الدرس في شرح سلم الوصول للشيخ حافظ الحكمي رحمه الله 54، الدرس الرابع والخمسون : (فصل من الشرك فعل من يتبرك بشجرة أو حجر ... عيداً كفعل عابدي الأوثان). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول التحذير من التبرك بحجر أو شجر أو بقعة أو قبر، ويعتبره من أفعال أهل الشرك مستدلاً بالقرآن الكريم. يُبين أن تعظيم ما لم يأذن الله به يعد من الشرك.
يناقش التحذير من التبرك بالأماكن والأشخاص مستدلاً بأحاديث نبوية وأقوال العلماء. يُبين أن هذا الفعل من الشرك والجاهلية ويحذر من طلب الخير أو البركة من غير الله.
يناقش تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من اتخاذ القبور والأماكن المقدسة عيدا، ويشرح أن هذا الفعل من أعمال أهل الشرك والجاهلية. يُبين أن زيارة القبور يجب أن تكون لتذكر الآخرة والدعاء لأهلها.
يُحذر من الأعمال التي تُشبه أعمال أهل الشرك ويُبين أنها لا تجوز، ويُشير إلى أنه سيأتي تفصيل لبعض هذه الأعمال فيما بعد.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال المنف رحمه الله تعالى: فصل من الشرك فعل من يتبرك بحجر أو شجر أو بقعة أو قبر أو نحوها، يتخذ ذلك المكان عيدا. وبيانا: زيارة تنقسم إلى سنية وبدعية وشركية. قال رحمه الله تعالى: هذا ومن أعمال أهل الشرك من غير ما تردد أو شك ما يقصد الجفهال من تعظيم ما لم يأذن الله بأن يعظم، كمن يلد ببقعة أو حجر أو قبر ميت أو ببعض الشجر، متخذا لذلك المكان عيدا كفعل عابد الأوثان. ثانيًا: جعل المؤلف رحمه الله تعالى هذا الفصل في الكلام على بعض الأفعال الشركية، وهي من أفعال عباد القبور، ومن كان قد سنى سنتهم وأخذ بطريقتهم. فقول رحمه الله: "فصل من الشرك فعل من يتبرك بحجر أو شجر أو بقعة أو قبر أو نحوها يتخذ ذلك المكان عيدا"، وهذا هو تفسير ذلك التبرك، أي أنه يأتي إلى ذلك المكان ويجتمع على وجه العيد، يطلب البركة على أقل الأحوال، فإن ذلك من الشرك. وسيشير إلى الدليل على هذا المعنى. فقوله رحمه الله تعالى: "هذا ومن أعمال أهل الشرك"، هذا إشارة إلى ما سبق من أن هناك أعمال تنافي سيم أهل الإسلام. أي كذلك مما ينافي سيم أهل الإسلام، كذلك ما يفعله بعض الأعمال التي تفعل هي من أعمال أهل الشرك، ولو وقعت ممن ينتسب إلى أهل الإسلام، لأن الكلام على الأعمال لا الكلام على العامل. قال: "ومن أعمال أهل الشرك بغض النظر عن العامل، فقد يكون العامل من المسلمين وقد يكون من غير المسلمين". ومن أعمال أهل الشرك من غير ما تردد أو شك، يعني من غير أي تردد أو شك، لأن الدليل قد دل عليه دلالة الكتاب ودلالة السنة. قال: "ما يقصد الجهال من تعظيم ما لم يأذن الله بأن يعظم"، تعظيم الجهال لما لم يأذن الله عز وجل أن يعظم ذلك من سيم أهل الشرك. كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم، مبينا هذا المعنى بالأمر والنهي، الأمر الذي يقتضي مفهومه بمفهوم المخالفة على نفي ضده. كما قال الله عز وجل: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، فأخذ العلماء أن التطوف بغير البيت العتيق يعد من الشرك، لأنه تعظيم ما لم يعظمه الله عز وجل. وهكذا كذلك النهي، فإن النهي كذلك قد ورد من أن يعظم شيء من الأمور على غير التعظيم الشرعي، سواء كان ذلك المعظم بشرا أو ملكا أو حجرا أو شجرة، فإن ذلك يعد من الشرك. كما قال الله عز وجل: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾، فإذا كان ذلك في حق المساجد، وفسرت بتفسيرين: فسرت بأنها مواضع وأعضاء السجود، وفسرت