الدرس في كتاب الصلاة 13، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول المواضع الأربعة لرفع اليدين في الصلاة واستحباب ذلك بناءً على أقوال العلماء والأحاديث النبوية. يرى أن رفع اليدين ليس واجبًا مع ذكر الخلاف بين العلماء.
يشرح كيفية أداء الصلاة وفق سنة النبي صلى الله عليه وسلم مع تفاصيل حول رفع اليدين والاعتدال في القيام والركوع والسجود. يشدد على أهمية اتباع السنة لتحويل العبادة إلى عادة حية.
يتحدث عن تفاصيل الصلاة مثل التورك والإقعاء ووضع اليدين وأحكام التشهد والتأمين. يشير إلى تعدد الكيفيات الصحيحة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأهمية الخشوع واتباع السنة.
ينبه إلى ضرورة تأمين الإمام والمأموم، ويتناول مسألة الأغنام السائبة التي تسبب الضرر ويقترح إنشاء حوش لاحتجازها. يشدد على أهمية الجد في طلب العلم للمتواجدين في المركز.
بسم الله الرحمن الرحيم، وحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مر معنا بالدروس الماضية ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى في باب كيفية الصلاة، ومر معنا ما ذكره رحمه الله من أركان وواجبات، وكذلك الراجح ببعض ما وقع فيه الخلاف. وأظن سبقت إشارة لبعض المستحبات. ذكرنا الجهر بالقراءة غير الفرائض، يعني هذا من المستحبات، سيأتي إن شاء الله الكلام عليه في صفحة 22. أما وجود براءة الفاتحة، بسم الله الرحمن الرحيم، قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: «وأما مشروعية الرفع وأما مشروعية الرفع في المواضع الأربعة، وهي عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الاعتدال من الركوع، والموضع الرابع عند القيام إلى الركعة الثالثة، فقد دلت على ذلك الأحداث الصحيحة». وأما عند التكبير، فقد روى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو خمسين رجلا من الصحابة، منهم العشر المبشرين بالجنة، ورواه كثير من الأئمة عن جمع عن جميع الصحابة من غير استثناء. وقال النووي رحمه الله في شرح مسلم: «إنها اجتمعت الأمة على ذلك عند تكبيرة الإحرام، وإنما اختلفوا فيما عدا ذلك». وقد ذهب إلى وجوبه داود الظاهري، وأبو الحسن أحمد بن سيار، والنيسابوري، والأوزاعي، والحميدي، وابن خزيمة. وأما الرفع عند الركوع، وعند الاعتدال منه، فقد رواه زيادة على عشرين نفسا من الصحابة. وقال محمد بن نصر المروزي: «إنه أجمع علماء الأمصار على ذلك إلا أهل الكوفة، أي أهل الرأي حنفية ومن قبلهم على هذا، أي أهل الكوفة الذين كانوا على الرأي في هذا الباب». قال: «وأما الرفع عند القيام إلى الركعة الثالثة، وهو ثابت في الصحيح من حديث ابن عمر، وأخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي، ونماجة، والترمذي، وصححاه، وصححاه أيضا أحمد بن حنبل من حديث علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم». هذه المسألة من مستحبات الصلاة، ولهذا قال: «وأما مشروعية الرفع» فلم يذكر وجوبا ولا ركنية، فهو مما يشرع التكبير في هذه المواضع الأربعة. عند تكبيرة الإحرام، وعند الهوي إلى الركوع، وعند الرفع من الركوع إلى الاعتدال، وعند القيام من الركعة الثالثة. وقد جاءت من حديث ابن عمر بالصحيح. وكما ذكر، جاء الحديث الذي فيه ذكر تكبيرة الإحرام عن أكثر من خمسين رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، منهم عشر المبشرين بالجنة. والكلام على هذه المسألة من شقين، الشق الأول وهو ما يتعلق بلفظ التكبير. أما