الدرس في شرح سلم الوصول للشيخ حافظ الحكمي رحمه الله 22، الدرس الثاني والعشرون: (هو الذي يرى دبيب الدر ... إلى قوله ... وكلنا مفتقر إليه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول إثبات صفتي السمع والبصر لله عز وجل على الحقيقة مستنداً إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. يُثبت الله عز وجل لنفسه السمع والبصر، وقد وردت أدلة كثيرة في الكتاب والسنة تدعم هذا الإثبات.
يناقش إثبات صفات السمع والبصر والعلم لله عز وجل، ويرد على الأشاعرة والماتريدية الذين نفوا هذه الصفات. يبين أن إثبات العلم لله عز وجل لا ينفي إثبات صفات السمع والبصر.
يشرح صفة الغنى لله عز وجل، حيث يبين أن الله غني بذاته عن جميع خلقه، بينما جميع المخلوقات مفتقرة إليه. يُثبت الله لنفسه الغنى المطلق، ويبين أن كل شيء يرزق من عنده.
يؤكد أن المخلوقات مفتقرة إلى الله في جميع شؤونها، بينما الله غني عنها. الآيات تشير إلى عظمة الله في الرزق والعلم وسائر أسمائه وصفاته.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. أورد رحمه الله تعالى أبيات الخمسة بأجل أن يذكر آله والصفات، فهو بسياق ذكر عدد من الأسماء والصفات المتعلقة بذات الرب جل وعلا. فقال أولا رحمه الله تعالى: «هو الذي يرى دبيب الذر في الظلمات قول صم الصفق»، وهذا البيت قد ينتقد من حيث التقدير، فيقول: دبيب الذر يسمع ولا يرى، فكيف يعبر المؤلف رحمه الله بقوله: «هو الذي يرى دبيب الذر»؟ فيجاب عن ذلك بأن ذلك زيادة بلاغة وبيان، وهو أراد رحمه الله تعالى أن لله عز وجل من العلم والسمع والبصر ما يكون به الاطلاع على دبيب الذر. فدبيب الذر مع أنه صوت، إلا أن هذا الصوت مقرون بحركة ترى، فكأنه جمع بين الصفتين في ذكر هذه الحالة لبعض مخلوقات الله عز وجل. وقوله رحمه الله: «والذي يرى دبيب الذر في الظلمات بلغ صم الصقري»، يريد بذلك إثبات صفتين من صفات الله عز وجل، وأهل السنة والجماعة يثبتون هذين الاسمين لله عز وجل على ما يليق بجلاله وبعظمته سبحانه وتعالى، إثباتا بلا تحريف ولا تعطيل ولا تكيف ولا تمثيل، اقتداء بما أثبت الله عز وجل لنفسه في كتابه، وما أثبت له ذلك رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بسنته. بل إن إثبات هاتين الصفتين ليس فقط مما يجب إثباته بالكتاب والسنة، بل يجب إثباته كذلك بالعقل والفطرة. فالأدلة الأربعة كما يقال: كلها تجمع إثبات هاتين الصفتين. أما من أدلة الكتاب، فهي كثيرة جدا، فقول الله عز وجل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، وغيرها من الآيات الكثيرة التي جاءت في كتاب الله عز وجل في إثبات صفتي السمع والبصر لله عز وجل. وهذا كذلك بسنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذه كثيرة في إثبات هاتين الصفتين لله عز وجل. ومن ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث أبي موسى رضي الله تعالى عنه وارضاه، قال: كنا إذا سافرنا كبرنا -يعني كانوا يكبرون بالسفر- فيرفعون أصواتهم. وفي حديث جابر أنهم كانوا إذا ارتفعوا على شيء هضب أو جبل أو نحوه يكبرون، وإذا نزلوا يسجدون. علمهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذلك. ففي ذلك السفرة التي يصفها أبو موسى رضي الله عنه وارضاه، رفع بعض الصحابة أصواتهم بذلك -أي بالتكبير- فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته». وبهذا