الدرس في شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 56، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
ينكر المؤلف بدعة تخصيص قراءة سورة الأنعام في الركعة الأخيرة من التراويح في الليلة السابعة، مبيناً أن السنة تطويل الركعة الأولى على الثانية في جميع الصلوات. كما ينكر بدعة قراءة سجدة غير سجدة ﴿الم تَنزِيلُ﴾ في صلاة الفجر يوم الجمعة، موضحاً أن السنة قراءة ﴿الم تَنزِيلُ﴾ و﴿هَلْ أَتَى﴾ وأن سجود التلاوة في ﴿الم تَنزِيلُ﴾ غير ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
يبيّن المؤلف أن حكمة قراءة سورة ﴿الم تَنزِيلُ﴾ في فجر الجمعة تكمن في مضامينها عن الخلق والمعاد لا في السجود، وينكر العلماء تركها وقراءة سورة أخرى بقصد السجود. ثم يذكر آداب التلاوة بالإمساك عن القراءة عند خروج الريح حتى يتكامل، وعند التثاؤب حتى ينقضي مستنداً إلى آثار عن عطاء ومجاهد وعكرمة وحديث أبي سعيد الخدري.
يستعرض المقطع آراء العلماء وأقوال الصحابة في مشروعية قول أدعية أو تسبيحات محددة عند قراءة آيات معينة، مبيناً درجة صحة الأحاديث الواردة في ذلك. ويخلص إلى أن بعضها ثابت عن الصحابة موقوفاً وبعضها ضعيف أو موضوع لا يُعمل به.
ينقل المؤلف نص بعض الأصحاب باستحباب قراءة السور الثلاث المذكورة في حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصلاة، وكذلك باقي الأذكار والأدعية ذات المعنى المماثل. ويختم بالتأكيد على علم الله تعالى بكل شيء.
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فيقول المصنف رحمه الله: قال: "فصل: ومن البدع المنكرة في القراءة ما يفعله جهلة المصلين بالناس في التراويح من قراءة سورة الأنعام في الركعة الأخيرة في الليلة السابعة، معتقدين أنها مستحبة، فيجمعون أمورًا منكرة". انظروا إلى المصنف رحمه الله كيف ينصر السنة ويحارب البدعة، فينكر المنكرات ويرد البدع والمحدثات، فهو في هذا الجانب على قدر كبير من التوفيق رحمه الله. تجدون إنكاره للبدع أبثوثًا في كتبه وفي ثنايا المسائل. يقول: هذه من البدع، أن يتقصد قراءة سورة الأنعام في الركعة الأخيرة في الليلة السابعة، لأن هذا لم يكن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وهو القائل: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، و«من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». قال: "فيجمعون أمورًا منكرة: منها اعتقادها مستحبة، ومنها إيهام العوام ذلك، ومنها تطويل الركعة الثانية على الأولى". وإنما السنة تطويل الأولى على الثانية. نعم، السنة تطويل الأولى على الثانية، كما في حديث أبي قتادة في الصحيحين: «وكان يطول في الأولى ويقصر في الثانية». كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه يطول في الأولى ويقصر في الثانية، وهذا على الراجح، وهو قول الثوري وأحمد وإسحاق ومحمد بن الحسن، وطائفة من أصحاب الشافعي. وإلا فمذهب مالك والشافعي أنه لا تطويل للأولى على الثانية، بل تسوي الأولى والثانية. لكن هذا بناء على الراجح، وهذا الذي رجحه المصنف، وهو شافعي، رجح ما يرجحه الدليل. وتكون الركعة الأولى أطول من الركعة الثانية في جميع الصلوات: في الصبح، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء. هذا هو الأصل. وإذا خرج عن هذا في بعض الأوقات لشيء، فليس معنى ذلك أنه يرتكب شيئًا مكروهًا أو محرمًا أو بدعة، لكن يحاول الإمام أن يراعي ذلك. وإلا فأنتم تعرفون قد يقرأ القارئ ويتفاجأ بآية طويلة فيسرسل معها حتى تكون الركعة الثانية أطول من الركعة الأولى، أو أحيانًا يكون الموضوع مرتبطًا بعضه ببعض، ما تبقى إلا آيتان لإكمال القصة، فإذا أكمل: نعم. قال: "ومنها التطويل على المأمومين". انظروا إلى هذه البدع التي اجتملتها أو التي شملها هذا الفعل. قال: "ومن البدع المشابهة لهذه قراءة بعض جهلتهم في الصبح يوم الجمعة بسجدة غير سجدة ﴿الم تَنزِيلُ﴾، قاصدين ذلك". وإنما السنة قراءة ﴿الم تَنزِيلُ﴾ في الركعة الأولى، و﴿هَلْ أَتَى﴾ في الثانية. نعم، هنا تنبيه: وهو أنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سجد عندما قرأ سورة ﴿الم تَنزِيلُ﴾ السجدة. لم يثبت أنه سجد. نستفيد من هذا أنه ليست الحكمة من مشروعية قراءة سورة ﴿الم تَنزِيلُ﴾ السجدة هو تقصد السجود. إذا لم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه سجد، فليست الحكمة هي قصد السجود، وإنما ما ذكره العلماء الآخرون مما اجتمعت عليه هذه السورة من مبدأ الخلق وذكر القيامة والمعاد إلى آخره. فإذا لم تكن هذه الحكمة، فإذا نعرف خطأ من يتقصد قراءة أي سورة فيها سجود، يظن أن المقصود من قراءة ﴿الم تَنزِيلُ﴾ السجدة هو السجود. فإذا هم يتركون قراءة هذه السورة ويعمدون إلى سور أخرى فيها سجود يقرؤونها لأجل أن يسجدوا. لماذا؟ يظنون أنما شرعت قراءة هذه السورة لأجل السجود، فلا فرق عندهم بين السجود في هذا الموضع أو في موضع آخر. وهذا وإن ذهب إليه بعض علماء الكوفة والبصرة كما ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح، لكن أنكر هذا الفعل غير واحد من العلماء: أنه يترك قراءة سورة ﴿الم تَنزِيلُ﴾ ويعمد إلى قراءة سور أخرى فيها سجدة ويسجد. هذا الفعل أنكره غير واحد من العلماء، منهم ابن القيم وابن عبد السلام. وإن كان يعني قد ذهب إليه بعض علماء الكوفة والبصرة، يعني استحبوا ذلك أن يقرأ في الصبح يوم الجمعة بأي سورة فيها سجدة لأجل أن يسجد، ولكن هذا ليس عليه دليل، هذا ليس عليه دليل. قال رحمه الله: "فصل في مستغربة تدعو الحاجة إليها". قال: "منها أنه كان... نعم، منها أنه إذا كان يقرأ فعرض له ريح، ينبغي أن يمسك عن القراءة حتى يتكامل خروجها ثم يعود إلى القراءة". كذا رواه ابن أبي داود وغيره عن عطاء، وهذا صحيح عن عطاء وابن أبي رباح. قال: "وهو أدب حسن". كان قال: "إذا كان يقرأ فعرض له ريح"، يعني فسأ أو ضراط، فينبغي أن يمسك عن القراءة حتى يتكامل خروجها ثم يعود إلى القراءة. ولا دليل على السحباب هذا الفعل. قال: "ومنها أنه إذا تثاؤب أمسك عن القراءة حتى ينقضي التثاؤب ثم يقرأ". قاله مجاهد، وهو أيضًا صحيح عن مجاهد. قال: "إذا تثاؤبت وأنت تقرأ القرآن فأمسك عن القراءة حتى يذهب تثاؤبك". سنده صحيح. وأيضًا روي بنحوه عن عكرمة مولى ابن عباس، وهو ثابت. فقال: "وهو حسن". ويدل عليه ما ثبت عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا تثاؤب أحدكم فليمسك بيده على فمه، فإن الشيطان يدخل». رواه مسلم. نعم، كما في الحديث الصحيح، حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب، إذا تثاؤب أحدكم فليكظم ما استطاع، أو فليرده ما استطاع، فإن الشيطان يدخل»، أو «فإن أحدكم إذا تثاؤب ضحك منه الشيطان». وهو في البخاري ومسلم. قالوا: "ومنها إذا قرأ قول الله عز وجل: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾، وقوله أيضًا: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾، وقالوا: ﴿اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا﴾، ونحو ذلك من الآيات، فينبغي أن يخفض بها صوته". كذا كان إبراهيم النخعي رضي الله عنه يفعل. وهذا لا دليل عليه، لا دليل على أنه يشرع خفض الصوت عند قراءة هذه الآيات. قالوا: "ومنها ما رواه ابن أبي داود بسناد ضعيف عن الشعبي أنه قيل له: إذا قرأ الإنسان ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم". وسنده ضعيف، سنده واهن، فيه الجابر الجعفي وهو قد كذب. قالوا: "ومنها أنه يستحب أن يقول ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من قرأ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ فقرأ ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ فليقل: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين»". وهذا سنده ضعيف، فلا يعتمد عليه. قال: "رواه أبو داود والترمذي بسناد ضعيف عن رجل أعرابي عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال الترمذي: وهذا الحديث إنما يروى بهذا الإسناد عن الأعرابي عن أبي هريرة ولا يسمى". قال: "وروى ابن أبي داود وغيره في هذا الحديث زيادة على رواية أبي داود والترمذي: «ومن قرأ آخرة ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ﴿أَلَيْسَ ذَٰلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ﴾ فليقل: بلى، وأنا أشهد. ومن قرأ ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ فليقل: آمنت بالله»". وهذا سنده ضعيف، هو الحديث المتقدم. لكن ثبت موقوفًا على ابن عباس أنه قال: إذا قرأ ﴿أَلَيْسَ ذَٰلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ﴾ أن يقول: اللهم بلى، أو اللهم سبحان ربي بلى. هذا ثبت موقوفًا على ابن عباس. وأما ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ فليقل: آمنت بالله، فهذا ضعيف. قال: "عن ابن عباس وابن الزبير وأبي موسى الأشعري أنهم كانوا إذا قرأ أحدهم ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَىٰ﴾ قال: سبحان ربي الأعلى". نعم، صح عن ابن عباس وابن الزبير. قال: "عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يقول: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات". وهذا سنده ضعيف. قال: "عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه صلى فقرأ آخر بني إسرائيل ثم قال: الحمد لله الذي لم يتخذ ولدًا". وهذا أيضًا سنده ضعيف. قال: "قد نص بعض أصحابنا على أنه يستحب أن يقال في الصلاة ما قدمناه في حديث أبي هريرة رضي الله عنه في السور الثلاث، وكذا يستحب أن يقال باقي ما ذكرناه وما كان في معناه، والله أعلم". إلى هنا، والحمد لله.