لفظ التكبير «الله أكبر» فكما قلنا، يشترط واجب، فقط أو شيء زائد. فهي التكبيرة الأولى، هي تكبيرة الإحرام، وقد مر معنا ركنيتها. فاللفظ أقله واجب، والصحيح ركن، أي التكبيرة الإحرام. وذهب بعض أهل الرأي، كما تقدم معنا، أنه يجوز التكبير بأي لفظ فيه تعظيم لله عز وجل، وأخذوا هذا بالقياس، ولا نص، والأصل في العبادات التوقيف. فعندهم إذا قلت «الله أجل، الله أعز» ونحوها من العبارات التي فيها التعظيم ومعنى التكبير، فإنها تصح. والصحيح أنها لا تصح لأن باب العبادات توقيفي. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تحريمها التكبير» نص على لفظ التكبير. وهذه خالف فيها أهل الرأي، وقولهم خطأ. والثانية رفع اليدين فيها، ورفع اليدين، الصحيح أنه مستحب. وكما ذكر الإمام الشوكاني رحمه الله، أن بعض أهل العلم ذهب إلى الوجوب كالظاهرية، وبعض الأئمة كذلك. وأصر الظاهرية في هذا القول، أي بالوجوب. وهذا يدل على أن تكبيرة الإحرام والرفع فيها مؤكدة جدا. وخالف في هذا كذلك أهل الرأي، ليس كلهم، بعض أهل الرأي خالف في هذه المسألة، كما في الكتب الكبار في مسائل الخلاف. ولهذا كان سفيان وغيره إذا جادل أهل الكوفة في هذه المسألة، قالوا له: «ماذا تصنع تريد أن تطير؟» قال: «إن لم أطر في الأولى فلم أطير التي بعدها». يعني عندهم إذا رفع يديك كأنك مثل الطير تريد تطير. ويزعمون أن الخشوع بالصلاة يقتضي السكون وعدم حركة اليدين. وهذا لأن أئمتهم لم يصلهم الحديث. ثم لما وصل الحديث، قدموا الرأي على الحديث، فاعتقدوا، ثم ذهبوا يعارضون الدليل باستجلالات بعيدة. وهذا من آثار التقليد. والصحيح في هذه المسألة أنها مستحبة، ليست واجبة. لكن قول من قال بالوجوب، قول له شيء من الوجاهة، ولكنه مرجوح. الصحيح أنه مرجوح. لماذا له شيء من الوجاهة؟ لأن الأدلة الواردة فيه كثيرة جدا. ولم يرد كما قال بعض أهل العلم في حديث واحد أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك رفع يديه في تكبيرة الإحرام. ولكن الصحيح أنها من المشروع لحديث ابن عمر وغيره من الأحاديث الأخرى. بقي ثلاثة مواضع: الخفض إلى الركوع، والرفع من الركوع، والقيام من التشهد الأول. فهذه المواضع الثلاثة مستحبة، ولم يقل أحد فيها بالوجوب. وهذه كيفية وصفة من صفات رفع اليدين في الصلاة، وهي أن ترفع اليدان في أربعة مواضع. وقد رويت فيها أحاديث، منها هذه الأحاديث التي أشار إليها الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى. وهو الغالب الأعم من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله. وجاء في بعض الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع في كل خفض ورفع. ومعناه في كل حركة، في كل تكبيرة. الإحرام عند القيام من الركوع، عند النزول إلى السجود، وعند الرفع بين السجدتين، وعند الرجوع إلى السجدة الثانية، وعند الرفع منها إلى القيام. وهكذا إلى آخر الصلاة، في كل خفض ورفع يرفع يديه. وقد ذكر الإمام أحمد شاكر في تحقيقه للمحلى أنه روي عن أكثر من إحدى عشر صحابي الأحاديث في هذه الصفة والكيفية، أي تكبير النبي صلى الله عليه وسلم برفع يديه في كل خفض ورفع. ولا ينافي هذا ما جاء في البخاري وغيره من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يفعل ذلك بين السجدتين. لا يرفع يديه بين السجدتين، هذه الرواية صحيحة، لكنها جاءت مقترنة ومفسرة لحديث الرفع في أربعة مواضع. ومعناه أنه إذا اتخذ الكيفية الأولى، فلا يرفع بين السجدتين. ما هي الكيفية الأولى؟ أن يرفع في أربعة مواضع فقط. فإذا رفع في أربعة مواضع، فلا يرفع في غيرها، ولا يزيد، يكفي أربع فقط. ويتأكد أنه بين السجدتين لا يرفع بين السجدتين. وأما إذا اتخذ الكيفية الثانية، فإنه يرفع في كل خفض ورفع. ولكن كما مر معنا، الغالب الأعم من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله هي الكيفية الأولى، بأن يرفع في أربعة مواضع. وأما الكيفية الثانية، فأحيانا كان يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم. وقد أشار عدد من أهل العلم إلى هذا، وبعض أئمة الحديث ببعض التبويبات التي تدل على هذا المعنى. وهذا هو الصحيح في هذه المسألة، جمعا بين الأدلة. والقاعدة عند الأصوليين والفقهاء: «إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما». فمن قال من أهل العلم أنه إنما ثبت الكيفية الأولى، وهي في أربعة مواضع، ولا يرفع بين السجدتين مطلقا، فقد أخطأ. ومن قال: «يرفع في كل خفض ورفع مطلقا» كذلك أخطأ. والصواب أن هناك كيفيتان: كيفية يرفع فيها في أربعة مواضع فقط، وعندها لا يرفع بين السجدتين. والكيفية الثانية أن يرفع في كل خفض ورفع، ومنها يرفع بين السجدتين. ولكن الثاني هذا قليل، والأول هو الغالب الأعم من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله وتعليمه عليه الصلاة والسلام. وبهذا تجتمع الأدلة في هذا الباب، وهو الراجح. والله تعالى أعلى. هذا هو واحد من المستحبات التي ذكرها رحمه الله تعالى. ونذكر المستحبات على وجه الاختصار. ثم نكمل ما ذكره رحمه الله تعالى من المستحبات التي ذكرها أهل العلم. ومما ذكره رحمه الله تعالى من المستحبات: التكبيرات الأربع التي سبقت معنا في هذا الحديث. وكذلك من المستحبات رفع اليدين، وكيفية رفع اليدين. والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «خذوا عني مناسككم». وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي». وعمومات الأدلة تدل على الابتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم. «لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة». فينبغي الابتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في قوله وفعله ما أمكن. وأعظم ما ينبغي الحرص عليه العبادات، والصلاة من أعظم العبادات. فالذين وصفوا صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ذكروا كيفيات في رفع اليدين. خلاصة هذه الكيفيات أنه كان يرفع يديه تارة حذو أذنيه، وتارة على أطراف كتفيه. فهاتان كيفيتان. ورأى أهل العلم أن يجمع بينهما، لأن يجعل أطراف الأصابع من الأعلى في محاذاة الأذنين، وأطراف الكفين من الأسفل في محاذاة الكتفين. يعني هكذا، ويستقبل به القبلة. ليس هكذا، ولا كما يفعل بعض الناس إذا كبر كأن يده مشلولة، ما تصل حتى إلى ثدييه، ما تصل إلى ثدييه. يكبر هكذا، يعني هو طائل هكذا، بدل من أن يرفع هكذا يرفع هكذا، أو ربما حتى هكذا، فقط إلى حاذي كتفيه هكذا. وكل هذا خطأ، خلاف سنة النبي صلى الله عليه وسلم. وكما مر معنا في درس سابق، أو كلمات كذلك، أن التعبد لله عز وجل بالعبادات باتباع السنة يحيي العبادة، ويفرق العبادة من العادة. الإنسان الذي يصلي صلاته كأنها عادة، تكون صلاته كأنها ميتة. أما الذي يصلي الصلاة مقتديا بسنة النبي صلى الله عليه وسلم في كل حركة وسكنة وقول وفعل، فإنه يحيي هذه الصلاة. بحرص على متابعة السنة، فرق بين من يكبر تكبير العادة، وما عليه عوام الناس، ومن لا يعرف السنة، فإنه