شرح سلم الوصول للشيخ حافظ الحكمي رحمه الله 86

شرح سلم الوصول للشيخ حافظ الحكمي رحمه الله 86

الدرس في شرح سلم الوصول للشيخ حافظ الحكمي رحمه الله 86، الدرس السادس والثمانون : (ولا نقول إنه في النار ... إن شاء عفا عنه وإن شا أخذه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

حكم الفاسق ومصيره في الآخرة

يناقش الشيخ حكم الفاسق الملي ومصيره في الآخرة، ويبين أن مصير الفاسق تحت مشيئة الله استنادًا إلى قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. يوضح أن الوعيدية والمرجئة أخطأوا في آرائهم حول هذه المسألة.

الرد على استدلالات الوعيدية وتفسير الأحاديث

يرد على استدلال الوعيدية بأحاديث تحريم الجنة أو وجوب النار، ويبين أن هذه الأحاديث مردودة بأدلة أخرى تدل على أن العصاة تحت المشيئة. كما يفسر العلماء هذه الأحاديث بتفاسير مختلفة تراعي المشيئة الإلهية.

أهمية الرجاء والخوف وتأثير الإخلاص

يتناول موضوع الرجاء والخوف في الإسلام، ويبين أهمية الجمع بين أدلة الرجاء وأدلة الخوف. كما يذكر أمثلة على تأثير الإخلاص في الأعمال مثل قصة صاحب البطاقة والمرأة البغي، موضحًا كيف يمكن للإخلاص أن يكفر عن بعض الذنوب والمعاصي.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال الملك -رحمه الله تعالى-: ولا نقول إنه في النار مخلد، بل أمره للباري تحت مشيئة الله النافذة، إن شاء عفى عنه وإن شاء عذبه. هذه المسألة الرابعة من مسائل هذا الفصل، كما قسمها المؤلف -رحمه الله تعالى-. فهذه المسألة هي في الكلام على حكم الفاسق الملي، وهل يكون هذا الفاسق الملي مخلدًا في النار؟ فإن الوعيدية، كما سبق معنا، اتفقوا بأن الفاسق من أهل هذه الأمة يخلد في النار، اتفقوا بأنه يخلد في النار. وعلى العكس من ذلك المرجئة، الذين زعموا أن الفاسق لا يضره مع إيمانه شيء، بل من قال: لا إله إلا الله، أو من كان مؤمنًا، فإنه لا يضره مع إيمانه شيء أبدًا، فيجعلون إيمانه كإيمان أبي بكر، بل وربما ما هو أعظم من ذلك. وكل القولين باطل وخطأ، ترده الأدلة الشرعية الكثيرة المتوافرة من الكتاب ومن السنة. قال: ولا نقول إنه في النار مخلد، بل أمره للباري، أي: لا نقول إن صاحب هذه المعصية في النار وأنه مخلد فيها، بل أمره للباري، وذلك لأدلة كثيرة منها قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، هذه آية صريحة تبين أن ما دون الشرك من المعاصي فهو تحت المشيئة، إن شاء عفى الله عز وجل عن صاحبه، وإن شاء عذب صاحبه بذنبه. قال: مخلد، بل أمره للباري تحت مشيئة الله النافذة، إن شاء عفى عنه وإن شاء أخذه. يقول: إن هؤلاء تحت مشيئة الله النافذة، إن شاء عفى عنه وإن شاء أخذه. فالمشيئة هي الإرادة الكونية، كما مر معنا في دروس ماضية، وهي نافذة، فما شاء الله لابد أن يكون. ولهذا يقول سبحانه: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، ومعناه: أنه إذا شاء الله فلابد أن يكون، وإذا لم يشأ فإنه لا يكون، ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعًا، لو شاء لكان. فما شاء لابد أن ينفذ ويكون. قال: إن شاء عفى عنه وإن شاء أخذه، إن شاء عفى عنه أي في هذا الذنب وهذه المعصية، وإن شاء أخذه بهذا الذنب وهذه المعصية. ولذلك أدل كثيرة من السنة تدل على ذلك. ومن هذه الأدلة ما قد استدل به بعض الوعيدية على مذهبه من الباطل في أن فاعل المعصية مخلد في النار، فردته بعض الروايات. فمن ذلك ما جاء في مسلم حديث بأمامة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من اطلع بيمينه ما لم يرَ مسلم فإنه لا ... حرم عليه الجنة ويدخل النار أو وجبت له النار». استدل الخوارج والمعتزلة، وهم الوعيدية، بمثل هذا الحديث وأمثاله كثير فيما فيه تحريم الجنة أو كذلك وجوب النار على بعض أهل المعاصي، بأن ذلك يدل على