الدرس في كتاب الطهارة 5، الدرس الخامس : فيه : ( 2-أن النية شرط أساسي في العمل ولكن بلا غلو ... هل يحبط العمل أو لا يضر فاعله ويجازى على أصل نيته؟أهـ بتصرف ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش حكم التلفظ بالنية واستحضارها في بداية العبادة، ويبين أن التلفظ بالنية يعتبر بدعة. النية محلها القلب وليس لها لفظ محدد.
يحذر من الرياء والسمعة في الأعمال، ويبين أن الجهر بالنية بدعة لا أصل لها في الشريعة. الرياء المحض يحبط العمل.
يناقش أقسام التشريك في العبادات، ويبين ضوابط الجمع بين عبادة وعادة أو بين نيتين في عمل واحد. الضابط هو أن يكون أحد الطرفين غير مقصود لذاته.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، أخذنا أن مجار الأعمال أخذنا واحدًا. قال المُحَدِّث رحمه الله تعالى: ثانيًا، أي مما يأخذ من الحديث أن النية شرط أساسي في العمل وأعظم. يقول الأصح أن يقول: أساس، ولكن بلا غلو، بلا غلو في استحضارها، يفسد على المتعبد عبادته. فإن مجرد قصد العمل يكون نية له بدون تكلف استحضارها وتحقيقها. وهذه فائدة ثانية أخذت من الحديث: أن استحضار أن النية شرط أساسي في العمل، ولكن بلا غلو. ومر معنا في زمان النية أن المقصود هو مطلق المقارنة أو المقارنة العرفية، كل عمل بحسبه. فالمقصود هو حصول العمل بنية، ولا حاجة إلى استحضارها حال الابتداء بالعمل، لما في ذلك من المفاسد. ومر معنا أن التلفظ بالنية بدعة، وأنه نقص في العقل والدين، وليس من السنة، ولم يفعله أحد من الصحابة ولا التابعين ولا الأئمة، فضلًا عن أن ينسب للنبي عليه الصلاة والسلام. وبطيئة الآن مسألتان: هل يجوز التلفظ بالنية بالسر، بأن يمر لفظ النية على القلب؟ يمر لفظ النية الذي سيتلفظ به بلسانه يمر على القلب، أو كذلك استحضار النية في حال الابتداء بالعمل؟ استحضار النية في حال الابتداء بالعمل. الجواب: لا، لا يشترط ولا يستحب الإسرار بالنية بالقلب، أو كذلك استحضارها مع الابتداء بالعمل. ومر معنا كذلك بما سبق أن النية محلها القلب، كما سيأتي بالفائدة الثالثة. فإذا كان كذلك، ما معنى محلها القلب؟ هل معنى أن يكون لها لفظ في القلب؟ الجواب: لا، ليس مقصودًا أن معنى مكانها القلب أن لها لفظًا في القلب. لا، ليس لها لفظ في القلب، وإنما معناه أن ذلك وجودها في القلب. فليس لها لفظ في القلب، ما يحتاج إذا صليت الظهر تمر على قلبك جملة: نويت أن أصلي الظهر جماعة حاضر أربع ركعات. لا، هذا بدعة، الصحيح أنه من البدعة، ليس من السنة. وهكذا كذلك استحضار أنك لا تكبر إلا وتمر على القلب النية، وهذا كذلك ليس من السنة، بل الصحيح أنه فيه مفاسد. وكما قلنا أولًا: يدخل الوسوسة، يفتح باب الوسوسة. وثانيًا: يكون فيه مشقة على النفس وتعسير للأعمال. إنسان ما يعمل عمل إلا بمشقة، يحتاج أنه في كل مرة يريد أن يدخل إلى الصلاة ما يكبر إلا يقف قليلًا حتى يمر لفظ النية، وهذا تنطع ومشقة وتعسير. وفيه كذلك الاضطراب وعدم الاطمئنان، تبقى في صلاة يتوسوس ويشك غير مطمئن: هل استحضر أثناء التكبير أو ما استحضر؟ هل تأخر قليلًا أو تقدم؟ ونحو ذلك مما به كذلك برم. هل يحصل فيه انشغال القلب وعدم التدبر للعبادة؟ يصير القلب مشغولًا، يدخل الكثير من هؤلاء الموسوسين والمتنطعين في مسائل النية، وهو لا يتدبر العبادة. المفروض أنه يتدبر العبادة قولًا وعملًا، بوقت التكبير يتدبر التكبير: الله أكبر، بس، وينتقل بعده إلى الدعاء، وبعد الدعاء إلى التعوذ وقراءة الفاتحة، وبعدها السورة. كل عمل من أعمال الصلاة يحتاج إلى تدبر قول أو عمل. لكن لو صار منشغلًا بهذه المسألة، ماذا سيفعل؟ أول ما سيكبر، بدل أن يتدبر الدعاء، يصير ماذا؟ يتذكر هل استحضر النية مع التكبير أو لم يستحضر؟ ربما ينشغل في الركعة الأولى والركعة الثانية وهو يفكر. وهذا كذلك من مفاسده. وقول هذا الإنسان في العبد يعبث بنفسه دائمًا، هو في اضطرابات دائمًا في أشياء لا فائدة فيها، بسبب مثل هذه المسائل التي لم يأمر الله عز وجل بها. قال رحمه الله: الثالث، أن النية محلها القلب واللفظ بها بدعة. وهذا كذلك مر وسبق الكلام عليه، وذكره المؤلف رحمه الله من الفوائد. فإن قال قائل: فماذا يجاب عن قول الحاج: لبيك اللهم عمرة؟ قد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام التلبية بالحج والعمرة. قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَابَعَ النُّذُرَ إِلَى الْحَجِّ أَوْ عُمْرَةٍ﴾، ﴿وَمَنْ أَحْصَرَهُ بِعُمْرَةٍ﴾، ﴿وَمَنْ أَحْصَرَهُ بِهِمَا جَمِيعًا﴾. فهل هذا من التلفظ بالنية؟ لأن بعض الشافعية استدلوا بها أنها من التلفظ بالنية. وأجاب عن ذلك العلماء بأن هذا في الحقيقة مثل تكبيرة الإحرام، فهو شروع في العبادة، شروع في عمل. كما أنك تدخل الصلاة بماذا؟ بالتكبير: الله أكبر، تصير دخلت الآن بالصلاة. كذلك تدخل الحج بقولك ماذا؟ لبيك اللهم حج، لبيك اللهم عمرة، به تدخل بنسك الحج. ولو قدر وقيل تنزلًا أن هذا نية في الحج، لو قدر وتنزل وقيل أنه نية في الحج، والصحيح أنه ليس نية. ومر معنا أثر عمر ونحوه عن مالك رحمه الله. فلو قدر أنه نية، فهذا في الحج، ولا يجوز قياس العبادات بعضها على بعض. الأصل هو عدم جواز القياس في العبادات، لأن باب العبادات ماذا؟ توقيفي. باب العبادات توقيفي، لا يجوز القياس في العبادات. ما يجوز تقيس عبادة على عبادة، لا، كل عبادة تفعلها بحسب ما دل عليها الدليل الشرعي. دل الدليل الشرعي بالحج على جواز ذلك بالحج، ليس معناه أنه يجوز بالصلاة. دل على جوازه في الصلاة، ليس معناه أنه يجوز في الزكاة، وهكذا. فكل شيء دل عليه الدليل نقف عند حدود ما دل عليه الدليل، لا يقاس على العبادات. وقد مر معنا أن العلماء أشاروا إلى أن الجهر بالنية من البدع، الجهر بالنية من البدع، وأنه من النقص في العقل وفي الدين، وأنه كذلك مما يخالف الشريعة. فإن قال قائل: كيف دخل هذا على الشافعية وعلى بعض المتفقهة؟ أجاب عن ذلك شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم رحمهم الله بأن ذلك دخل عليهم في عبارة الإمام الشافعي، أنه قال: لا صلاة إلا بذكر. وهكذا يقول شيخ الإسلام: أنه نقل عن الشافعي أنه قال: إلا بنطق، لا تصح الصلاة إلا بنطق. ففهم بعض أتباعه بأنه مراد التلفظ بالنية. وبين شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم أن مراد الإمام الشافعي رحمه الله أن الصلاة ما تصح إلا بذكر، يعني بتكبيرة الإحرام. ويوضح كلامه في بعض كتبه الأخرى. وهكذا كذلك: إلا بنطق، مراده: إلا بتكبيرة الإحرام، إلا بتكبيرة الإحرام. وإلا فلم يصح كما قلنا: لا عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولا عن الصحابة، ولا عن التابعين، ولا عن أحد من الأئمة. بل يقول ابن القيم كما في