يكبر على أي كيفية كيف ما جاء. إذا شبعان يا الله يفتح كفه، وإذا عنده شيء من النشاط يكون في يديه شيء من النشاط. وهذا خطأ، بل ينبغي أن يخرج عن العادة وينتقل إلى العبادة. فيحرص على رفع يديه، واستقبال الكفين قبلته، يتعبد الله عز وجل بهذا الفعل. ولا تكون حركته حركة ضعيفة فيها خور. وكذلك بعد عن الابتداء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم. كذلك من السنن التي نبه عليها أهل العلم أنه يحرص في ركوعه وسجوده على السنة. وفي قيامه، يقوم باستواء جسده في القيام، لا يبالغ بالانتصاب فيرجع رأسه وصدره إلى الوراء، ولا يتخشع فينكس بصدره ورأسه إلى الأرض. إنما يعتدل بالقيام كما كان النبي صلى الله عليه وسلم. فيما وصف في صلاته، كان يعتدل في قيامه الاعتدال، يعني استواء الجسد. بعضهم يبالغ، يصير كأنه يستعرض عرض عسكري، لا، اهدأ، أنت بين يدي الله عز وجل. وبعضهم يتخشع، ينكس رأسه ويقصر بهره، لا، ليس هذا يحبه الله، غير الهدي، هدي محمد صلى الله عليه وسلم. اعتدل في قيامه، لا تنكس، ولا تبرز عضلاتك، إنما تستقيم استقامة معتدلة. كذلك في الركوع، كما قالت عائشة رضي الله عنها: «يعتدل في ركوعه». ونختصر، والحديث في هذا الباب كثيرة. يعتدل، يستوي في ركوعه، حتى أنه لو وضع الماء على ظهره لما انكب. يعني يحاول يستوي الرأس مع الظهر في استواء. واستدل العلماء بهذا أن الرأس يستوي مع الظهر، والعينان كذلك. وهذا من سنن الصلاة. تنظر إما إلى موضع السجود على عموم ما ورد في الباب، وإما إلى المكان الذي يقابله، أي بين السجود وبين قدميه في الوسط، ينظر في الوسط. وهذا، والكفان يشبك بهما الركبتين، يشبك بكفيه الركبتين، ويقبض على ركبتيه هكذا. صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في عدة أحاديث. وإذا رفع من الركوع، كما قلنا، إما أن يرد بالاعتدال بالضم على قول بعض العلماء، أو يسدله. والمسألة مما يسع فيها الخلاف. لكن يستقيم كذلك باعتدال، ويحرص على أن يرجع كل عظم إلى موضعه، يطمئن في هذا الاعتدال. وفي حديث أنس: «أنه كان ينتظرونه في اعتداله حتى يظنون أنه نسي». فلما سئل، قال: «هكذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، فأنا أصنع مثل ما يصنع». أو كما قال رضي الله عنه. وهكذا كذلك إذا سجد، حتى يستقر كل عظم. وهناك حد واجب، وهو الإطمئنان، ورجوع كل عظم إلى موضعه. وهناك حد زائد عن الواجب، وهو الاستحباب، أن يبقى بهذه الكيفية بوقت يكون به اطمئنان. وفي الصلاة بما يتقارب فيه وقت الركوع والسجود والقيام مع القراءة. وقلنا: هذا التقارب تقارب سواء. هل معناها النوم مثل لا، إنما معناها مثل القراءة الطويلة لها ركوع وسجود طويل، وقيام طويل، واعتدال طويل، وجلوس بين السجدتين طويل. والقراءة القصيرة لها ركوع وسجود وقيام واعتدال، وكذلك جلوس بين السجدتين قصير. والمتوسط متوسط. هذا معنى الحديث. والله تعالى أعلم، كما شرحه غيره من العلماء، منهم الإمام المجتهد رحمه الله في كتابه الماتع النافع «زاد المعاد في هدي خير العباد». وهكذا كذلك يحرص في وضع يديه في السجود على ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يضع يديه حذو أذنيه وكتفيه، يعني بينهما. ويجافي، إن لم يكن بجانب أحد، يعني كان إماما أو كان لوحده، إذا استطاع أن يجافي، يجافي. حتى أن البهيمة إذا أرادت أن تمر مرت، يعني معناه مجافاة فيها شيء من الشدة، لكن ليس بمبالغة، ليس بمبالغة حتى يضر بنفسه. إنما يجافي مجافاة معتدلة. وأما حد