كتاب الطهارة 48

كتاب الطهارة 48

الدرس في كتاب الطهارة 48، الدرس الثامن والأربعون:من( الحديث السابع والعشرون:عن أبي هريرة رض الله عنه ... 4-مشروعية تعاهد هذه الأشياء وعدم الغفلة عنها ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في شرح حديث الفطرة الخمس

يبدأ الدرس بشرح حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «الفطرة خمس»، مبينا دلالة الحديث على الطهارة والنظافة في الإسلام. يتم تفصيل خصال الفطرة الخمس وعللها الشرعية والطبية.

تفصيل خصال الفطرة وأحكامها

يتم تناول شرح خصال الفطرة الخمس، وهي الختان، الاستحداد، قص الشارب، تقليم الأظافر، ونتف الإبط، ويبين أحكامها والحكمة من فعلها. كما يشير إلى أن هذه الخصال من محاسن الإسلام وتدل على النظافة والطهارة والتأديب.

أهمية خصال الفطرة في الإسلام

يشرح المقطع معنى الفطرة في الإسلام وأهمية الخصال الخمس المذكورة في الحديث النبوي، ويبين أن الإسلام يدعو إلى النظافة والجمال والكمال، وأن هذه الخصال من الفطرة التي فطر الله الناس عليها.