بأنها المواضع التي يسجد ويصلى فيها، فإذا كان كذلك فما دونه من باب أولى. وهكذا ما ذكر الله عز وجل من الغلو الذي كان عند اليهود والنصارى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾. وهكذا قول الله عز وجل: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾. وهكذا كذلك ما كان بمعنى مما فيه الكف والنهي عن التعظيم. وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم كذلك هذا المعنى، كما جاء في السنة من حديث أبي واقد الليثي: «أن النبي صلى الله عليه وسلم ومعه قوم حدثوا عهدا بجاهلية مروا بسدرة، فكان المشركون عندهم سدرة يعلقون بها أسلحتهم يطلبون منها القوة، فقال هؤلاء الذين هم حدثوا عهدا بجاهلية: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط»، يعني اجعل لنا شجرة نتبرك بها ونطلب منها القوة كما أن للمشركين شجرة يتبركون بها ويطلبون منها القوة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الله أكبر، إنها السنن»، أي الطرق التي فتحت عليكم كما فتحت على بني إسرائيل. «والله لقد قلتم كما قال بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة»، فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا من الشرك. فجعل هذا الطلب في التبرك بالأشجار يعد من جعل الآلهة مع الله عز وجل، لأنه طلب القوة من من لا يعطي القوة، وطلب البركة ممن لم يجعل الله عز وجل فيه البركة. وهكذا كذلك ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث ثابت بن الضحاك: «أن رجلا نذر أن ينحر إبلا ببوانة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قال: لا. قال: هل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قال: لا. قال: أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لندر في معصية الله». فبين النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يجوز أن تفعل الطاعة في موضع يقع فيه الشرك، بأن يكون فيه وثن من أوثان الجاهلية يعبد، أو كذلك عيد من أعياد الجاهلية. والعيد هو ما يعود على الناس في يوم أو أسبوع أو شهر أو سنة، فكل ما اعتاد الناس الاجتماع عليه على وجه معتاد مستمر متردد، فإنه يسمى عيدا. فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام نهى أن تفعل الطاعة في الموضع التي تفعل فيه المعصية والشرك، فإن الذهاب والاجتماع على وجه الشرك والمعصية والتبرك المحدث هو من باب أولى أن يكون النهي عنه. قال رحمه الله تعالى: "كمن يلد ببقعة أو حجر أو قبر ميت أو ببعض الشجر"، يريد رحمه الله تعالى أن من هذه الأفعال التي فيها التعظيم المنهي عنه كمن يلد، واللود هو طلب حصول الخير، والعود ضده هو طلب دفع الشر. كمن يلد ببقعة، يعني يطلب الخير ببقعة من البقعة، كمن يطلب ذلك من نهر حضرموت، فإنه من فعل المشركين، أو يطلب ذلك كذلك من تابوت المحضار، أو قبة سالم بن عمر، أو كذلك قبر فلان وفلان، أو تربة فلان، أو أرض فلان، أو ما يقال كذلك مثلا ببلاد تريم: أنها من الجنة، ونحو ذلك من الخرافات، فإن هذا من فعل أهل الجاهلية، من فعل المشركين. كمن يلد ببقعة أو حجر، كذلك بقعة أو حجر، حتى حجر واحد، مثل ما يقولون كذلك في كثير من الأحجار التي تقصد، كحصاة عمر، وكذلك ما يسمى بالناقة المتحجرة، ونحو ذلك مما يقصده الناس على وجه التعظيم وطلب الخير منها. هذا يتمسح وذاك يدعو، وآخر يصلي ويسجد، وثالث يبل الخيوط في ريقه ويرميه بهذه الحصاة يطلب في ذلك حصول الخير زعما، كما زعم هؤلاء ويفعلون: يرمونها، فإذا التصقت قالوا: يحصل بذلك المطلوب، وإذا لم تلتصق أعاد الرمي مرة ثانية، وكلما كان أسرع بالتصاق كان أسرع في حصول المطلوب، ونحوها من الخرافات. قال: "أو قبر ميت"، كذلك أن يقصد قبر أي ميت، نبي أو ولي أو غير ذلك، مع أنه لا علم لنا بالولي، أمر الولاية حكم بالجنة، وهذا ليس لأحد. فإن من عقيدة أهل السنة والجماعة ألا نجزم لأحد بجنة أو نار، وإنما نرجو للمحسن ونخاف على المسيء. فمن قصد قبر ميت من الأموات، ولو كان من الصالحين، بل ولو كان من الأنبياء، قصدا بذلك حصول الخير، فإنه قد وقع في فعل وأعمال أهل الشرك، لأنه ممن نهى النبي صلى الله عليه وسلم قصد القبور لهذا المعنى. وإنما تقصد القبور كما سيأتي إن شاء الله، إنما تقصد القبور لأجل تذكر الآخرة والدعاء لأهلها، هذا هو الذي يفعل لا العكس. قال: "أو ببعض الشجر"، كذلك أي شجر من الأشجار يقصد لهذا المعنى، فهو من فعل أهل الجاهلية. وقد كان أهل الجاهلية لهم أشجار يعتقدون فيها اعتقادات فاسدة، مثل ذات أنواط الذي جاء ذكرها في حديث أبي واقد الليثي، ومثل ما وقع كذلك نحوه أو قريبا منه في عهد عمر، لما أتوا إلى شجرة الرضوان، وصاروا يجتمعون عليها، وهي الشجرة التي بايع فيها النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه، فقطعها عليه الصلاة والسلام. قطع هذه الشجرة، قطعها رضي الله عنه وأرضاه، عمر، رضي الله عنه وأرضاه، سدا لباب الشرك، وأن لا تفتح وتكون ذريعة للشرك والعياذ بالله. قال: "متخذا لذلك المكان عيدا كفعل عابد الأوثان"، يعني يتكرر ذهابه إلى هذه البقعة أو الحجر أو القبر أو الشجر، ويكون ذلك كالعيد. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «اللهم لا تجعل قبري عيدا، اللهم لا تجعل قبري عيدا»، فقد دعا الله عز وجل أن لا يجعل قبره عيدا، حتى لا يحصل التعظيم الجاهلي الذي وقع فيه مشركو العرب. فمن فعل ذلك بعد هذا، فقد وقع فيما نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام. فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام نزه قبره أن يتخذ عيدا، فقبر من دونه من باب أولى، وما كان دون القبور قبور الصالحين من باب أولى، كالأحجار والأشجار والبقاع، فلا يجوز أن تتخذ عيدا بنص نهي النبي عليه الصلاة والسلام. وقولك: "كفعل عابد الأوثان"، أي أن عابد الأوثان هم الذين يتخذون القبور عيدا، كما جاء في حديث أم سلمة وأم حبيبة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أولئك إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح، اتخذوا على قبره مسجدا، وجعلوا فيها التصاوير»، «أولئك شرار الخلق عند الله تعالى»، فإنهم يجعلون ذلكم البنيان والتصاوير، ويجعلون لها أيام معلومة، وإلى يومنا هذا تزار القبور عند اليهود والنصارى، وبالأخص النصارى، في أيام معلومة محدودة، يجتمع فيها الخلق الكثير. كما يذكر أن قبرا في روما يجتمع له يوما في السنة، يحضر فيه أكثر من مئة ألف نفس، يتبركون بذلكم القبر، ويزورونه، ويعبدونه من دون الله عز وجل، وهذا هو الذي نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام. «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، هذا تقوله عائشة رضي الله تعالى عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم. فعلم أن هذه الأعمال هي من أعمال أهل الشرك، فلا يجوز أن تفعل، وسيأتي إن شاء الله تفصيل لبعض ما أجمل في هذا الموضع في الأبيات الآتية. وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.