الدرس في التعليق على شرح الميمية للعلامة العثيمين 22، الدرس الثاني والعشرون:من( ثم قال رحمه الله:وتزعم مع هذا بأنك عارف*كذبت يقيناً في الذي تزعم ... وبالظلم يعلم ولكنه يعدل بل يظلم وإن كان يعلم الحق ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول المقطع خطورة ادعاء العلم أو الصلاح دون توبة حقيقية، ويشير إلى العوائق التي تمنع الناس من الرجوع إلى الحق مثل الكبر والمال والسلطان.
يناقش تأثير الجهل على استمرار الناس في ارتكاب الذنوب والمعاصي، ويوضح أن الجهل بالعمل وليس بالعلم هو الذي يؤدي إلى الفساد.
يُحذر من خطورة عدم تطبيق العلم في الحياة اليومية، ويبين أن العلم بدون عمل يمكن أن يؤدي إلى عذاب أشد من الجهل.
يختتم بالدعاء للمسلمين بالسلامة والهداية والتوفيق للعمل الصالح، والصلاة على النبي محمد.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. أعلم -مع هذا- بأنك عارف، كذبت يقينا في الذي أنت تزعم. قال رحمه الله: وهذا مشكل؛ إذ كيف يتصف الإنسان بهذه الصفات القبيحة، ثم يدعي بعد ذلك أنه عارف؟ ومثل هذا له نصيب من قوله تعالى: ﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا﴾. وما ضاع الناس إلا بمثل هذا. ولو أن الإنسان عرف نفسه، وعرف أنه ضال وأنه ليس على هدى، سهل عليه أن يتعدى ذلك -أي يتعدى هذا الضلال- بالتوبة وبالعلم والعمل؛ فإنه إذا فعل ذلك نجأ. لكن إذا كان يظن نفسه أنه على صواب، فهنا تأتي المشكلة العظيمة؛ إذ أنه يبقى على باطله، وهو يظن أنه على عمل صالح وحسن. قال رحمه الله: فالمشكل هو أن يبقى الإنسان في غيه، ثم لا يظن أنه عليه خطأ، فهذا هو البلاء، فهذا هو البلاء بعينه. ومراد الناظم رحمه الله تعالى ليس من هو جاهل؛ فالجاهل معذور، وقد قال الله عز وجل: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسوله﴾. فالجاهل الذي يظن نفسه على صواب، وهو على خطأ، ولم تقم عليه الحجة، هذا معذور. لكن المقصود بهذا هو من قامت عليه الحجة، ولكنه يكذب على نفسه، فيظهر للناس خلاف ما يبطن، كما تقدم معنا. فأمثال هؤلاء كأمثال فرعون؛ فقد علم في قرارة نفسه أنه مبطل، وأن موسى عليه الصلاة والسلام محق، ولكن منعه الكبر وحب الملك. وهكذا كذلك أصناف من الناس يعلمون الحق، ولكن يكون عائقا بينهم وبين الرجوع له شهوات خفية؛ أحيانا الكبر، وأحيانا الملك والسلطان، وأحيانا الجاه والمنصب، وأحيانا المال، وغير ذلك من الشهوات والأغراض الخفية التي يبطنها، ويظن الناس أن الأمر ليس كذلك. وحقيقة الأمر أنه عارف وعالم، ولكن منعه من ذلك عائق من تلك العوائق. ولهذا قال رحمه الله: «كذبت يقينا في الذي أنت تزعم». قال: ثم قال رحمه الله: «وما أنت إلا جاهل، ثم ظالم، وإنك بين الجاهلين مقدم». قوله: «وإنك» يصلح أيضا أن تقول: «وأنك»، ويكون المعنى: وما أنت إلا أنك بين الجاهلين مقدم. وقوله: «جاهل» يعني: لا تعلم. وقوله: «ظالم» يعني: لا تعدل. وبهاتين الصفتين يحصل الخلل، وتضيع الأمانة، كما قال الله عز وجل: ﴿وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا﴾. فبالجهل والظلم يكون الفساد؛ فبالجهل لا يدري الإنسان ما هو الحق حتى يتبعه، وبالظلم يعلم ولكنه لا يعدل، بل يظلم، وإن كان يعلم الحق. ومراد الناظم رحمه الله ها هنا بالجهل ليس جهل العلم، ولكنه جهل العمل. فلو كان يجهل العلم من أصله، لصار معذورا، كما تقدم. معنى أن الجاهل الذي لم يبلغه شيء من العلم معذور: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾. ولكن المقصود بالجهل ها هنا جهل العمل، ولو جهل بعض العلم؛ لأنه علم الحق، فتخلف عن العمل به، فهو جاهل بالعمل، أي: جاهل بعاقبة سوء عمله، كما قال الله عز وجل: ﴿إنما التوبة على الله للذين يعملون سوءا بجهالة ثم يتوبون من قريب﴾. فالذين يعملون السوء بجهالة: ليس من يجهل أن هذا السوء حرام، ولكن من يجهل خطورة وعظم خطر هذا السوء، وسوء عاقبته في الدنيا قبل الآخرة. ومن هؤلاء من يمني نفسه بتوبة قريبة، وهي أماني غير صادقة. ومن هؤلاء كذلك من يكذب على نفسه بما علم واستيقن، فيتعلق بسعة رحمة الله سبحانه وتعالى، مع علمه أن رحمة الله إنما هي قريبة من المحسنين. وأمثال هذه المفاهيم التي هي من الجهل، فتكون سببا في وقوع العمل السيء أو الإصرار عليه. وما من مذنب من المذنبين، ولا مخطئ من المخطئين، وقد علم حرمة ما وقع فيه، إلا وله شبهة، هذه الشبهة كانت سببا في استمراره في ذنبه، ومواصلته لخطئته، ولكن يظن أن هذا يُعْدِرُه، وَهُوَ لَا يُعْدِرُهُ عِنْدَ اللَّهِ، وَهَذَا هُوَ الْجَهَلِ. فأمثال هذا من مواضع الجهل. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة﴾. فليس المقصود الجهالة التي لا يكون معها العلم؛ فأمثال هؤلاء معذورين، ولكن المقصود الجهالة التي توقع في العمل السيء مع العلم بحرمته، على ما سمعنا من مواضع هذا الجهل. وقوله رحمه الله تعالى: «وَإِنَّكَ بَيْنَ الْجَاهِلِينَ مُقَدَّمُ» يعني: كونك علمت الحق وعرفت طريقه، وتقدم معنا أن الخطاب في أول الأمر لمن كان معه شيء من العلم. فكونك تصر على هذه الطريق مع علمك بذلك، هذا يجعلك مقدم بين الجاهلين. والجهل له عواقب سيئة في الدنيا، وهكذا كذلك في الآخرة. ولذلك كان الجهل منافي للإيمان؛ فالإيمان من أعظم صفات أهله العلم. فبالعلم نجوا من جهل الكفر وجهل أهل الجاهلية في أخلاقهم وعقائدهم وسيئ أعمالهم. ومن علم وأصر على ما هو عليه، كان مقدم في الجاهلين. ويؤيد ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: «أول من تسعر بهم النار ثلاثة»، حديث أبي هريرة في مسند أحمد وغيره، وذكر منهم: «عالم لم يعمل بعلمه». فلجهله بعاقبة العمل لم يعمل بعلمه، فقدم على جميع الجاهلين في العذاب، حتى أنه قدم على الكفار والمشركين. وهذا مصداق ما قال رحمه الله: «وإنك بين الجاهلين مقدم». وكما قال القائل: «عالم بعلمه لم يعمل، معذب من قبل عباد الوثن». وبهذا القدر نكتفي، ونسأل الله عز وجل لنا جميعا السلامة والهداية. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.