زاد المعاد: أشار إلى ذلك أنه لم ينقل عن أحد، لا بإسناد صحيح، ولا ضعيف، ولا مرسل، ولا مسند، ما نقل عن أحد أبدًا، مسألة التلفظ بالنية، وإنما هو شيء أحدثه بعض المتأخرين. قال رحمه الله: ورابعًا، وجوب الحذر من الرياء والسمعة والعمل لأجل الدنيا، ما دام أن شيئًا من ذلك يفسد العبادة. خامسًا، وهذا معناه أن الإنسان يجب أن يحذر من الرياء والسمعة، والرياء أعم من السمعة. السمعة نوع من أنواع الرياء، يقصد بذلك السمع والصيت وذكر الناس والثناء. وهذا كله مما يفسد العبادة. قال: الخامس، أو خامسًا، وجوب الاعتناء بأعمال القلوب ومراقبتها. الانتباه لمبحث النية يجعل الإنسان في اعتناء دائم لأعمال القلوب ومراقبة لها. قال: سادسًا، أن الهجرة من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام من أفضل العبادات إذا قصد بها وجه الله تعالى. والهجرة بهذا المعنى كما قلنا مستمرة، مستمرة إلى قيام الساعة. أما أجر الهجرة الخاص الذي وقع للمهاجرين بزمن النبي عليه الصلاة والسلام انقطع بفتح مكة، كما قال عليه الصلاة والسلام: «لا هجرة بعد الفتح»، بحديث ابن عمر، البخاري، جاء عن جماعة من الصحابة. ولكن جهاد ونية. وأما الهجرة التي هي بهذا المعنى: من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام، ومن بلاد الطاعة إلى بلاد المعصية، فهي باقية إلى قيام الساعة، كما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في مرويه أحمد وأبو داود والنسائي من حديث معاوية، وحسنه الشيخ العلامة الألباني رحمه الله بالإرواء، أنه قال: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها»، حتى تطلع الشمس من مغربها. وهذا يدل أن الهجرة باقية إلى قيام الساعة، الهجرة باقية بهذا المعنى إلى قيام الساعة، بل هي واجبة، ليس فقط هي من أفضل العبادات، هي واجبة. يجب على المسلم أن يهاجر من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، لا يجوز له البقاء في بلاد الكفر. كما مر معنا في حديث جرير، وجاء معناه عن غيره رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «أنا بريء من المسلم يعيش بين ظهراني المشركين». ربما قال: فائدة. ذكر ابن رجب أن العمل لغير الله على أقسام. فتارة يكون رياء محضًا، لا يقصد به سوى مراءاة المخلوقين لتحصيل غرض دنيوي. وهذا لا يكاد يصدر عن مؤمن، ولا شك بأنه يحبط العمل، وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة. إنسان يريد الرياء المحض، إنسان ما يصلي، تارك الصلاة، كما رأى الناس الذين يصلون يستحي منهم، قام لهم فدخل يصلي، ما صلى لله، إنما صلى حياء من الناس، هؤلاء، فهذا الفعل الذي فعله رياء محض، ولهذا قال: لا يكاد يصدر من مؤمن. ومثل هذا الرياء يحبط العمل من أصله، ليس له أجر في شيء من الصلاة، ولا تقبل منه هذه الصلاة. قال: وتارة يكون العمل لله ويشاركه الرياء، فإن شاركه من أصله، فإن النصوص الصحيحة تدل على بطلانه. وإن كان أصل العمل لله، ثم طرأ عليه نية الرياء ودفعه صاحبه، فإن ذلك لا يضره بغير خلاف. وهذا النوع الثاني ينقسم إلى قسمين: يكون أصل العمل لله، ثم يدخل عليه الرياء، فإن دخل الرياء في أصل العمل، دخل الرياء في أصل العمل، فهنا يبطل العمل من أصله. رجل من عادته أنه يتصدق، وقام ليتصدق بيوم من الأيام، فلما رأى فلان من الناس تحفز للصدقة لأجل فلان، أصل الصدقة