ختام الدرس وتأجيل باقي المسائل

يتم ختام الدرس الحالي مع التأجيل لباقي المسائل إلى درس لاحق، ويتمنى إكمال ما تبقى في وقته المناسب. يشير إلى أن الله تعالى أعلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: الحديث السابع والعشرون، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط». أورد رحمه الله تعالى هذا الحديث في سياق ذكره لأحاديث كتاب الطهارة، ووجه الدلالة منه ظاهر في قوله: «الفطرة خمس»، فذكر خصال الفطرة التي يكون بها تمام التطهر، وهذا نوع آخر من التطهر. وأدق ما في هذه الخصال الخمس هو قوله: «الختان»، فإن من حكمة الختان هو إزالة مواضع إبقاء النجاسة -يعني بالنسبة للرجل- فكان في هذا إلماح وإشارة، كما سيأتي إن شاء الله، إلى ما كان بمعناه مما هو مضنة ذلك أن يزال وأن يغسل إن كان يحتاج لغسل. وأقرب الألفاظ إلى ما ذكره المؤلف رحمه الله هو لفظ الإمام مسلم، قال رحمه الله: حدثني أبو الطاهر وحرملة بن يحيى قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه، فذكر الحديث، غير أنه قال بدل «الختان»: «الاختتان». ورواه البخاري مثله، غير أنه قال: «ونتف الآباط» بدل «الإبط». رواه البخاري في حديث خمسة آلاف وثمانمائة وواحد وتسعين، ومسلم في حديث خمسين، فاصل مائتين وسبعة وخمسين. قال الشارح رحمه الله تعالى: المعنى الإجمالي، يذكر أبو هريرة رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «خمس خصال من دين الإسلام الذي فطر الله الناس عليه»، فمن أتى بها فقد قام بخصال عظام من الدين الحنيف. وهذه الخمس المذكورة في الحديث من جملة النظافة التي أتى بها الإسلام، وإن شيئا من جملة الطهارة، فالنظافة بعض معاني الطهارة. فالإسلام دعا إلى الطهارة، وهي معان أعظم من مجرد النظافة، لأن الشيء قد يكون نظيفا غير طاهر، هذا ممكن. لكن الإسلام يدعو إلى أعظم من ذلك، يدعو إلى الطهارة والنظافة من باب أولى، إن الله جميل يحب الجمال، وكل معاني الطهارة الحسية والمعنوية دعا إليها الإسلام. فدين الإسلام في هذا كان الوسط بين غلو اليهود وبين تساهل وتضييع النصارى، اليهود يغلون فيجعلون ما نجس لا يطهر إلا بقطعه ورميه، وهذا يثمر أولا الإسراف والتبذير، وثانيا المشقة التي ربما تدعو إلى تضييع هذه الأحكام. ولا النصارى الذين يزعمون أن الطهارة الحقيقية طهارة الباطن، فهم بذلك لا يبالون بطهارة الظاهر، وهذا خطأ، بل المطلوب طهارة الظاهر والباطن على الوجه الذي بين في الأحكام الشرعية في دين الإسلام. ومن هذه الطهارة هذه الخصال الخمس التي في هذا الحديث، قال رحمه الله تعالى: أولها قطع قلفة الذكر، والقلفة هي الجلدة الزائدة التي تكون سببا في تغطية الحشفة بالنسبة للرجل أو الذكر، وهو الموضع الذي يخرج منه البول، فإذا كان هذا الموضع مغطى بهذه القلفة كان هذا سببا لبقاء النجاسة فيما بين الحشفة والقلفة -يعني الجلدة الزائدة المتدلية على الحشفة- وبقاء هذه النجاسات أولا لا يجوز شرعا، وثانيا هو مضر بجسد هذا الإنسان. فلهذا وغيره أمر المسلم بالاختتان، قال: التي يسبب بقاؤها تراكم النجاسات والأوساخ، فتحدث الأمراض والجروح، مع ما فيه كذلك من التقصير في امتثال أمر الرب سبحانه وتعالى بالطهارة، فلهذا أمر المسلم بالاختتان، وفيه فوائد أخرى كثيرة، لعله يأتي الإشارة إليها في موضعه. قال: وثانيها حلق الشعور التي حول الفرج، سواء كان قبلا أم دبرا، قال: لأن بقاءها في مكانها يجعلها معرضة للتلوث بالنجاسات، وربما أخلت بالطهارة الشرعية. أما التلوث بالنجاسات؛ لأن النجاسة قد تنتشر قبلا أو دبرا، فتعلق ببعض تلك الشعور أو الشعيرات التي في هذا الموضع، فإزالتها سبب لطهارة المكان. وهكذا