على الله سبحانه وتعالى لعلمها علما يقينيًا أن الله سبحانه وتعالى واحد في ذاته وفي أسمائه وصفاته سبحانه وتعالى وأفعاله، لا شريك له سبحانه كما أنه لا شريك له في ذاته وصفاته، كذلك لا شريك له سبحانه وتعالى في أفعاله. ولذلك فإنه لا يقبل بالعبادة إلا له سبحانه وتعالى، وعند ذلك تقبل القلوب على ربها وخالقها وحده لا شريك له. يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون. كما أنه لا خالق إلا الله ولا رازق إلا الله، فإنه كذلك لا مدبر ولا معين ولا مانع إلا الله، فلا يطلب ذلك إلا من الله سبحانه وتعالى وحده. وأنه لا نافع ولا ضار إلا الله سبحانه وتعالى وحده. وقد كان من عقيدة المشركين والجاهليين على مدى عصور كثيرة متتابعة متوالية التعلق بغير الله سبحانه وتعالى، حتى صار يطلب النفع والضر من غير الله، ويرجى غير الله ويخاف ويخشى من غير الله. والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. فالخوف لا يكون إلا من الله، والنفع والضر لا يكون إلا من الله، فلذلك يجب أن تتعلق القلوب بالله عز وجل وحده مهما أقبلت الأسباب أو أدبرت. من كمل توحيده كمل توكله بربه وخالقه سبحانه وتعالى، لعلمه أنه لا شريك له سبحانه وتعالى لا شريك له في ذاته ولا في أسمائه وصفاته ولا كذلك في أفعاله. فلذلك يوحده بجميع أنواع التوحيد، أن نوحد الله سبحانه وتعالى في ذاته وفي معاني ربوبيته ومعاني ألوهيته. ومن توحيده بمعاني ربوبيته أن نوحده سبحانه وتعالى في أفعاله، فلا يشرك معه غيره، نعلم أنه كما أنه الخالق وحده وهو الرازق والمدبر والنافع والضار، وهو من يجيب الدعاء وحده، وهو كذلك من بيده الكون كله وحده. وهذا يستلزم توحيده سبحانه وتعالى في أفعال خلقه ومعاني ألوهيته، فعند ذلك لا يتعبّد إلا له سبحانه وتعالى، لا يكون الخضوع والذل إلا لله، ولا يكون الدعاء والسؤال إلا من الله، ولا يكون النذر والذبح إلا لله. أن نوحد الله في معاني ألوهيته وعبوديته بأن يفرد سبحانه وتعالى في أفعال خلقه تكون له خالصة، لا يشرك معه أحد لا ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا ولا صالحًا من الصالحين، فضلًا أن يتعلق قلب إنسان بغير الله من الأحجار أو الأشجار أو الجمادات أو الحيوانات أو الأيام أو الأشهر أو الأصوات أو المرئيات أو المعلومات. وكان من عقيدة أهل الجاهلية عباد الله أنهم كانوا يتشاءمون ويتطيرون من بعض المسموعات والمرئيات والمعلومات، كبعض الأيام والشهور وهكذا، كذلك بعض السنين والدهور. فكان من عقيدة أهل الجاهلية التشاؤم من شهر صفر، وكان من عقيدة أهل الجاهلية التشاؤم من يوم الأربعاء، وكان من من من من من من من من من من من من من من من التشاؤم من بعض السنين كالسنين الكبيسة وهكذا، كذلك تشاؤمهم من بعض الألوان أو الأحجام أو بعض المسموعات أو المرئيات. فإذا سمعوا غرابًا تشاؤموا في سفرتهم أو زواجهم أو غير ذلك. وكانوا يتشاؤمون من بعض المرئيات، فإذا افتتح أحدهم تجارته ورأى أعمى أو أعرج أو نحو ذلك من ذوي العاهات فإنه يتشاؤم ويظلم على نفسه يومه كله لأجل ما رأى في أول ذلك اليوم. وكانوا يتشاؤمون أن يبيعوا بعض المطعومات والمأكولات في أول النار، كبيع الإبرة والملح وغير ذلك مما كانوا يتشاؤمون منه. وكل هذا من عقائد أهل الجاهلية. ثبت بصحيح مسلم من حديث معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه وأرضاه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم وكان حديث عهد بإسلام عن التطير، فقال: «ذلك شيء يجد أحدكم في نفسه فلا يصدنكم» يعني إنما هي أمور نفسية وعادات متوارثة ليس لها أصل في الشريعة. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه ومعناه من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر». وفي رواية لمسلم زاد: «ولا نوء ولا غول». فنفى النبي صلى الله عليه وسلم وجود العدوى والطيرة والهامة والصفر والنوء والغول. والنفي كما قال العلماء وكرر ذلك الإمام ابن القيم رحمه الله في مواضع من كتبه، قال: والنفي أبلغ من النهي، لأن النفي فيه معنى النهي والزيادة. ومعناه ليس فقط أن الإسلام ينهى عن هذه الخرافات والعادات الجاهلية والعقائد الشركية، بل إنه ينفي وجودها، فكيف يتعلق ويعتقد بها؟ ينفي وجودها فكيف يعتقد ويتعلق بها؟ ولهذا كان النفي أبلغ من النهي، أي لا وجود للعدوى على ما كان يعتقده أهل الجاهلية، فكان أهل الجاهلية يعتقدون أن الشيء يعدي بأصله وجنسه، فلذلك كان عندهم من التشاؤم ومن كذلك التطير أنهم يخافون رسول هذه العدوى من أصل جنس ذلك الشيء. فنفى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، ولا ينافي ذلك الأخذ بالأسباب من قطع أسباب العدوى. فإن العدوى موجودة، ولكن لا تكون إلا إذا أراد الله وشاء الله، حتى لا تحصل لا يحصل التعلق بالأسباب وتعظم أعظم من إرادة الله عز وجل فيكون الوهن والجبن والضعف والخور والخوف كما هو حال أهل الجاهلية. فالذي قال: «فر من المجذوم فرارك من الأسد» هو الذي قال: «لا عدوى ولا طيرة» وهو الذي أكل مع المجذوم عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك الذي قال كما ثبت بصحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «لا يوردن ممرض على مصح» أي لا يدخل مريض على صحيح، وذلك لقطع مادة العدوى والأخذ بالأسباب التي تكون بها السلامة. ولكن لا يعني ذلك أن يكون الذعر والخوف والتنصل من المسئوليات، بل إذا ابتلي الإنسان بشيء من المرض ببيته وفي أهل بيته، فيقيم الواجب الذي أوجبه الله من الرعاية الواجبة مع الحيطة والأخذ بالأسباب، لا كما يفعل أهل الجاهلية إذا وقع الوباء والمرض، فإنهم يصيبهم الرعب والذعر، فربما تخلى الولد عن أبيه والبنت عن أمها والأب عن ابنه والأم عن ابنتها مبالغة في الخوف من الأسباب. وهذا خطأ، ولهذا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، قال: «لا يعني كما ثبت بمسند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه قال النبي صلى الله عليه وسلم وخررها ثلاثًا: لا يعدي شيء شيئًا». فقام رجل من الأعراب فذكر له الإبل وما يصيبها من الجرب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للرجل: «فمن أجرب الأول؟». ومعناه كما أن الأول أصابه الجرب من غير سبب ظاهر تراه ولا سبب عدوى ولا سبب عدوى قريبة، فكذلك الذي جرب بعد ذلك قادر على أن يمنع حصول الجرب ولو وجد المجروب. ولا يعني ذلك أن يبعد المجروب عن غير المجروبات، ولكن لأجل أن لا يصيب المسلم والمؤمن الذعر والخوف من الأسباب أعظم من خوفه من الله سبحانه وتعالى مسبب الأسباب. فيأخذ المسلم بالأسباب الشرعية فيبعد الإبل المجروبة عن الإبل غير المجروبة، ومع ذلك ومع ذلك فهو على ثقة بالله أن الذي بيده الأسباب هو الله وحده لا شريك له. فعند ذلك بعد أن يأخذ الأسباب فهو في طمأنينة وهو في راحة وفي يقين أن الذي بيده الأسباب قادر على أن يمنعها ولو وجدت، والذي بيده الأسباب قادر على أن يوجدها ولو كانت ممنوعة. فكما أنه أوجدها من العدم فهو قادر سبحانه وتعالى أن يعدمها مع وجودها. لأجل أن تكون عقيدة ثابتة وتعلق خالص بالله سبحانه وتعالى وحده أن نأخذ بالأسباب فنفر من المجذوم فرارًا من