لفلان، نسى وترك ما هو لله، إنما لأجل ثناء فلان، فهذا يبطل عليه عمله بالمرة. وآخر زاد بالصدقة لما رأى فلان، بدل ما يخرج عشرين أخذ خمسين، أخرج خمسين، فهذا الزائد مردود. قال: وإذا دافع صاحبه هذا الرياء، دافع هذا الرياء، العمل أصله لله، فلما رأى فلان جاء العجب في نفسه، وكذلك جاء طلب للثناء، ثم جاهد نفسه وأخلص النية لله، يقول: إذا دافع هذا الرياء، دافعه، فإنه إن شاء الله لا يضر. قال: وقد اختلف العلماء من السلف في الاسترسال في الرياء الطارئ: هل يحبط العمل أو لا يضر فاعله ويجازى على أصل نيته؟ انتهى بتصرف أن انتهى بتصرف من كلام ابن رجب رحمه الله. وهذا خلاف في مسألة ثالثة، وهو إذا كان استرسل بالرياء الطارئ، ضرع عليه الرياء، فاسترسل به، مشى معه، هل يحبط العمل أو لا يضر العمل؟ الصحيح أنه لا يضر العمل، وأن الزائد القدر الزائد هو الذي يطول عليه القدر الزائد، أولًا بالصلاة، فالتطويل مردود، وأصل الصلاة مقبول، وهكذا. وأخيرًا هنا مسائل تسمى مسائل التشريك، يعني إذا اشتركت أكثر من نية في عمل واحد، وهي على أقسام. القسم الأول: أن يشرك بين عبادة لله عز وجل وعبادة لغير الله، عبادة باطلة، عبادة شركية. فمثل هذا التشريك يبطل العمل، مثل يذبح لله وللقبر الفلاني، يذبح لله وللولي الفلاني، هذه عبادة باطلة، ما تقبل، تحبط العبادة، كما قال عز وجل: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. والنوع الثاني من التشريك: أن يشرك بين العبادة ويدخل معها ما ليس بعبادة، بل عادة. فهذا كذلك على عكس الأول، لا يضر. مثاله: رجل يصوم لله عز وجل، فصام حين علم أن الصيام يمنع مرضه، جمع بين أصل الصيام وبين ماذا؟ العلاج، هذا لا يضر. وهذا كذلك اغتسل لأجل التبرج مع اغتساله لأجل رفع الحدث، فهذا كذلك لا يضر إن شاء الله، بخلاف لو أن أصل العمل لم يقصد به وجه الله، فهنا هذا الذي يضر، على ما سبق الكلام عليه فيما ذكره ابن رجب. والنوع الثالث: أن يخلط نيتين ويجمع نيتين في عمل واحد بعبادة من العبادات الصحيحة الجائزة شرعًا. وهذه المسألة هي مسألة: هل يجوز يجمع عملين بعمل واحد؟ الجواب: يجوز إذا كان كل عمل أو أحد العملين ليس مقصودًا بذاته، إذا كان أحد العملين ليس مقصودًا بذاته ليجوز. فمثلًا تجمع بين سنة الوضوء وتحية المسجد، يجوز. يجوز أن تجمع عملين في عمل واحد، تجمع بين كذلك غسل الجنابة وغسل الجمعة على القول الصحيح من أقوال أهل العلم، أنه يجوز؛ لأن أحدهما ليس مقصود لذاته. فإذا كان أحدهما ليس مقصودًا لذاته فيجوز الجمع، وأما إذا كان أحدهما أو كل منهما إذا كان كل منهما مقصودًا لذاته، فلا تجمع بينهما، ولا يجوز الجمع بينهما، ولو كان نافلة، مثل تحية المسجد أو سنة الظهر القبلية الراتبة وسنة الظهر البعدية الراتبة، ما يصلح. صلي بعد الظهر إذا فاتتك التي قبل الظهر ركعتين تنوي الأمرين، لماذا؟ لأن كل من الراتبتين مقصود لذاته، مقصود لذاته، فلا يجمع بين الراتبتين. وبه نعرف أن قول من قال: أنه يجمع بينهما إذا كان سنة أو كان أحد ما واج، وأما إذا كان واجب وواجب، فلا يجوز، أنه قول ليس بالصحيح. بل الصواب هو هذا الضابط: إذا كان أحد ما ليس مقصودًا لذاته فيجوز الجمع والتشريك، وإذا لم يكن كذلك فلا يجوز، على ما سبق التنفيذ عليه. وبهذا نكون انتهينا من الحديث الأول. وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.