كذلك هي سبب لتراكم الأوساخ، ولهذا فإن بقاءها يضر من جهة الطهارة التعبدية، ومن جهة كذلك الطهارة الحسية، فيكون بذلك الضرر على صاحبه. فمن حكمة الله عز وجل أمر بحلق هذا الشعر، مع ما فيه -كما ذكر الأطباء- فوائد أخرى تنفع هذه المواضع، فإن حلقها أنفع لهذه المواضع من أي شيء آخر. وعلق المعلق وقال: واستحب ذلك أبو العباس -أي بالنسبة للدبر- لأنه وقع خلاف بين أهل العلم في ذلك، فلذلك نقل عن بعض أهل العلم ما يؤيد هذا المعنى، قال: واستحب ذلك أبو العباس بن السريج، وأبو شامة، نقل ذلك النووي في شرحه لمسلم، والحافظ في الفتح، وما إلى ذلك. ونقل عن أبي بكر بن العربي والفاكهي أنه لا يشرع ولا يجوز. قلت: وهذا ما نميل إليه؛ لأن العبادة لا تثبت إلا بدليل، وليس بالقياس. هكذا قال المعلق. والصواب البقاء على العموم؛ لأن العلة في شعر الدبر أشد من علة شعر القبل، فلذلك كان حلقه هو الأكمل، ما عموم الدليل، فإن لفظ «العانة» يطلق ويراد به القبل، وقد يطلق ويراد به ما التحق به من الدبر، كما أن «الاستحداد» لفظ عام يشمل القبل والدبر. وهذا إذا وجد، وإلا فربما بعض الناس ما يحتاج إلى ذلك، لكن إذا وجد فإنه لا شك أنه سيلوث، فيكون تطهيره بحلقه. قال: وثالثها قص الشارب، الذي بقاؤه يسبب تشويه الخلقة، ويكره، ويكره الشراب بعد صاحبه، وهو من التشبه بالمجوس. ثالث هذه الخصال الخصال الفطرة قص الشارب، أي أن لا يطول. وهل هذا القص بقص أطرافه مع بقائه كثا، أم بجزه حتى يتتبع أصوله؟ في هذا مذهبان لأهل العلم، فمن أهل العلم من قال: يكتفى في قص الشارب قص أطرافه حتى لا تتدلى على الشفتين. ومن أهل العلم من قال: بل يجز، وأخذ بظاهر ما ورد في الأحاديث، في قوله: «جز الشوارب وأرخ اللحى». والجز هو القص بمبالغة، هو القص بمبالغة، فلا يحلق ولا يترك، ولكنه يجز، والجز نوع من القص أشد من مجرد القص، فهذا هو الأفضل والأكمل. وقوله رحمه الله: «ويكره الشراب بعد صاحبه»، أو «ويكره» يعني الشارب أن يشرب بعد صاحبه إذا دخل شاربه في ماذا في الشراب؟ فإن ذلك يستوجب الاستقذار عند الكثيرين، وهو تشبه بالمجوس، لما مر معنا قريبا في قصة اليهوديين أو المجوسيين الذين جاءا من اليمن إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقد حلق لحاهما وأرخ شواربهما، فقال: «من أمركم بهذا؟» قالوا: ربنا، قال: «أما أنا فقد أمرني ربي أن أرخي لحيتي وجز شاربي». قال: ورابعها تقليم الأظافر، التي يسبب بقاؤها تجمع الأوساخ فيها، فتخالط الطعام فيحدث المرض. وهكذا ربما سبق فيها شيء من آثار النجاسة أثناء الاستنجاء، وهذا معنى آخر من معاني الطهارة، ولهذا أورد المؤلف رحمه الله هذا بكتاب الطهارة. وهكذا طولها سبب للتضرر إذا انكسرت، فإن الظفر إذا طال وانكسر، في الغالب ما ينكسر من طرفه الذي لا يضر، بل ينكسر من طرفه الذي يضر. وغير ذلك من الفوائد الأخرى، قال: ربما منع كمال الطهارة لسترها بعض الفرض. كذلك من حكمة قصها أن الماء يصل إلى الموضع الذي ينبغي أن يصل إليه، بخلاف إذا طال الظفر. وهو كذلك ليس من فطرة الإسلام، فإطالته في الحقيقة من فطر من لا دين عنده من المشركين والكافرين، ولهذا تجد الكفار يحرصون على إطالة الأظافر، ويتشبه بهم بعض من لا دين عنده أو من لا علم عنده، وللأسف رجالا، ويكثر ذلك في النساء، ويظنون أن هذا التجمل، مع أن التجمل في الحقيقة إنما هو بطاعة الله ورسوله والاستقامة على شرعه ودينه. قال رحمه الله: وخامسها نتف الإبط، الذي يجلب بقاؤه الرائحة الكريهة، مع ما فيه كذلك من أضرار أخرى، فربما سبب له أشياء في جلده وأمور أخرى بسبب بقاء هذا الشعر، فمن كمال الطهارة والجمال إزالة هذا الشعر. وأكمل إزالته