إثبات القرب لله عز وجل، وكذلك السمع والبصر، فإن الله سميع بصير، يسمع ويرى. فالله عز وجل يقول: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَرَاكُمْ حِينَ تَقُومُونَ﴾، وغيرها من الأدلة في هذا الباب. بل ثبت في السنة من فعله عليه الصلاة والسلام ما يؤكد إثبات صفتي السمع والبصر على الحقيقة. وجاء عند أبي داود من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تلا قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، قال أبو هريرة رضي الله عنه: «وضع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه» -يعني: هاتف تلا الآية وضع الإبهام والتي تليها على الأذن وعلى العين-. وهل يريد بذلك أن يبين أذنا كأذن الإنسان وعينا كعين الإنسان؟ حاشا وكلا، وهو قد علم قول الله عز وجل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. وإنما أراد أن يبين حقيقة السمع وحقيقة البصر، أي: أن الله عز وجل يسمع بسمعه، ويبصر بعينه. يسمع بسمعه ويبصر بعينه. هل نقول: إنه يسمع بأذن؟ نقول: لا، لا نقول: إنه يسمع بأذن. لماذا؟ لأنه لم يثبت في الكتاب ولا في السنة إثبات الأذن. والأمر توقيفي، القاعدة أن باب الأسماء والصفات توقيفي، لا يتعدى القرآن والحديث، كما قال الإمام أحمد رحمه الله. بل نقول: يسمع بسمعه. الحديث فيه أنه يسمع بسمعه وأنه يبصر بعين. من أين علمنا أنه يبصر بعين؟ من الأدلة الأخرى الكثيرة، كقول الله عز وجل: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾، يعني: برعايتنا ورؤيتنا. برعايتنا ورؤيتنا. ولتصنع على عينه، كذلك فإن رؤية الله عز وجل وعنايته برؤيته بعينه سبحانه وتعالى. وكذلك في حديث ابن عمر وغيره في وصف الجبار، فإن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «وإن ربكم ليس بأعور». قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى: وقد أجمع المسلمون من الصحابة ومن بعدهم بهذا الحديث على إثبات العينين لله عز وجل. فعلم بهذا أن هذه الأحاديث وهذه الآيات تدل على إثبات صفتي السمع والبصر لله عز وجل على ما يليق بجلاله وعظمته، وأنه سمع حقيقي وأنه بصر حقيقي يليق بجلال الله وعظمته. فلا ننبطح لمنفة الجهمية الذين زعموا أن الله لا يوصف بسمع ولا بصر، ولا ننكر كما حرفت المعتزلة ونفت. فزعمت المعتزلة أن لله أسماء جامدة، فيثبتون أنه سميع وأنه بصير، لكنه سميع بغير سمع، ويقولون: بصير بغير بصر. بل يقولون: إن سميع إنما هو اسم جامد لا معنى له. وهم بالحقيقة عطلوا هذه الأسماء التي أثبتها الله عز وجل لنفسه. ولا نقول كما قال الأشاعرة والماتريدية والكلابية الذين نفوا هاتين الصفتين لله عز وجل، فزعموا أنهم يثبتون لله السمع والبصر، لكنهم يقولون: سمعه علمه بالمسموعات، وبصر علمه بالمرئيات. وهذا بالحقيقة ليس إثباتا للسمع والبصر، بل إثبات للعلم لا إثبات للصفة. فلا فرق بين قول الأشاعرة هذا وبين قول المعتزلة: «سميع بذاته بصير بذاته». فقول: «سميع بذاته»، أي: ليس لله صفة هي السمع، وليس لله صفة هي البصر والرؤية. بل يجعلون أن جميع الصفات ترجع إلى الذات. جميع الصفات ترجع إلى الذات. وهذا كما أنه مردود شرعا كما سمعنا بأدلة الكتاب والسنة، فهو مردود كذلك فطرة وعقلا وحسا. أما حسا، كما نراه ويلمسه كل واحد منا، إذ يدعو الله عز وجل فيجد أن الله جل وعلا يستجيب دعاءه ويعطيه سؤله، وقبل أن يسأل الذي سأل من