الركوع والسجود الذي كان يغلب على صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال الإمام المجتهد رحمه الله: «أنه قدر عشر تسبيحات». عشر تسبيحات، وهو الذي رواه عمر بن عبد العزيز، ورواه هو عمن فوقه من التابعين والصحابة. فقدر تسع أو عشر تسبيحات، هو الوسط الذي يكون به كمال الإطمئنان. وأما حد الواجب، فلو تسبيحة واحدة، ولو تسبيحة واحدة. لكن يكون فيها رجوع كل عظم إلى موضعه. وهكذا كذلك في جلوسه في التشهد، وسيأتي معنا إن شاء الله إشارة إلى شيء من ذلك الجلوس، بأن يقعي الإقعاء المسنون، ويفترش يفترش في كل الجلسات. إلا ما كان من تشهد في أكثر من ثنائية، أو في غير الثنائية على الأصح. في غير الثنائية على ما يفهم من حديث علي وغيره، فإنه يتورك. ومعناه في الثلاثية والرباعية، والأحادية على الصحيح، وفيها خلاف، فإنه كذلك يتورك إن استطاع التورك. ويقعي الإقعاء المسنون عند الحاجة بين السجدتين، أو حتى عند التشهد إذا كان هناك حر شديد أو برد شديد، لا يستطيع أن يضع القدمين للإفتراش والتورك على الأرض. فعند ذلك يفعل الإقعاء المسنون، هو أن ينصب القدمين ويضع إليتيه على مؤخرة قدميه. وهكذا كذلك كيفية وضع اليدين، والتقدم معناه القيام، وكذلك في الركوع، وفي السجود. وبقية في التشهد، فإنه يحلق بأحد كيفيات ثلاث. إما أن يقبض الجميع ويشير بالسبابة، وإما أن يقبض ويحلق، أو يقبض ويحلق بثلاثة وخمسين. هذه ثلاث كيفيات صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم في كيفية التشهد. والصحيح أنه يبقي يده حتى يسلم، ليس فقط عند لفظ التشهد. لعدم ورود شيء صحيح صريح يفيد هذا الحصر. وهكذا كذلك يحرص على جهر القراءة في غير الفرائض فيما ثبت فيه الجهر. أما في الفرائض، فقلنا: الصحيح أنه واجب. والبسملة يسر بها، هذا هو الصحيح كما ثبت في صحيح مسلم وغيره. بل جاء في رواية رجح كثير من الحفاظ صحتها، وذكر بعضهم شواهدها، أنهم لا يجهرون، أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يجهر بسم الله الرحمن الرحيم. وهكذا الصحابة من بعده. وبعضهم صحح الموقوف، لم يصحح المرفوع. قال رحمه الله تعالى: «وأما قبض اليدين اليمنى على اليسرى حال القيام، إما على الصدر أو تحت السرة أو بينهما، فقد رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو ثمانية عشر صحابيا». التقال ابن عبد البر: «إنه لم يأت فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم خلاف». والصحيح أن القبض تحت السرة ضعيف، لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأصح ما روي أنه على الصدر، أو التضمين على الصدر، أو التسبيعي، وهو المروي عن الإمام أحمد، وأصحاب وجماعة من أئمة الحديث. وجماعة من أئمة الحديث. وكما قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: «في القبض معاني لطيفة وجليلة». من هذه المعاني أنه يطلب به الخشوع. وقد ضرب الإمام البخاري رحمه الله في كتاب الصلاة بابا في القبض، فقال: «باب زيادة الخشوع في الصلاة». وذكر حديث القبض. وبه يعلم أن القبض من معانيه أنه يأتي بالخشوع في الصلاة. ومن معانيه كذلك أن المصلي يعقد بعقد يديه على عقد صلاته. ولذلك لما كانت القراءة طويلة، فإنه يضع يديه على صدره. فيكون وضع يديه على صدره أثبت له في صلاته، وأخشع. فيجمع بين الإقبال على الله بوجهه وقلبه وجوارحه، بقلبه ووجهه وجوارحه. وهذا المعنى ظاهر لمن تدبر هذا. فإن وضع اليدين على القلب وعلى الصدر له تأثير في جلب الخشوع والطمأنينة في الصلاة. وهكذا كذلك هناك معاني أخرى من التعظيم لله عز وجل في هذه الكيفية. لأنك تتعبد لله بهذه الكيفية. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «إن معاشر الأنبياء أمرنا أن نضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة». قال رحمه الله: «أما الاستفتاح، فقد وردت في أحاديث بألفاظ مختلفة، ويجزي التوجه بواحد منها إذا خرج من مخرج صحيح». وأصحها الاستفتاح المروي من حديث بريرة، وهو بالصحيحين وغيرهما. بل قد قيل: «إنه تواتر لفظا». وهو اللهم باعت بيني وبين خطاياي كما باعت بين المشرق والمغرب، اللهم نقيني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد. وفي هذا إشارة منه رحمه الله إلى أنه قد وردت أحاديث بعضها صحيح، وبعضها ضعيف. وينبغي الحرص على الصحيح، وينبغي تقديم الأصح فالأصح. هو اللهم باعت بيني وبين خطاياي. ولا ينبغي للإنسان أن يقدم ما في المذهب، كما يفعل الشافعية والحنابلة والمالكية والحنفية. فكل مذهب يقدم ما ورد في المذهب. فمثلا حنفية «سبحانك اللهم وبحمدك» مقدم عندهم على حديث أبي هريرة، مع أن حديث أبي هريرة أصح، وأقوى، ورواية لأوجه متواترة. ومن باب أولى ما جاءت من أحاديث ضعيفة. وينبغي أن يترك الضعيف، ويفرض على الصحيح، ويقدم الأصح من هذا الصحيح. وكما ذكر رحمه الله: «كل ذلك مما قد صح يجزئ». والأفضل كما ذكر الإمام ابن القيم، الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «تنويع هذه الاستفتاحات». حتى تتعبد لله بأنواع الأذكار. وهكذا كذلك بالنسبة للأذكار في باقي مواضع الصلاة، يستحب تنويعها كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم. يدنوع فيها. قال: «وأما كونه بعد التكبيرة، فلم يأت في ذلك خلاف عن النبي صلى الله عليه وسلم». بل كل من روى عنه الاستفتاح، روى أنه بعد التكبيرة. وأصرحها وأصحها حديث بريرة، فإنه سأل عن سكوته بعد تكبيره ماذا يقول؟ فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم بالحديث. وهو يدل صريحا، وبحديث صحيح، بل أصح ما روي بالباب، بأن هذا هو الموضع الذي يذكر فيه دعاء الاستفتاح. قال رحمه الله: «أما التعوذ، فقد ثبت بالأحاديث الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله بعد الاستفتاح قبل القراءة». ولضه «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه». هذه كيفية من كيفيات الاستفتاح. قال: «كما أخرجوا أحمد وأهل السنن من حديث سعيد الخدري». وهل هو مستحب أو واجب؟ في هذا خلاف. والصحيح أنه واجب في أول الصلاة، امتثالا للآية. فإن الله عز وجل أمر بالتعوذ من الشيطان الرجيم عند قراءة القرآن. والأصل في الأمر للوجوب. فيعلم أنه والله أعلم في أول القراءة يجب. وأما في القراءة في الركعات التاليات، فيستحب ولا يجب. وإذا فعله أو تركه، الأمر سهل. قال: «وأما التأمين، فقد ورد به نحو سبعة عشر حديثا». وربما تفيد أحاديثه الوجوب على المؤتم إذا أمن إمامه، كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما: «إذا أمن الإمام فأمنوا». قال: «فيكون ما في المختصر مقيدا أو مقيدا بغير المؤتم إذا أمن إمامه». وقد ذهب إلى مشروعيته جمهور أهل العلم. قال: «وإنما يؤكد مشروعيته كونه عنه كونه فيه إغاظة لليهود». لما خرجوا أحمد بن ماجة، والطبراني من حديث عائشة مرفوعا: «ما حسدكم اليهود على شيء ما حسدتكم أو ما حسدكم على قول آمين». وما ذكره رحمه الله هو الصحيح. المسألة فيها خلاف. والصحيح أنها بالنسبة