بالنتف. وانظر إلى الحكمة، ففي كل موضع جعل أمر الإزالة بما هو أكمل فيه، فشعر العانة الأكمل فيه الحلق، وشعر الشارب الأكمل فيه الجز، والأظافر التقليم، والإبط النتف. وفي هذا حكم، فمن حكم الحلق بالنسبة للعانة أنه سبب لاشتداد ذلك الموضع، ومن طبيعة ذلك الموضع الارتخاء، فحلقه سبب لشدته، فعولج الشعر ضده، كما ألمح إلى ذلك ابن القيم رحمه الله، وأن هذا من فوائد الطب النبوي، وأن هذا منه. وهكذا قص الشارب وجزه أكمل من حلقه، فحلقه سبب لكثرته، وكثرته تضر بهذه الجلد الرقيقة في الفم، وهو كذلك أولى من تركه؛ لأن تركه يضر بالطعام والشراب، وهكذا كذلك بما يؤثره على الجلد بوفرته، فكان جزه أكمل. والإبط لما كان المقصود هو دفع بقائه وإزالة ما يثمر من خروج الروائح منه، كان نتفه من أصوله أكمل حتى لا يبقى شيء ويقل. ولذلك تجد أن من ينتف في الغالب يتأخر ظهور شعر إبطه عن من لا ينتف، مع ما فيه كذلك من مصالح أخرى، فهذا هو الأكمل. فإن قال إنسان: ما أستطيع أن أنتف، إما يشق علي أو يضيق بي الوقت، فيقال: استعمل بعض المزيلات، فقد أثر عن الإمام الشافعي رحمه الله وجماعة أنهم أجازوا استعمال النورة كمزيل من المزيلات. واليوم توجد مزيلات أخرى، وهو أفضل من الحلق. ومع ذلك إذا اضطر الإنسان للحلق ولم يجد بدا منه، فلا نقول أنه حرام، لكن خلاف الأفضل والأكمل. قال رحمه الله تعالى: وبالجملة، فإزالة هذه الأشياء من محاسن الإسلام الذي جاء بالنظافة والطهارة والتأديب والتهذيب، ليكون المسلم على أحسن حال وأجمل صورة، فإن النظافة من الإيمان. وفي أي قانون أو نظام أو آداب تجد مثل هذا الاعتناء بهذا الإنسان في ظاهره وفي باطنه وفي كبار أموره وصغارها لا تكاد تجد هذا. فإن دل ذلك على شيء، دل على صدق ما جاء به هذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، وأنه دين الله الحق الذي أنزله من سبع سماوات ليصلح الناس في أمر دينهم ودنياهم. قال رحمه الله تعالى: ما يؤخذ من الحديث: أولا، أن فطرة الله تعالى تدعو إلى كل خير وتبعد عن كل شر؛ لأن الشر لا يفرق بين المتماثلات ولا يجمع بين المختلفات، فالمتماثلات يلحق بعضها ببعض، والمختلفات يفرق بعضها عن بعض، فالطيب يلحق بالطيب، والخبيث يلحق بالخبيث. وكل ما كان من البر ومنه ما كان من الطهارة والنظافة فهو مأمور به، وبه تعرف ما سبق وتقدم أن قول النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث: «الفطرة خمس» ليس هو حصر، وإنما هو من باب ماذا؟ من باب ذكر الأهم. وجاء بحديث عائشة: أن الفطرة كم عشر. وحديث عائشة شاذ وفيه ضعف مرفوعا، وصححه بعض أهل العلم موقوفا، وجعل له حكم الرفع. انظر لم يصح مرفوعا، لكن من صححه موقوفا جعل له حكم الرفع؛ لماذا؟ قالوا: لأن هذا لا يقال من قبيل الرأي؛ لأن هذا لا يقال من قبيل الرأي. فالشاهد أن مفهوم العدد كما مر معنا وتقدم لا يفيد الحصر غالبا، وإنما يفيد ماذا يفيد ماذا؟ يفيد التخصيص وزيادة الاعتناء. من يضرب لنا مثالا لهذا؟ من يضرب لنا مثالا؟ ها، «سبعون يضلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله»، فماذا في رواية جاء زيادة؟ ها، ما هذه الزيادة؟ ها، ما هذه الزيادة يا إخوان؟ «إنذار المعسر»، وما كان بمعنى هذه السبعة. نعم، ومثله كذلك: «ما يقتل في الحل والحرم خمس»، يقتنى في الحل والحرم، ذكر الغراب والحدأة والفأرة، وكذلك السبع. وجاء في رواية: «الثعبان»، فنحو ذلك. وهكذا قل في أشياء أخرى، فإذا قوله رحمه الله: «أن فطرة الله تعالى تدعو إلى كل خير»، فكل ما كان من معنى الطهارة والنظافة والجمال، فالإسلام يدعو إليه. فالإسلام يدعو إليه، فبهذا لا يحتاج أن يقول قائل: نحن نحتاج أن نبين مفاهيم النظافة ومعانيها مما هو عند الآخرين -يريد الكفار- لا؛ لأن دين الإسلام دعا إلى ذلك قبل أن يدعو إليه هؤلاء الكفار، بل بأكمل وأحسن صوره. ومر معنا من هذا نظائر وأمثلة، ولو أن الناس عملوا بالدين في الحقيقة والله كانوا قدوة، لكن للأسف الكثير من الناس لم يعمل بدين الله عز وجل الذي أنزله الله إليهم، فتجد الكثير لا يبالي في أمر إزالة وإماطة الأذى عن الطريق، بل يرمي بالأذى إلى الطريق، بل وربما إلى جيرانه. وتجد الكافر ربما يشرب علبة الببسي ويخبئها في شنطته الخاصة، ولا يريد أن يرميها بين الناس فيؤذيهم. والمسلم -بعض المسلمين، لا نقول كلهم- ربما يضع القمامة بجانب بيت جيرانه. انظر إلى التناقض العظيم، فنحن نحتاج إلى العمل بالإسلام، وإلا فكل الخير وكل الخير موجود في أحكام الله عز وجل وشرعه ودينه. قال: ثانيا، أن هذه الخصال الخمس الكريمة من فطرة الله التي يحبها ويأمر بها، هذه الخصال الخمس المذكورات من فطرة الله، والفطرة هي معنى الكمال الذي خلق الله عز وجل الخلق عليه وله، وأحب أن يكون عليه، ففطر الناس على التوحيد، وعلى كذلك معنى الإسلام. فاجتالتهم الشياطين -كما جاء في حديث عياض بن حمار رضي الله عنه أرضاه- اجتالتهم الشياطين، وكذلك فطر الناس سبحانه وتعالى على أحسن تقويم في خلقتهم وأخلاقهم، ولكن اجتالتهم الشياطين، فغيرت من خلقتهم وغيرت من أخلاقهم. ولهذا تجد معاني هذه الفطرة موجودة في نفوس بني آدم، يعني معنى الكمال والجمال موجود، لكن العوائد هي التي غيرت الفطر، العوائد غيرت الفطر. أضرب لكم مثالا: تجد مثلا إرخاء اللحية كان فطر عليه الكثير من الناس في هذه البلاد، حتى عند الكفار قديما، عند الكفار قديما كان إرخاء اللحى من صفات الرجال. لكن لما طغى على الناس أهل الباطل وأهل السوء، صار استحسان هذه الصفة الذميمة، فتثابع الناس في حلق اللحى وغيروا ما كان قد فطروا عليه، حتى تجد اليهود والنصارى في صورهم في معابدهم حين يصورون من سبق من الأنبياء وأتباع الأنبياء، يصورونهم ماذا؟ بلحى. أو بدون لحى؟ إيش يا أبا حديثة؟ بلحى، تدخل بعض الكنائس تجد صور موسى عليه الصلاة والسلام، وصور عيسى عليه الصلاة والسلام، وصوروه بصورة رجل قوي ملتحي، وصوروا عيسى عليه الصلاة والسلام، وصوروه بصورة شاب وهو كذلك ملتحي. وهكذا الأسباط وأتباع الأنبياء من الحواريين، لهم تصاوير في معابد وفي كذلك كنائس اليهود والنصارى وفيها لحى. فما الذي جعل أكثر اليهود والنصارى اليوم على خلاف ذلك؟ العوائد السيئة، وإلا فالأصل أن الإنسان فطر على الفطرة الحسنة. قال رحمه الله تعالى: وجبل أصحاب الأذواق السليمة عليها، ونفرهم من ضدها، صاحب الجبلة السليمة يحب هذه الفطرة وينفر من ضدها. لكن متى تتغير هذه الجبلة؟ بالعوائد السيئة، فمن اعتاد أن يعيش بين من يحلق اللحى تنتكس فطرته مع الأيام. وهكذا كذلك قل في غيرها من الصفات التي من خصال الفطرة. كما أن الصدق هو من خصال الفطرة، هذا من الصفات الخلقية، وهذا من الخلقية، لكن من يعيش بين الكذابين ماذا يكون حاله؟ يستسيغ الكذب ولا يبالي بذلك. فكلما كان المجتمع منحرفا كان ذلك سببا لتغيير فطر الناس. قال: ثالثا، أن الدين الإسلامي جاء بالنظافة والجمال والكمال، وهذا له شواهد ونظائر كثيرة، وهذا من هذه الشواهد والنظائر الكثيرة. قال: رابعا، مشروعية تعاهد هذه الأشياء وعدم الغفلة عنها، يعني أن المسلم ينبغي يعتني بهذه الخمس على وجه الخصوص؛ لأن الشرع خصها، وتخصيصها بالذكر يقتضي زيادة الاعتناء بها. وهكذا كذلك ما كان بمعناها. طيب، نكتفي بهذا، ونترك الباقي لدرس لاحق، وإن شاء الله يكمل ما تبقى من مسائل في هذا الباب في وقته وحينه. إلى هنا والله تعالى أعلم.