يعطيه مثل السؤال ولا يجيبه فيما دعا به. فهذا يدل أن لله عز وجل سمعا يسمع به دعاء الداعين، ويستجيبه، واستغاثة الملهوفين. وهكذا كذلك يدعوه المضطر فيفرج ما به من كربة، ويزيل ما به من بلاء. وهذا كذلك من الأدلة الحسية التي تدل على صحة ما يجب أن يثبت لله عز وجل من صفة السمع والبصر. وأما من أدلة العقل والفطرة، فمن أدلة الفطرة ما يجده كل إنسان في نفسه من شيء كأنه أن الله جل وعلا يسمع دعاءه ويرحمه فيما هو فيه. لا تجد مؤمنا بل ولا حتى كافرا آمن بالله ولو لم يؤمن بالرسالة إلا وهو يرى في نفسه أن الله جل وعلا مطلع على حاله، يرى ويسمع ما هو فيه. فهذا شيء مستقر بالفطرة، لا يكاد ينكره إلا جاحد مكابر. لا يكاد ينكره إلا جاحد مكابر. وأما من دليل العقل، فهو ما جاء بالشرع، والاستدلال به. فإن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما استدل على فساد أعوام ما كان يعبده المشركون في زمانه، كان مما استدل به عدم وجود السمع والبصر بهذه المعبودات المعبودات من دون الله عز وجل. ويقول: «يا أبت لما تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا». إذا كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام استدل على المشركين بهذه الحجة، وزعم المعطلة من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة وموافقوهم إلى نفي هاتين الصفتين، فما الفرق بينهم وبين المشركين؟ بل المشركون خير منهم، إذ أنهم ما أجابوا إبراهيم عليه الصلاة والسلام، لأن الإلزام لا يلزم أن يسمعوا أو يروا أو يبصروا، بل سكتوا وأبكموا وبهتوا، فما وجدوا لذلك جوابا. فكان بذلك الحجة عليهم. فعلم بهذا أن أدلة الشرع من الكتاب والسنة، وأدلة العقل والفطرة، وأدلة كذلك الحس، تثبت جميعا إثبات هاتين الصفتين لله عز وجل. فيحذر طالب العلم مما قد يجده ببعض الكتب من كلام المعطلة الذين يمكرون هاتين الصفتين. فإن أهل البدع والأهواء الذين ضلوا في باب الأسماء والصفات اجتمعوا جميعا على نفي جميع الصفات الفعلية. ينفون جميع الصفات الفعلية. ولو قال كثير منهم: إن بعض مثبتة الصفات -كالأشاعرة والماتريدية والكلابية- يثبتون الصفات السبع أو الصفات الثمان، على خلاف بينهم. لكن في الحقيقة لا يثبتونها على ما جاءت به أدلة الكتاب والسنة. فهم متفقون جميعا على عدم إثبات أي صفة من الصفات الفعلية. فمن قال منهم: إنه يثبت السمع والبصر، فيثبت سمعا وبصرا لا وجود له من ناحية الصفة الفعلية. لا وجود له. ولهذا يقول كما يقول الجرجاني في كتابه «التعريفات»، فإنه يقول في تفسير السمع والبصر: «سمعه علمه بالمسموعات، وبصر علمه بالمرئيات». وللأسف ربما ينقل بعضكم للسنة هذه التعريفات، غير منتبهين بهذا الخطر والسم الذي قد بثه هذا الأشعري بهذا التعريف، وينقلونه. فإنه تعريف يبعد ما ذهب إليه أصحاب كتاب -أظنه يقصد كتاب «نظرة النعيم»- فإن أصحاب كتاب «نظرة النعيم» ينقلون كثيرا عن الجرجاني بتعريفاته. والجرجاني أشعري، أكثر تعريفاته تعريفات أهل التلبيس. فيأتي إلى شيء من هذه الصفات، إلى الرحمة فيحرفها، يأتي إلى الرأفة فيحرفها، يأتي إلى السمع والبصر فيحرفها. وهم يأتون فيقولون: «قال الجرجاني لتعريف الرحمة كذا وكذا، قال الجرجاني لتعريف السمع كذا وكذا»، بينما تعريفاته كلها مبنية على المذهب الأشعري. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وعلمه بما بدى وما خفيه أحاط علما بالجلي والخفيه»، تأكيد لما سبق، أي: مع أن الله عز وجل يسمع ويرى ويبصر، فهو كذلك له علم، له علم يعلم به المعلومات. ونفرق بين صفة العلم وبين صفة السمع والبصر. وهذه الحكمة من إيراد هذا البيت بعد هذا البيت، لأن الأشاعرة يدخلون هذه الصفة بهذه الصفة. الأشاعرة يقولون: «علمه بالمسموعات هو السمع، وعلمه بالمبصرات هو البصر، وهو الرؤية». وهذا خطأ. لأن لله عز وجل صفة هي السمع، وهو سمعه بالمسموعات. ولله عز وجل كذلك صفة هي الرؤية والبصر، هي رؤيته وبصره للمبصرات ومرئياتها. ولله عز وجل صفة هي العلم، وهو علمه للمعلومات. علمه للمعلومات ما ظهر منها وما خفيها، وما جهر وما سر. فهو سبحانه بكل شيء عليم، كما وصف عن نفسه جل وعلا. والأدلة فيما ذكر رحمه الله كثيرة جدا من الكتاب ومن السنة في إثبات العلم لله عز وجل. فإنه سبحانه علمه بما بدى وما خفي، أحاط علما بالجلي والخفي. علم جلي الأمور -أي واضحها- وخفيها، كما قال سبحانه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾، فهو يعلم الغيب ويعلم الشهادة، ويعلم الباطن ويعلم الظاهر، ويعلم الصغير والكبير. يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. وكذلك يعلم الشيء الواضح الظاهر والشيء الخفي الدخيل، كما قال سبحانه كذلك واصفا بعض تفاصيل علمه جل وعلا: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم، ولا خمسة إلا هو سادسهم، ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا. فلا يخفى عليه سبحانه وتعالى من المعلومات شيء، فهو بكل شيء عليم سبحانه. وهكذا ثلث رحمه الله تعالى بقوله: «وسمعه أو قال وسمع وسامع للجهر والإخفات بسمعه الواسع للأصوات». وسامع للجهر والإخفات، أي: كذلك فهو سبحانه يوصف بأنه سامع، يسمع يوصف بأنه سامع، يسمع للجهر -أي الشيء الظاهر- والإخفاف، كما نعرفنا في حديثه بموسى، وهكذا الآيات الكثيرة التي سبقت. وقوله: «بسمعه»، أي: أن سمعه بسمع، لا نقول كما قالت الأشاعرة: «سمعه علم بالمسموعات»، لا. وهذا ما يعبر به كثيرا صاحب تفسير الجلالين -جلال الدين السيوطي وجلال الدين المحلي- وهما من الأشاعرة، إذا جاءوا إلى صفة السمع والبصر، فإنهم يقولون: «علمه بالمسموعات، علمه بالمبصرات، علمه بالمرئيات». وهذا خطأ وتحريف. لأن الله عز وجل أثبت لنفسه صفة السمع، فلا بد أن يثبت له صفة السمع. ولهذا أكد المؤلف رحمه الله بقوله: «بسمعه الواسع للأصوات»، فلله عز وجل سمع يسمع بسمع واسع للأصوات، يشمل الأصوات العالية وخفية. ويقولون: إن الإنسان لا يسمع إلا صوتا معتدلا، فإن زاد الصوت لا يسمعه، وإن نقص الصوت لا يسمعه. والله عز وجل سمعه يسع جميع المسموعات، يسع جميع المسموعات وجميع الأصوات. وجاء في الصحيحين حديث عائشة في قصة خولة التي جاءت تشتكي زوجها، قالت: مبينة عظم هذه الصفة لله عز وجل، أنها ما كانت تسمع حديثها وهي في حجرتها، ويختفي عليها بعض حديثها، وهي تسر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بمشكلتها وما وقع لها مع زوجها، ويسمعه الله عز وجل من فوق سبع سماوات. وينزل جبريل بالوحي على نبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ الآيات. فعلم بهذا كذلك إثبات هذه الصفة لله عز وجل. قال رحمه الله: «ورض الغني كذلك بذاته يجلى ثناؤه تعالى شأنه»، كذلك لما تكلم عن هذه الصفات، بين أن الله جل وعلا مع علمه مع سمعه مع بصره، هو غني عن عباده