الأسد، ولكن لا يعني ذلك أننا لا نقوم بالواجب الشرعي مع المجذوم، ليس معناه أن المجذوم يرمى كما كان أهل الجاهلية يفعلون فيتركونه دون علاج وينبذونه فيكونوا كذلك حتى يموت. ليس هذا بالإسلام، بل الإسلام أن يعالج ويطبب، ولكن بشيء من الحذر وبشيء كذلك من الحيطة أن يوبع في مكان يكون فيه حجر صحي، ولا يعني ذلك أن لا يطبب ولا يعالج، بل يعالج ويطبب لأخذ الحيطة والحذر. وهكذا كذلك في سائر الأسقام والأمراض الأخرى فنأخذ بالأسباب الشرعية. وهذا هو دين الإسلام بين الغالي فيه والجافي عنه، دين وسط بمقتضى القوانين الشرعية لا بمقتضى الأهواء والعواطف، ولكن بمقتضى ما علمنا من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا في الحديث: «ولا صفر» نفي لاعتقاد أهل الجاهلية من التشاؤم بشهر صفر، هكذا بسره العلماء. وهكذا بسر تفسيرًا آخر أي لاعتقاد بداء الصفار، فقد كان أهل الجاهلية يتشاؤمون من هذا الداء ويعتقدون أن من أصابه هذا الداء فإنه يموت لا محالة، ولكن الأمر ليس كذلك، فالذي أنزل الداء أنزل له دواءً كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أنزل الله من داء إلا وأنزل دواء له، دواءً علمه من علمه وجهله من جهل». وهكذا كذلك: «ولا هامة» أي ولا اعتقاد بالهوام. وكان أهل الجاهلية لهم عقائد عجيبة وخرافات غريبة. ومن ذلك أنهم كانوا يتشاؤمون ببعض الدواب، فيتشاؤمون من صوت البوم ورؤيتها في الليل، ومن صوت الغراب في النهار، وهكذا كذلك يتشاؤمون من السفر بالصحراء مما يسميه بعض الناس وإلى يومنا هذا الطيور وغير ذلك، أشياء ليس لها وجود وخرافات غريبة وأشياء عجيبة ليس لها أصل في دين الله، تخلّف العقيدة الصحيحة والعقول السليمة. وهكذا كذلك: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر» أي ولا اعتقاد بالطيرة على ما كان يعتقد أهل الجاهلية. والطيرة باعتقاد أهل الجاهلية كما عرفها الإمام ابن القيم رحمه الله: هو التشاؤم من كل مسموع أو مرئي أو معلوم. فقد كان من عقيدة أهل الجاهلية وخرافتها أنهم يتشاؤمون من بعض المسموعات أو المرئيات أو المعلومات كما تقدم معنا. فيتشاؤمون من بعض المسموعات من صوت بعض الغربان أو البوم أو نباح الكلاب أو صوت الذئاب أو غير ذلك من المسموعات. وكان من عقيدتهم وخرافتهم أنهم يتشاؤمون كذلك من بعض المرئيات، فيتشاءمون أن يرى أحدهم في نهاره أو في أول سفرته أن يرى أعمى أو أعرج أو صاحب عاهة، فربما ترك زواجته أو ترك سفرته أو ترك تجارته كل ذلك على هذه العقيدة وهذه الخرافة، وليس لهذا أصل في دين الله. وهكذا كذلك التشاؤم من بعض المعلومات، فكان أهل الجاهلية يتشاؤمون من يوم الأربعاء ومن شهر صفر ومن السنة الكبيسة ومن رقم ثلاثة عشر. وللأسف إلى يومنا هذا تجد هذا التشاؤم لا يزال موجودًا، فبعض الناس لا يريد أن يتزوج في صفر خوفًا أن يصيبه شؤم صفر، بل بعضهم لا يزال يعملون احتفالًا واجتماعًا ومائدة في آخر شهر صفر زعمًا منهم أنه خرج عنهم صفر ولم تصبهم مصيبة. ومن فعل ذلك فقد أصل عقيدة أهل الشرك والعياذ بالله ووقع فيما وقعت فيه أهل الجاهلية. وللأسف يوجد في بعض البوادي والقرى إلى يومنا هذا، فإنه في آخر أربعاء من شهر صفر أو في آخر جمعة من شهر صفر أو عند بعض الناس في آخر يوم من شهر صفر يخرجون إلى البرية ويعملون مائدة ويزعمون أن بهذه المائدة يكونون قد شكروا الله أن خرج عنهم صفر ولم تصبهم مصيبة ولم تقع لهم كذلك شرًا. وهذا كذلك من اعتقاد أهل الجاهلية. وهكذا كذلك تشاؤم بعض الناس من يوم الأربعاء أن لا يحججوا فيه زواجًا ولا يمسكوا فيه سفرًا ولا يبرموا فيه تجارة، كل هذا من اعتقاد أهل الجاهلية وخرافاتها. وهكذا بعض الناس يتشاؤمون من رقم ثلاثة عشر، فإنهم لا يسافرون فيه ولا يتزوجون فيه ولا يبرمون تجارة فيه. بل رأيت بأم عيني هذه في بعض البلاد في بعض المستشفيات لا يوجد فيها دور ثلاثة عشر ولا يوجد فيها غرفة رقم ثلاثة عشر، بل في بعض الفنادق تسأل: هل عندكم غرفة ثلاثة عشر؟ فينظر إليك ويحملق بعينيه ويقول لك: ما عندنا غرفة ثلاثة عشر. وهذا إلى يومنا هذا يوجد في بعض البلاد، سبحان الله! أين عقيدة التوحيد؟ أين الإسلام الذي ينبغي أن يكون عليه أهل هذا الدين؟ هذه بعض البقايا من بقايا أهل الجاهلية التي لا زالت توجد وللأسف حتى عند اليهود والنصارى عندهم من هذه المعتقدات وهذه الخرافات وهذا التشاؤم والتطير الذي نفاه ديننا. فلذلك عباد الله الواجب على المسلم أن يتعلق قلبه بالله عز وجل وحده وأن لا يلتفت إلى هذه الخرافات وهذه الخزعبلات. نسأل الله أن يفقهنا بشرعنا وأن يبصرنا بديننا وأن يجعلنا هداة مهتدين. والحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الصادق الأمين. أما بعد، عباد الله، وإن مما جاء عن نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين حذر من الطيرة والتشاؤم وما كان بمعنى ذلك أنه أرشد وعلم أن من وقع منه شيء من ذلك ولو لم يكن ذلك عن عقيدة، لأنه إن وقع عن عقيدة فإنه يكون شركًا أكبر والعياذ بالله. وأما إن وقع ذلك بغضب لسانه أو بشيء في قلبه أو كذلك بتصرف في مواقفه، فعليه أن يستغفر الله وأن يتوب إليه وأن يذكر الله بالذكر الشرعي في هذا المقام حماية لحمة التوحيد وتأكيدًا للتوحيد بالقيام به. فقد جاء في مسند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الطيرة، وأن من ردته الطيرة عن أمره فقد أشرك. فقال له رجل: فما كفارة ذلك يا رسول الله؟ قال: «كفارة ذلك أن يقول: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك». هذا الذكر العظيم يقوله الإلسان بلسانه ليثبت ذلك في جنانه أي في قلبه عقيدة خالصة صافية لله سبحانه. اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك. فمن وقع في نفسه شيء في سفرته أو في زواجته أو كذلك فيما سمعه أو رأاه، فعليه أن يبادر بقول هذا الذكر حتى يقرر في قلبه وعلى جوارحه وعلى لسانه عقيدة التوحيد. ومثله ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من التحذير من الحلف بغير الله، وأن من حلف بغير الله فقد أشرك. فسأله بعض أصحابه رضي الله عنهم أرضاهم عن من يقول ذلك يعني بلسانه خطأ، لأن بعضهم كان حديث عهد بإسلام. فبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن كفارة من قال ذلك بلسانه أن يذكر الله موحدًا له فيقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له». تذكر الله وتوحده لتكفر ما قد يجري على لسانك أو على بعض مواقيفك أو ما يكون بجناتك. وهكذا كذلك في هذا الباب عباد الله أيها المسلمون. عباد الله الواجب علينا جميعًا أن نتعلم العقيدة الصحيحة وأن نقف مع مسائلها الدقيقة بما يكون به حماية لأنفسنا وأهل بيوتنا ودورنا ومجتمعاتنا أن تدخل فيهم الخرافة وأن يكون بيننا الشرك. فكيف إذا كان هذا في مثل هذه المسائل؟ فكيف بمن يريد أن يعيد بناء القباب والتوابيت والزيارات الشركية والاجتماعات الخرافية؟ من يريد ونحن في القرن الواحد والعشرين نحن في هذا القرن، ومن الناس من يريد أن يعيد هذه الوثنيات بإعادة القبور إلى المساجد والاحتفاء بالزيارات الشركية والاحتفالات الوثنية والخرافية، يريدون أن يعيدوا من جديد معالم الشرك والخرافة والوثنية وقد اندثرت بفضل الله سبحانه وتعالى. بفضل الله سبحانه وتعالى صارت بلادنا هذه وأكثر بلاد المسلمين ينبذون الشركيات والوثنيات، وكذلك كل المعاني التي فيها من الخرافات والخزعبلات ما لا يخفى عليكم. حتى صار هذا دين بعض الجهلة ممن بقيت فيهم تلك اللوثة الشركية والعبادة القبورية من المتصوفة والرافضة والباطنية الذين هم من علموا بهذه الوثنيات والشركيات والخرافات والخزعبلات. فالله الله معاشر المسلمين أن يكون أهل الإسلام بحق وصدق أهل عقيدة وتوحيد وأهل غير على دين الله عز وجل التي عادت في مجتمعاتنا هذه الشركيات وهذه الوثنيات وهذه الخرافات والخزعبلات، سواء أكان ذلك في القرى أو في المدن، سواء كان ذلك بما يسمى بتعظيم الأولياء أو كذلك ما يسمى بالتراث. فكل ذلك عبارة عن ذرائع لعادة الشرك والوثنية، ويرد المجتمع إلى ما كان عليه أهل الجاهلية أعداء أهل الإسلام. أيها المسلمون يعلمون أن الإسلام الصحيح الذي به قوة أهل الإسلام هو إسلام التوحيد والسنة، هو إسلام إفراد العبادة لله عز وجل والتعلق به لا التعلق بغيره. ولذلك فهم حريصون أن يعيدوا هذه الوثنيات والشركيات والخرافات في المجتمعات المسلمة لعلمهم ويقينهم أن المجتمع متى ما تعلق بالخرافة وصارت فيهم عقائد الشركية والوثنية فإنه سيكون مجتمعًا ضعيفًا هزيلًا بعيدًا كل البعد عن معاني الانتصار والقوة والعزة والرفعة. وأما إذا تعلقوا بالله ربهم وحده وكانت عقيدتهم عقيدة التوحيد والاحتذاذ بدين الإسلام وطريق النبي عليه الصلاة والسلام، فإن ذلك نذير شر لأعداء المسلمين شرقًا وغربًا. ولذلك لا نستغرب أن نرى أعداء الإسلام في بلاد شتى يبنون المساجد الضخمة الكبيرة، ولكنها لمن للوثنيين وللقبوريين وللخرافيين. وها نحن نرى في بلاد كثيرة يبنون المساجد الضخمة للصوفية القبورية وللرافضة الباطنية ولذلك القاديانية الملحدة وغير ذلك من الطوائف الخرافية الوثنية الشركية. وأما أهل التوحيد والسنة فإنهم يضايقونهم أشد المضايقة ولا يعطونهم الفرص حتى في إقامة شعائر دينهم. ولا أدل على ذلك ما تراه في بلاد الغرب وفي بعض الدول التي هي أذناب لها، تجد الرخص والتمكين لهؤلاء الوثنيين والشركيين والخرافيين والقبوريين، عندهم المساجد الضخمة المليئة في مظاهر الشرك والوثنية والخرافة والخزعبلات. وإذا ذهب أهل السنة يريدون الترخيص لمصلى فإنهم يجعلون لهم الأعذار الكثيرة حتى لا يكون لهم مسجد أو لا يكون لهم مصلى. فأما هؤلاء فإنهم يبنون لهم المساجد ويهيئون لهم كذلك المراكز لعلمهم أن هؤلاء لا يخدمون الإسلام ولكن يخدمون أعداء الإسلام. فليتق الله أهل الإسلام حقًا وصدقًا من الرعاة والرعية، من المسؤولين ومن كان في المجتمع صغيرًا كان أو كبيرًا، أن الواجب على كل المسلمين أن يكونوا يدا واحدة في الحفاظ على عقيدتهم والحفاظ كذلك على الالتزام بسنة نبيهم. وأن يبقى أهل الإسلام على الإسلام صافيا نقيا كما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابة من بعده والتابعون ومن تبعهم بإحسان. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يلهمنا رشدنا وأن يردنا إلى حياض ديننا وأن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين. اللهم أصلح ولاة المسلمين بكل مكان يا رب العالمين. اللهم أصلح ولاة المسلمين في اليمن وفي العراق وفي ليبيا وأفغانستان وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين. اللهم ادفع عنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم اجعل ولايتك فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. والحمد لله رب العالمين.