أن العاصي ليس له نجاة من النار، أنه ليس له نجاح من النار وأنه مخلد في النار. وهذا باطل ومردود. ومن بطلانه أولًا: الأدلة العامة التي تدل على أن أهل المعاصي تحت المشيئة. ومن بطلانه كذلك: الأدلة الخاصة التي في عين تلك الأدلة الخاصة التي استدلوا بها. فهذا الحديث جاء برواية أخرى أو في شاهد آخر بمعنى، بالصحيحين، وفي آخره قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «ثم هم إلى الله، إن شاء عفى عنه وإن شاء أخذ، آخذه أو قال عاقبه». فهذا يدل على أن فعل هذه المعصية بعينها هو تحت المشيئة. وعلى هذا فبماذا يفسر ما جاء من الأدلة التي فيها وجوب النار أو تحريم الجنة؟ فسر بتفاسير، فأحد هذه التفاسير أنه يخاف على صاحبه من أن توجب عليه النار، أي: أن يدخل فيها دخولًا أوليًا، أي النار، وأن تحرم عليه الجنة، أي: لا يدخلها دخولًا أوليًا، بل يدخل النار بسبب هذه المعصية. والتفسير الثاني: أن المعاصي بريد الكفر، فيخشى على من استرسل فيها أن يسترسل فيها استرسالًا يخرجه من دين الإسلام، فيوجب على نفسه دخول النار، ويحرم على نفسه دخول الجنة. وهذا كذلك تفسير معقول وله وجود في الواقع، فإن الكفر لا يأتي دفعة واحدة، ولكن أول الكفر بريده وهي المعاصي والبدع وهكذا. وكذلك كسر بتفسير ثالث: بأن المراد بتحريم الجنة أي التحريم الأولي، أي: لا يدخل إلى الجنة دخولًا أوليًا، وأنه يدخل إلى النار وتجب عليه النار، أي: تلفحه النار ويدخل فيها. وكل ذلك لا ينافيه ما ذكر من الأدلة العامة بأنه تحت المشيئة. ومعنى أنك لا تضمن نفسك أنك تسلم وتنجو، فإنك تخاف على نفسك من هذه المعاصي، فقد يشاء الله عز وجل أن يعذبك بذنبك. وهكذا كذلك بالمقابل قول المرجئة في هذا الباب، استدلوا ببعض الأدلة العامة التي فيها أن من قال: لا إله إلا الله فقد حرمت عليه النار ودخل الجنة، أو من مات على لا إله إلا الله فإنه تحرم عليه النار ويدخل الجنة، ونحو ذلك من الحديث. وقد مر معنا كذلك الإشارة إلى مثل ذلك من أن لا يلزم من قال: لا إله إلا الله أن ينجو إلا إذا عمل بشروط لا إله إلا الله، ومن لم يعمل بشروط لا إله إلا الله فإنه يخشى عليه. فنحن نرجو للمحسن ونخاف على المسيء. والواجب على المسلم أن يجمع بين الأدلة، أن يجمع بين الأدلة بين أدلة الرجاء وأدلة الخوف، أدلة الوعيد وأدلة الوعد. فكما أن هناك أدلة للوعيد، فهناك أدلة أخرى كذلك من أدلة الوعد. والمؤمن يجمع بين هذا وهذا. والمسلم ينبغي أن يفقه دينه جل وعلا، دين الله جل وعلا بما علم من أدلة الكتاب والسنة بهذا التفصيل. ونبه الشارح -رحمه الله تعالى- كذلك في شرحه على مسألة وهي مسألة النقاش وأنه من نوقش عذب، وذكر حديث عائشة -رضي الله عنها- الذي في البخاري وغيره، وأن هناك فرق بين العرض وبين النقاش، فمن نوقش على ذنوبه وسيئاته عذب، لنص حديث النبي -عليه الصلاة والسلام- فيما جاء في حديث عائشة. بينما العرض شيء آخر، ولهذا أشكل هذا على عائشة، فقالت: يا رسول الله كيف والله جل وعلا يقول: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾، فقال لها النبي -عليه الصلاة والسلام-: «إنما ذلكم العرض، وأما من نوقش فإنه يهلك أو قال هلك». ويدل عليه حديث عدي بن حاتم: «ما منكم إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه». وفي رواية: «أنه يقرره بذنوبه، فيقول: أنا سترتها عليك في الدنيا، فأسترها عليك في الآخرة». وفي هذا الدليل على أن بعض أهل المعاصي تستر معاصيهم في الآخرة كما تستر في الدنيا. ومر معنا شيء من ذلك من أن بعض الناس ربما يكون عندهم من الإخلاص في بعض الأعمال ما يكفر عنهم بعض ذنوبهم ومعاصيهم، كقصة صاحب البطاقة وقصة المرأة البغي من بني إسرائيل وغيرها مما هو بمثل هذا المعنى. نكتفي بهذا ونترك ما تبقى -إن شاء الله- في درس قادم. والحمد لله رب العالمين.