للمأموم واجبة إذا أمن إمامه. إذا أمن الإمام فأمنوا، كما جاء في حديث أبي هريرة وغيره. ويدل ذلك على الوجوب. وأفضله أن يوافق تأمين المأموم الإمام. ومن وافق تأمينه تأمين الإمام، وافق تأمين الملائكة، فاستجاب الله دعاءه. كما صحت لذلك الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. ومعناه كما تفهم من أحاديث أخرى: «أنه لا ينبغي أن يسارع المأموم الإمام بالتأمين، ولا ينبغي له أن يتأخر عنه». بل ينبغي أن يحرص على أن يكون تأمينه موافقا لتأمين الإمام. ولهذا قال: «فإذا أمن فأمنوا». والفاء تفيد التعقيب والترتيب. يعني بادر بالتأمين. فأول ما يقول الإمام «آمين» يبدأ يشرع المأموم معه «آمين». وفيه دليل على استحباب التأمين للإمام. وكما قال بعضهم: «وجوب تأمين الإمام». وهذه مسألة يجهلها ويفترئ فيها كثير ممن ينتسب إلى العلم، فضلا عن من دونهم. فإنهم يظنون أن التأمين خاص بالمأموم. والصحيح أنه للمأموم والإمام، في نص حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أمن الإمام فأمنوا». فمعلوم عند الصحابة من خبر النبي صلى الله عليه وسلم أن التأمين ليس منحصر بالمأموم، بل هو للإمام وللمأموم معه. وأفضلوا وأكملوا أن يوافق المأموم الإمام في أول التأمين. وإذا كان منفردا، كذلك الصحيح أنه يؤمن. وهل هو واجب ومستحب؟ في هذا خلاف. والصحيح أنه مستحب. ومن قال بالوجوب، قوله ليس ببعيد. ومما استأنس به الإمام الشوكاني رحمه الله بالنسبة لهذا الموضع، أي للمنفرد الذي ليس بإمام ولا مأموم. حديث عائشة: «ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على التأمين أو على آمين». وهذا معناه أن هذا من المواضع التي يغاظ بها اليهود. والعجيب أنك تجد الرافضة وافقت اليهود في عدد من المواضع، فيما فيه مخالفة بسنة النبي صلى الله عليه وسلم والإسلام. ومن هذه المواضع التأمين، فهم لا يؤمنون. وهم يؤخرون كذلك الإفطار، وغير ذلك مما هو معروف. ولهذا قال عدد من أهل العلم: «أن دين الرافضة بعضه مأخوذ من اليهود». قال رحمه الله تعالى: «وأما قراءة غير الفاتحة معها، فقد ثبت بالصحيحين». إن شاء الله، يبقى كثير. نترك هذا إلى غد إن شاء الله. وننظر عندنا بعض التنبيهات، وأخذ بعض الأسئلة إذا بقي وقت. بسم الله، هذه مجموعة من التنبيهات والطلبات. التنبيه الأول: قد سبق التنبيه أكثر من مرة الإخوة الذين عندهم أغنام. قد تكلمنا أكثر من مرة، قلنا: «إن الناس تأذوا من هذه الأغنام». والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الضرر والضرار. قال: «لا ضرر ولا ضرار». بل الضرر الحقيقة حتى يلحق بالغنم. وأخبرناكم كم من حوادث تحصل لهذه الأغنام المظلومة بسبب عدم وجود الراعي لها. منها ما يسقط في الآبار، وعندكم كثير من الآبار في المنطقة، آبار المجاري وغيرها، ليس عليها ما يحفظها. أو بعضها في بداية الحفر، بعضها تسقط تتهلك. وكذلك حوادث السيارة، حوادث السيارة. ثم يأتي أصحابها ويشاجرون ويخاصمون. ونحن قد حذرنا أكثر من مرة. وفي الحديث: «الغنم جبار هدر». والنبي صلى الله عليه وسلم جعل إفساد البهائم ليلا يوجب الضمان. وهذا لأن النهار في الغالب أنها ترعى في مكان لا يؤذي الناس، وكذلك الغالب الراعي معها. لكن في الليل، السبب أنها إذا كانت في الليل، فإنها لا راعي معها، ولا أحد يستطيع أن يمنعها مما يضر. طيب إذا كانت الغنم موجودة في النهار، إيش نقول؟ الحكم يدور مع علته وجودا وعدما. هذا الذي وضع عند باب بيته كيس رز، فهجمت عليه الأغنام، مسكين، أراد أن يوكله أولاده لشهر. وإذا بالأغنام تهجم عليه وتأكل الكيس كاملا. ظلم هذا، وليس بظلم. هل هنا نقول: «لا، ليس بها ضمان»؟ لا، على صاحبها الضمان. طيب يا أخي، أنت تدري ما فعلت أغنامك بإخوانك طلبة العلم؟ أكلك على هذا الرز، وأكلك على هذا الروتي. بعض الإخوان يقول: «والله إني أصارعها مصارعة هكذا». يعني حوله الأغنام، وقريب تأكل من يده الروتي اللذيذ، عشاء أولاده، عشاء أولاده. وحوله عشر أو خمسة عشر غنمة. إن ضرب واحدة أو ورعها أو شيء، قالوا: «يلا هات الغنمة فيا أخوان، لا ضرر ولا ضرار». والله تعبنا ونحن نكرر في هذا الباب. نحن طلبة علم، لا يجوز لأحد أن يضر بأحد. وقد تبرأ إخوانكم يا من تملكون الأغنام. إما أن تحجبوها أو تذبحوها. وقد قلنا للإخوة: «اجعلوا حوشا، ولو أحد يتصدق بهذا، ويكفينا هذه الغنم، أي غنم سائبة تدخل في هذا الحوش، تدخل في هذا الحوش، ثم تعلف ثلاثة أيام، ما جاء صاحبها تباع، ويأتي صاحبها ويوفي الثمن، ويخصم منها قيمة العلف حق ثلاثة أيام». ما رأيكم بهذا الحكم؟ نريد الكلام من أصحاب الأغنام. في أحد تضرر إخوانكم يا أصحاب الأغنام. ننبه على هذا التنبيه، ونقول للشيخ أحمد الوحشي: «يتوكل على الله ويعمل حوش». نعمل مزاد علني بعد كل ثلاثة أيام، أي غنمة تدخل الحوش، ليس لها راعي، تدخل الحوش، تعلف ثلاثة أيام، بعد ثلاثة أيام تباع. وإن جاء صاحبها عنده وصفها، يعطى ثمنها، ويخصم منه قيمة علف ثلاثة أيام. ولا يؤذي إخواننا، الحوش مجانا، خلاص الحوش مجانا. التنبيه الثاني بارك الله فيكم، بالنسبة لتواجدنا في هذا المركز الطيب المبارك. نحن أيها الأحبة طلبة علم، ما اجتمعنا هنا لأحساب، ولا لأنساب، ولا لدنيا. ولكن من توفيق الله وفضله أننا اجتمعنا لأجل العلم وطلب العلم. ولم نجتمع كذلك لأن هنا مؤسسة خيرية، أو كذلك شيء من هذه المعاني. إنما جئنا لطلب العلم، وأردنا أن نحفظ أنفسنا، وأبناءنا، وبناتنا، وأزواجنا من فتن المجتمع. فمن وفقه الله لهذا المكان، عليه أن يجد ويجتهد في هذا الخير الذي وفقه الله إليه. وقد كان الشيخ عبد الرحمن رحمه الله يشترط لمن يلقى في هذا المكان ويأخذ المساعدة به، أن تظهر عليه صدقية طلب العلم. فالبيوت والأرض، وكل المنافع في هذا المكان، إنما هي لطلبة العلم. فمن ليس له رغبة بطلب العلم، يترك المكان لإخوانه الآخرين. بل تذكرون كان من شروط أراضي المركز في أول الأمر: «أن من أخذ أرضا ولم يستطع بناها، يعطى مهلة، فيتركها بقيمتها لمن يأتي بعد، ما في ربح ولا شيء». كانت بمئة ألف أول، فتركها بمئة ألف لمن يستطيع أن يبنيها ويسكن فيها من طلبة العلم. وأنت تتوكل على الله، كل هذا لأجل ماذا؟ لأجل أن المكان لطلبة العلم. لكن توسع الأمر، وصار المركز الآن كبير. فنحن نحاول أن نسدد ونقارب. فلذلك بين الحين والآخر، إخوانكم يشددون في الشروط لمصلحة طلاب العلم. فالمطلوب بين الأخوة العزاب، والأخوة العوائل: الجد والاجتهاد في طلب العلم. وأن يظهر ذلك بحياتهم، من ذلك الحرص على أقل ما يمكن من القرآن، هو خمسة أجزاء، هذا الأقل. ومن استطاع الأكثر، فله فضل الله في الآخرة، والأجر العظيم الذي لا يحصى عليكم. ونحن طلبة علم، خيركم من تعلم القرآن وعلمه. وطالب القرآن يرتقي بما عنده وما معه من القرآن في أعلى الدرجات. وهكذا كذلك بإذن الله، كله مكافأة من إدارة المركز. والمقصر لابد أن تكون له عقوبة، لأجل يجتهد ويجتهد. العقوبة ليس لعداوة، ولا كذلك لأي معنى آخر، إنما لجذبه إلى الخير، حتى