جل وعلا. فله الغنى المطلق، غني بذاته. فكل شيء مفتقر إليه، وهو لا يفتقر إلى شيء جل وعلا. وهذا هو الكمال الذي يجب أن يثبت لله عز وجل. وكما قال عن نفسه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. والله هو الغني الحميد. ومعنى قوله رحمه الله: «وهو الغني بذاته»، أي: الغني في جميع أموره وأحواله، سواء بما يتعلق بربوبيته أو ألوهيته أو أسمائه وصفاته. الإنسان إذا وصف بشيء من الصفات، فالصفات ناقصة مفتقرة إلى غيره، لا يسمع إلا بما يمده الله جل وعلا من إمكان السمع، ولا يرى إلا بما يمده الله جل وعلا من أمر إمكان الرؤية. وهكذا سائر ما يملك من صفاته. ولهذا يفتقدها في بعض الأحيان، وتنقص عليه في أحيان أخرى. أما من له هذه الصفات على وجه الغنى والكمال -الغنى بالذات- فهي لا تبتدي بنقص، ولا تنتهي إلى نقص، ولا تمر بنقص، بل هي كمال في كمال. هذا مراد رحمه الله، تأكيد إثبات الكمال بالصفات التي أثبتها لنفسه سبحانه. ولهذا قال: «جل ثناؤه وتعالى شأنه»، فهو في هذه الصفات جليل، متصف بها على أكمل الوجوه، وهو عالم متصف بها على أحسن الشؤون. ثم قال رحمه الله تعالى: «فإنما هذه الأبيات مبينا أن من غناه افتقار الخلق إليه في الرزق، وافتقار الخلق إليه في التدبير». قال: «وكل شيء رزقه إليه»، وكل شيء رزقه عليه، وكلنا مفتقر إليه. وقوله: «وكل شيء رزقه عليه»، أي: من غنى سبحانه، فإن كل شيء يرزق من عند الله عز وجل، سواء الرزق الخسفي أو الرزق المعنوي. الرزق المعنوي وهو ما يتعلق بالأشياء المعنوية التي منها العلم والإيمان والشرح، والأشياء الحسية -مثل الطعام والشراب والهواء ونحو ذلك-. وكل ما سوى الله يرزق من الله، كل ما سوى الله يرزق من الله، سواء شيئا حسيا أو شيئا معنويا. ومع ما يرزق به، فهو لا ينقصه من رزقه جل وعلا من شيء. كما في حديثه في الصحيحين: «لو أن الأولين والآخرين وإنسهم وجنهم قاموا في صعيد واحد، فسأل كل منهم مسألة، ما نقص ذلك من ملكه إلا كما ينقصه إذا أدخل المخيط البحر». ماذا ينقص إذا أدخل المخيط البحر؟ لا ينقصه شيء. وبمثل هذا العلم، علم الله عز وجل. وفي الصحيحين أن موسى عليه الصلاة والسلام لما أعجب بعلمه، دعاه الله عز وجل إلى الخضر ليتعلم ويعلم أنه يوجد من هو أعلم مما يعلم. فكان من كلام الخضر لموسى عليهما الصلاة والسلام أنه قال له: «إن الله علمك علما لم يعلمني، وعلمني علما لم يعلمك إياه». وما علمي وعلمك بعلم الله إلا كما أخذ هذا الطير من الماء حين أدخل منقاره في الماء فأخرجه، فلم ينقص من علم الله شيء. وكذلك من رزق الله سبحانه وتعالى، وكلنا مفتقر إليه. الافتقار بجميع الأحوال والأشياء. فنحن نفتقر إليه في الرزق، ونفتقر إليه في الخلق، ونفتقر إليه في التدبير، ونفتقر إليه في كل حركة وسكنة. نفتقر إلى الله عز وجل. لو أن الله عز وجل منع عنك الهواء ما تقدمت فتية. لو منع عنك القوة ولم يمدك سبحانه وتعالى بما جبل عليه هذه الحركات من احتياجها للقوة، فما استطعت أن تتحرك تسبيحة واحدة. فعلم بهذا أن كل المخلوقات مفتقرة إلى الله عز وجل، والله جل وعلا غني سبحانه. وهذه كما يقولون من حسن بلاغة المؤلف رحمه الله، أن ختم هذه الأبيات وهذه فقرة من الأبيات بهذا البيت البديع الذي فيه عظمة الرب جل وعلا، بما لا ينكره أحد، بما يتعلق برزقه، وكذلك بما يتعلق بعلمه، وسائر أسمائه وصفاته. وبهذا قدر من الكلام، الحمد لله رب العالمين.