الدرس في كتاب الطهارة 27، الدرس السابع والعشرون:من( الخلاف في إطالة الغرة ... إذ تدخل في الرأس فلا تسمى غرة.اهـ كلامه رحمه الله ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول الشارح الخلاف بين العلماء حول استحباب تجاوز الحد المفروض في غسل الوجه واليدين والرجلين أثناء الوضوء. الجمهور استحبوا ذلك بينما ذهب مالك وأحمد في رواية إلى عدم استحباب تجاوز محل الفرض.
يناقش المقطع صحة حديث أبي هريرة في إطالة الغرة أثناء الوضوء ويشكك في ثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم. كما يشير إلى عدم ورود روايات مشابهة عن النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة الآخرين.
يناقش ابن القيم مسألة الزيادة في الوضوء مستدلاً بحديث أبي هريرة وآراء الفقهاء. يخلص إلى أن الزيادة على ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في الوضوء تعتبر إساءة وظلماً إذا كانت على وجه التعبد.
يناقش المقطع تعريف الغرة وحدودها، مشيرًا إلى أن إطالة الشعر حتى يدخل في الرأس لا يعتبر غرة. ينسب الكلام إلى ابن القيم في كتابه حادي الأرواح.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. قال الشارح رحمه الله تعالى: قال الخلاف في إطالة الغرة، قال: استلف العلماء في مجاوزة حد المفروض من الوجه واليدين والرجلين للوضوء، فذهب الجمهور إلى استحباب ذلك عملًا بهذا الحديث، على اختلاف بينهم في قدر حد المستحب. ومر معنا فيما تقدم: هل حد الواجب إلى المرفقين أو مع المرفقين، وإلى الكعبين أو مع الكعبين؟ فيما تقدم في صفة الوضوء، وعلمنا أن الأحوض هو إدخال المرفقين والكعبين في حد اليدين والرجلين. فإذا كان كذلك، فحد المستحب: هل هو إلى هذا الموضع، أو يشرع إلى العضدين؟ وهكذا كذلك إلى شيء من الساقين؟ فذهب بعض الجمهور: أنه يكفي أن يصل إلى حد المرفقين، وإلى الكعبين، وأن هذا هو الحد المستحب. وذهب بعضهم إلى الزيادة عن ذلك، واستدلوا بحديث أبي هريرة بصحيح مسلم مرفوعًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ حتى شرع إلى العضد، وغسل رجله حتى شرع إلى الساق؛ يعني بما هو زائد عن حد الكعب. قال: وذهب مالك، ورواية عن أحمد، إلى عدم استحباب مجاوزة محل الفرض. ومحل الفرض على ما سبق: إما إلى المرفقين والكعبين، أو مع المرفقين والكعبين، على قولين مشهورين. والأحوط الثاني. قال: واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وشيخنا عبد الرحمن بن ناصر السعدي، وأيدوا رأيهم بما يأتي. وهكذا هناك أقوال أخرى، فذهب بعض الظاهرية إلى أن المرفقين والكعبين لا يدخلان في الغسل. ورؤية ذلك عن داود، وبعض أصحاب مالك، ونقل عن زفر. وقول ثالث لبعض الشافعية: وهو أن المستحب ما جاء في حديث أبي هريرة: المبالغة في الرفع ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، في اليدين والرجلين؛ أخذًا بعموم ما روي في رواية أبي هريرة مرفوعًا وموقوفًا. وسيأتي الكلام على ذلك. قال الشارح رحمه الله: أن يدوا رأيهم بما يأتي. أولًا: مجاوزة محل الفرض على أنها عبادة دعوى تحتاج إلى دليل؛ يعني من ادعى أنه يستحب الرفع أكثر مما فرض يحتاج إلى دليل، ولا دليل صحيح صريح مرفوع إلى النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك. قال: والحديث الذي معنا لا يدل عليها، وإنما يدل على نور أعضاء الوضوء يوم القيامة؛ يعني رواية البخاري: «فرواية البخاري: إن أمتي يدعون يوم القيامة غرًا محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل». قال: يعني مجدون الزيادة كما سيأتي. إلى قوله: «من آثار الوضوء». قال: وعمل أبي هريرة فهم له وحده من الحديث، ولا يصار إلى فهمه مع المعارض الراجح. والمرجع بالمعارض الراجح هو البقاء على أصل التوقف في العبادة. قال: أما قوله: «فمن استطاع إلى آخره»، فرجحوا أنها مدرجة من كلام أبي هريرة، لا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم. وقد نص غير واحد من الحفاظ على معنى هذا الإدراج. وقد أشار الحافظ ابن حجر في الفتح في شرحه للحديث. قال: لم أرَ هذه اللفظة في رواية أحد ممن روى الحديث؛ يعني عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وهم عشرة من الصحابة رووا معنى هذا الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، لم يذكر واحد منهم هذه اللفظة التي ذكرها أبو هريرة. ولو كان ثابتًا عن النبي عليه الصلاة والسلام لذكره ولم يذكره أحد. ثم قال الحافظ رحمه الله: ولا من رواها عن أبي هريرة غير رواية النعيم هذه. وهذا يدل أن رواية أبي هريرة بالمرفوع لم تثبت إلا في رواية نعيم فقط، لم تثبت عن أحد. ولهذا جاء كما سيأتي في رواية الإمام أحمد: أن نعيم رواها بالشك، حتى قال: لا أدري: قوله «فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل»: أهو من قول النبي عليه الصلاة والسلام أو من قول أبي هريرة؛ يعني شك نعيم. قال رحمه الله تعالى: ثانيًا: لو سلمنا بهذا، لا اقتضى أن نتجاوز الوجه إلى شعر الرأس، وهو لا يسمى غرة؛ فيكون متناقضًا. لأن النبي عليه الصلاة والسلام لو قلنا أنه قال: «من استطاع منكم أن يطيل غرته وتحجيله فليفعل»، دل على أنه يجوز للإنسان أن يرفع الماء إلى الرأس؛ لأنه قال: «من استطاع أن يطيل غرته». وهذا لا موافق له لا من الشرع، ولا من العقل، ولا من اللغة. فإن الرفع في الرأس لا يزيد في الغرة؛ لأن الغرة إنما تكون إلى الجبهة فقط. فإذا كان كذلك، فعلم بهذا أن هذا من أول ما يعارض به الحديث ادعاء أنه مرفوع. قال: ثالثًا: لم ينقل عن أحد من الصحابة أنه فهم هذا الفهم، وتجاوز بوضوئه محل الفرض؛ يعني الصحابة كثر أدركوا وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، وتوضأوا مثله، ولم ينقل عن أحد أنه كان يرفع كما يرفع أبو هريرة. قال: بل نقل عن أبي هريرة: أنه كان يستتر خشية من استغراب الناس لفعله. بل ثبت كما سيأتي في رواية مسلم وغيره: أنهم أنكروا على أبي هريرة حتى صار إذا يفعل ذلك يختبئ من الناس، ويفعله. وفعله مرة في سطح مسجد أو غيره، ورآه رجل، فقال له: ما هذا؟ كما سيأتي إن شاء الله. قال: «أنت ها هنا» الحديث كما سيأتي. قال: رابعًا: أن كل الواصفين لوضوء النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكروا إلا أنه يغسل الوجه واليدين إلى المرفقين، والرجلين إلى الكعبين. وما كان ليترك الفاضل في كل مرة من وضوئه؛ يعني لو كان الذي قاله أبو هريرة شيء ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، لم يكن نبينا عليه الصلاة والسلام ليتركه، بل لثبت ذلك عنه، ولحرص عليه. فكيف إذا علم أنه لم يثبت ذلك عن أحد من الصحابة رواه مرفوعًا عنه عليه الصلاة والسلام إلا ما روي عن أبي هريرة في هذه الرواية؟ فبهذا يعلم صحة ما سبقت الإشارة إليه. قال رحمه الله: وقال في الفتح؛ يعني الحافظ: لم أرَ هذه الجملة في رواية أحد ممن روى هذا الحديث من الصحابة، وهم عشرة. ولا ممن رواه عن أبي هريرة غير رواية نعيم هذه؛ كما تقدم. قال: خامسًا: الآية الكريمة تحدد محل الفرض بالمرفقين والكعبين، وهي من أواخر القرآن نزولًا. وإليك نص كلام ابن القيم في كتاب حادي الأرواح. قال: أخرج في الصحيحين، والسياق لمسلم، عن أبي حازم: قال: كنت خلف أبي هريرة وهو يتوضأ للصلاة، فكان يمد يده حتى يبلغ إبطه. ومقتضى كلام من وافق أبا هريرة أن يفعل مثل فعله: أن يرفع في اليدين حتى الإبطين. قال: فقلت: يا أبا هريرة، ما هذا الوضوء؟ فقال: يا بني فروخ، أنتم ها هنا. وهي كلمة تقال على وجهي الإنكار. قال: وأشار عندكم في الشرح: أن فروخ كان من ولد إبراهيم بعد إسحاق وإسماعيل عليهم الصلاة والسلام، فكثر نسله ونمى عدده، فولد العجم الذين في وسط البلاد؛ يعني هي كلمة يراد بها الإشارة إلى الطعن والتدخل فيما لا يعنيه أو نحوه. قال: لو علمت أنكم ها هنا ما توضأت هذا الوضوء. سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول: «تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء». وهذا الذي أشار إليه ابن القيم يبين ما سبق الكلام عليه في الأوجه الأربعة. قال: وقد احتج بهذا من يرى استحباب غسل العضد وإطالته، وتطويل التحجيل. وممن استحبه بعض الحنفية والشافعية والحنابلة. وقد اقتصر النبي صلى الله عليه وسلم على غسل الوجه والمرفقين والكعبين، ثم قال: «فمن زاد على هذا فقد أساء وظلم». فهذا يرد قولهم. وهذا ما زال كلام ابن القيم يشير بذلك: أن الزيادة على ما فعل النبي عليه الصلاة والسلام في وضوئه هو من الظلم والإساءة؛ يعني إذا كان على وجه التعبد؛ لأنه قال: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». قال: فالدليل الصحيح: أنه لا يستحب؛ يعني الرفع والمبالغة في الرفع في الوضوء، في اليدين والرجلين، وغيرهما على زيارة على ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وهو قول أهل المدينة، وورد فيه عن أحمد روايتان. والصحيح المشهور الذي سبق كلام شيخ الإسلام فيه، وروي عن إمام أحمد هو المتقدم: أنه لا يزاد عما ثبت بالدليل. قال: والحديث لا يدل على الإطالة؛ فإن الحلية إنما تكون زينة في الساعد والمعصم، لا في العضد والكتف؛ لأنه في اللغة لا يقال: خيل محجلة إلا إذا كان البياض في أطراف القدمين الأقدام. أما إذا كان البياض يرفع إلى كل الأقدام، فهذا ما يسمى تحجيلًا. قال: وإنما تكون زينة في الساعد والمعصم، لا في العضد والكتف. وأما قوله: «فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل»، فهذه الزيادة مدرجة في الحديث من كلام أبي هريرة، لا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم؛ بين ذلك غير واحد من الحفاظ. قال: وفي مسند الإمام أحمد في هذا الحديث: قال نعيم: فلا أدري قوله «من استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل»: من كلام النبي صلى الله عليه وسلم أو شيء قاله أبو هريرة من عنده. وهذا الحديث صحيح، وفيه هذا التفصيل. والحديث الذي تقدم: «فمن زاد على هذا فقد أساء وظلم» صحيح. وفيه اللفتة التي أشار إليها ابن القيم. قال رحمه الله: وكان شيخنا؛ يعني ابن تيمية. قال: فالمتكلم ما زال ابن القيم. قال: وكان شيخنا يقول: هذه اللفظة؛ يعني الزيادة في حديث أبي هريرة. قال: هذه اللفظة لا يمكن أن تكون من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإن الغرة لا تكون في اليد، ولا تكون إلا في الوجه. وإطالته غير ممكنة؛ لأنه قال: «من استطاع منكم أن يطيل غرته وتحجيله فليفعل». فكيف تطال الغرة؟ وإلا تكون إلا في الوجه؛ فهذا خلاف الفصاحة، والنبي عليه الصلاة والسلام أفصح الناس. قال: وإطالته غير ممكنة؛ إذ تدخل في الرأس، فلا تسمى تلك غرة. انتهى كلامه رحمه الله؛ يعني انتهى كلام ابن القيم فيما نقله في حادي الأرواح، وما أشار إليه من كلام شيخ الإسلام. والله تعالى أعلم.