الدرس في كتاب الطهارة 58، الدرس الثامن والخمسون:من( الحديث الخامس والثلاثون:عن أبي جعفر محمد بن علي ... 5-الإنكار على من يخالف سنة النبي صلى الله عليه وسلم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح حديث عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب حول كمية الماء الكافية للغسل من الجنابة. يبين الشارح أن الحديث يدل على وجوب الغسل بإفاضة الماء على العضو.
الغسل من الجنابة يكفي فيه تعميم الماء على جميع أعضاء الجسم، ولا يشترط تساقط الماء على الأرض. مقدار الماء يختلف حسب الحالة، والصاع النبوي يكفي للغسل.
كمية الماء المستخدمة في الغسل تتغير بحسب حاجة الأشخاص وأحوالهم. كما يتناول مسائل متعلقة بالاغتسال أمام الآخرين والصلاة في ثوب واحد.
ملامسة الفرج من الخارج لا توجب الغسل، وإنما يجب الغسل عند تغييب الحشفة. ويختم بذكر استغفار وتسبيح لله.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: الحديث الخامس والثلاثون، قال: عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، أنه كان هو وأبوه عند جابر بن عبد الله وعنده قوم، فسألوه عن الغسل، فقال: يكفيك صاع، فقال رجل: ما يكفيني، فقال جابر: كان يكفي من هو أوفر منك شعرًا وخير منك، يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أمنا في ثوب. وفي لفظ: كان النبي صلى الله عليه وسلم يفرغ الماء، يفرغ الماء على رأسه ثلاثًا. قال المصنف: الرجل الذي قال: ما يكفيني، هو الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أبوه محمد بن الحنفية. أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله هذا الحديث في سياق كلامه على أحكام الغسل وأقرب الألفاظ إليه. ولفظ الإمام البخاري في حديث رقم مئتين واثنين وخمسين قال: حدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا يحيى بن آدم قال: حدثنا زهير عن أبي إسحاق قال: حدثنا أبو جعفر أنه كان عند جابر بن عبد الله هو وأبوه وعنده قوم -يعني عند جابر بن عبد الله- فسألوه عن الغسل، فذكر الحديث. هذا لفظ الإمام البخاري، ورواه مسلم في حديث رقم سبعة وخمسين نحوه. وهكذا قوله: فقال، قوله: وفي لفظ كان النبي صلى الله عليه وسلم يفرغ الماء إلى آخره، هي رواية الإمام مسلم في صحيحه حديث رقم ستة وخمسين. قال الشارح رحمه الله تعالى: المعنى الإجمالي: كان أبو جعفر وأبوه عند الصحابي الجليل جابر بن عبد الله وعنده قوم، فسأل القوم جابرًا عما يكفي من الماء في غسل الجنابة، فقال: يكفيك صاع. وكان الحسن بن محمد بن الحنفية مع القوم عند جابر، فقال: إن هذا القدر لا يكفيني للغسل من الجنابة، فقال جابر: كان يكفي من هو أوفر وأكثف منك شعرًا وخير منك، فيكون أحرص منك على طهارته ودينه -يعني النبي صلى الله عليه وسلم- لأنه إذا كان أوفر وأكثف شعرًا هذا يقتضي أن يكون أولى بزيادة الماء. وخير منك هذا يقتضي أنه أتقى وأحرص، أنه أتقى وأحرص. ومع ذلك فكان يكفيه هذا الماء، فإذن أنت من باب أولى أن يكفيك. قال: يعني النبي صلى الله عليه وسلم، ثم بعد أو بعد اغتسل بهذا الصاع، عندي بعد اغتسل، كأنه بعد أن يغتسل، إيش عندكم أن يوجد أن طيب؟ إذن سقط أن نقول: سقط أن، ثم بعد أن اغتسل بهذا الصاع أمنا في الصلاة، مما يدل على أنه تطهر بهذا الصاع الطهارة الكافية. وهذا ظاهر في بيان معنى الحديث. جملة قال: ما يأخذ من الحديث أولًا وجوب الغسل من الجنابة، وذلك بإفاضة الماء على العضو وسيلانه عليه، فمتى حصل ذلك تأدى الواجب. ومعناه ليس من شرطه كثرة الماء، ليس من شرطه الغسل المجزئ أن يكون الماء كثيرًا، بل ولو كان الماء قليلًا ما دام يسيل على العضو فيعممه فذلك يكفي. وهل من شرطه أن يتساقط على الأرض؟ الجواب: ليس من شرطه أن يتساقط على الأرض، إذا حصل التعميم بالماء للعضو فلم يبق موضع إلا وأصابه الماء حصل بذلك تمام الغسل. والقول في الغسل كالقول في الوضوء، إلا أن الجنابة تحتاج إلى زيادة اعتناء في تعميم الماء، لكن ما يحصل به التعميم يكفي للغسل وللوضوء، لما ثبت فيما تقدم معنا من حديث عائشة وحديث ميمونة أن النبي صلى الله عليه وسلم اكتفى بتقديم الوضوء عن غسل جميع أعضاء الوضوء، فدل ذلك أن ما يجزئ في الوضوء يجزئ في الغسل -يعني في كيفية تعميم الماء-. والموضع الذي يحتاج إلى زيادة التعميم فإنه يعتنى به زيادة، مثل ماذا؟ مثل الرأس، لأن النبي عليه الصلاة والسلام اعتنى في الغسل بالرأس زيادة صب الماء حتى ظن أنه أروى بشرته -يعني وصل الماء إلى البشرة- بينما في الوضوء يكفي المسح. لكن في الرأس لا، لأن الجنابة تحت كل شعرة، إذن لابد من زيادة اعتناء المغتسل بشعره وفروة رأسه، فيصب عليه الماء حتى يظن أنه قد أروى بشرته. وأشار المعلق إلى حديث ابن عباس حين كان عند خالة ميمونة في الليلة التي بات فيها مع النبي صلى الله عليه وسلم، أنه توضأ من شفة وضوء يقلله -توضأ النبي صلى الله عليه وسلم من شفة- يعني من ماء قليل، وضوءًا يقلله -يعني يقتصد في الماء- ويقتصد في الماء وأجزأ هذا الوضوء، فكذلك إذا احتاج المغتسل إلى أن يقتصد فإنه يقتصد. قال ثانيًا: لا يستدل به على لزوم الدلك ولا على عدمه، يعني هذا الحديث ليس فيه دليل على إثبات الدلك وجوبًا ولا على نفي وجوب الدلك. وقد سبق معنا في درس سابق الكلام على مسألة الدلك، وأن الصحيح فيه التفصيل، فإذا حصلت تعميم وحصلت تروية للعضو فإنه يغني، وإن احتيج إلى دلكه فإنه يدلك، مثل أيام البرد بعض الأعضاء قد ما يكفي فيها صب الماء يحتاج إلى دلك، فالصحيح أن الدلك فيه تفصيل، قد يكون واجبًا إذا كان الماء لا يصل، وقد لا يكون واجبًا ويكون مستحبًا إذا كان ذلك أدعى في إسباغ الوضوء، لأن إسباغ الوضوء من المستحب. قال ثالثًا: أن الصاع الذي هو أربعة أمداد يكفي للغسل من الجنابة، الصاع أربعة أمداد، والمد هو وعاء، ومقدار هذا الوعاء كما قال بعض أهل العلم بما يملأ كفي الرجل المعتدل. والصاع النبوي والمد النبوي معروف توارثه العلماء وهو موجود اليوم، يعني مقداره المد يعادل علبة السيريلاك تقريبًا، والصاع يأتي أنقص قليلًا من علبة الحليب الكبيرة الدانو أو نحوها، فهذا الصاع وهذا المد. فقوله: أن الصاع الذي هو أربعة أمداد -يعني بهذا المقدار النبوي- يكفي للغسل من الجنابة، يعني أن الصاع يكفي للغسل من الجنابة. قال ابن دقيق العيد: وليس ذلك على سبيل التحديد، فقد دلت الأحاديث على مقادير مختلفة، وذلك والله أعلم لاختلاف الأوقات أو الحالات كقلة الماء وكثرته والسفر والحضر. الرجل الذي سيغتسل بجانب الماء كالنهر أو البئر سيحتاج إلى ما أكثر؛ لأجل أن يعتني بجسده أكثر، ما دام الماء عنده ليس من باب الإسراف والتبذير لكن من باب الاعتناء بجسده وهذا مباح. ومن عنده ماء قليل وخاف نقصانه فاستعمل القليل كالصاع فهذا كذلك يجزئه وهو مباح. فإذن الصاع ليس شرط، فإذن إذا قيل كذلك الصاع ليس شرط، فلماذا أنكر جابر بن عبد الله على الرجل؟ أنكر عليه جزمه أنه لا يكفي، كأنه يقول: لا يجزئ، فالإنكار من جهة عدم الإجزاء وعدم التسليم شيء، ومن جهة عدم الكفاية شيء آخر. إذا كان رجل ما يحسن التصرف في الماء، تعرفون من تعود حياة المدن ووفرة الماء ليس كمن عاش حياة البادية وقلة الماء، فأهل البادية يحسنون الاقتصاد في الماء، وأهل الحضر ما يحسنون الاقتصاد في الماء غالبًا، لكن ليس هذا عذر، ينبغي للإنسان أن يربي نفسه على الاقتصاد في الماء؛ لأن هذا مما حث عليه الشرع وكان من سنة نبينا عليه الصلاة والسلام. فالشاهد الأربعة الأمداد ليست تحديدًا كما قال وأشار إلى ذلك الشارح ونقله عن ابن دقيق العيد رحمهم الله تعالى، ولكن هو لبيان أن هذا يجزئ خصوصًا إذا احتيج إلى ذلك، وإلا فالقلة والكثرة تختلف بحسب الأشخاص وحسب الأحوال وكذلك الحاجة. فالرجل المتسخ بسفر عليه أثر الغبار ونحوه يحتاج لما أكثر من الرجل الذي يغتسل على إثر غسل قريب لا شك، وهكذا كذلك العكس، الرجل في السفر الذي عنده ماء قليل ويخاف نفاذه قد يقلل من الماء فيكفيه القليل، بخلاف الذي في بيته وعنده الماء الكثير. فإذا هي تختلف بحسب حاجة الناس وأحوالهم وغير ذلك. وهكذا كذلك في الحديث من المسائل جواز اغتسال المرء أمام الآخرين إذا كان مستترًا، وقد ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم فضلًا عن غيرهم، فهي سنة أثرها الصحابة عنه عليه الصلاة والسلام. وفيه من المسائل كذلك جواز التعليم أمام الغير والإنكار أمام الغير، وهذا لا ينافي ما كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم من التورية: ما بال أقوام يفعلون كذا أو يقولون كذا؟ فإنه إذا احتيج إلى ذلك أحيانًا ما عدم مفسدة فإنه لا بأس به، خصوصًا إذا خشي فوات المقصود من هذا التعليم؛ لأن بعض المسائل إذا ما نبه عليها في وقتها ذهب منفعتها. كونه عنده قوم وكون هذا الرجل اعترض عليه، فتوجيه هذا الاعتراض وتعليمه فيه أولى من تأخير الجواب على الاعتراض بما فيه ماذا؟ بما فيه هذا الذي اعترض. فإذا لم يكن عنده إلا ثوب واحد ترى على عاتقيه، فلا بأس أن يصلي المسلم في ثوب واحد، والأفضل والأكمل أن يصلي في ثوبين، فإن لم يكن فلا أقل أن يلف على عاتقه من ثوبه شيء، لا يصلي إلا على عاتقيه من ثوبه شيء، كما صحت بذلك الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: ما معنى الموازرة؟ الموازرة ذكر في الدرس الماضي، الموازرة يعني المناصرة والتعاون، لكن ما أدري في أي سياق ذكرت هذه الكلمة. أذكرت أنا أن العلماء ذكروا ضابطًا في مسألة وجوب الغسل بالتقاء الختانين، إذا توازى الختانان -الموازاة- يعني إذا حصلت توازي، تعرف التوازي: هذا الخط مستقيم، هذا مستقيم، ماذا يسمى؟ هذان الخطان متوازيان، يعني في مستوى واحد. وكذلك إذا صار بضع الرجل في فرج المرأة موازيًا لختان المرأة، وهذا لا يكون إلا بغياب الحشفة في بضع المرأة، فإذا غابت الحشفة في بضع المرأة حصلت الموازاة، فعند ذلك يجب الغسل. ومعناه أن مجرد الملامسة من الخارج لا توجب الغسل، مجرد الملامسة من الخارج لا توجب الغسل، ولكن تغييب الحشفة هو الذي يوجب الغسل. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.