الدرس في شرح سلم الوصول للشيخ حافظ الحكمي رحمه الله 79، الدرس التاسع والسبعون : (والسادس الإيمان بالأقدار ... والكل في أم الكتاب مستطر ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول شرح الركن السادس من أركان الإيمان وهو الإيمان بالقدر، ويؤكد على أهمية الإيمان بالأقدار واليقين بها. الإيمان بالقدر ركن أساسي من أركان الإيمان.
يشرح مراتب القدر الأربع التي يؤمن بها أهل السنة والجماعة، ويتناول المرتبة الأولى وهي العلم والمرتبة الثانية وهي الكتابة والمشيئة. كما يبين أن الكتابة تشمل كتابة في أم الكتاب وكتابة يومية وسنوية وعمرية.
يشرح بعض مراتب القدر ويبين حكمة الله في النسخ، ويوضح أن الله عز وجل يكتب ما يشاء ويقدر للعبد تقديرين. كما يبين أن الله خلق العباد وأعمالهم ولا يلزم من ذلك أن يخرج العبد عن كونه عبدا.
يلخص أهم مسائل القضاء والقدر كما وردت في البيتين السابقين، ويشير إلى أن الله تعالى هدى الإنسان وترك له الخيار بين الشكر والكفر. كما يشير إلى وجود مباحث أخرى في شرح الشارح لمن يرغب في الاستزادة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، أورد المؤلف -رحمه الله تعالى- هذين البيتين، الكلام على الركن السادس من أركان الإيمان، وهو الإيمان بالقدر، فقال -رحمه الله-: «والسادس -وهو معطوف على أركان الإيمان المذكورة قبل- الإيمان بالأقدار، أي الإيمان بالقدر، كما في حديث جبريل المتقدم، فأيقنا بها ولا تماري، فأيقنا بها يعني استيقنا؛ لأن هذا هو مقتضى الإيمان ومطلوب التصديق مع اليقين فيه، ولا تماري». وفي هذا إشارة إلى أنه قد مارى في هذا الباب جماعة من الناس ممن ضلوا في هذا الركن من أركان الإيمان، ألا وهو الإيمان بالقضاء والقدر، وهم -كما سبقت الإشارة إلى ذلك- الجبرية والقدرية، أي القدرية النفاة. قال: «فكل شيء بقضاء وقدر»، أي: هذا الذي يجب أن يكون عليه المؤمن، أن يعلم أن كل شيء بقضاء وقدر، كما دلت عليه أدلة الكتاب وأدلة السنة الكثيرة المتواترة. قال: «والكل في أم الكتاب مستطر»، يعني: والكل من الأقوال والأفعال والأعمال، ومما يكون في هذه الدنيا وما يكون في الآخرة، كل ذلك بكتاب مستطر، كما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، و﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾. وكذلك كقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾، هذا من التفصيل الذي قد كتبه الله جل وعلا وقدره قبل وقوعه. وكقوله جل وعلا: ﴿كَذَلِكَ﴾، وهو بكل شيء عليم، وكل شيء قد علمه سبحانه وقدره. وهكذا كذلك ما يتعلق بالكتابة، وقد مر معنا أن مراتب القدر التي يؤمن بها أهل السنة والجماعة أربعة. من يعيدها؟ ها مراتب القدر: عِشْهُم حَمْدٌ، ها العلم، الكتابة، مشيئة، والخلق. طيب، إذن الله خير، هذه أربعة مراتب هي مراتب القدر، ويذكرها أهل السنة والجماعة لأمرين: أولا؛ لأنه قد دلت عليها أدلة الكتاب والسنة، وثانيا؛ لأنه أنكرها جماعة من أهل البدع والأهواء. فالمرتبة الأولى: العلم، أي: أن الله جل وعلا علم بالأشياء جملة وتفصيلا، ما ستكون، كيف تكون، من أول الأمر إلى آخره، كما قال سبحانه: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾، ونحو ذلك من الآيات الكثيرة الذي بيّن في كتاب الله، ونحوه مما جاء معناه في سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. وهكذا المرتبة الثانية من مراتب القدر، وهي مرتبة الكتابة، أو إن شئت: المشيئة، فالكتابة: أن الله جل وعلا أمر بكتابة ما يكون في هذا الكون وما يكون في خلقه -سبحانه-، كما في حديث عبد الله بن عمر: «إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف عام». وفي حديث ابن عباس: «وجاء عن غيره: أول ما خلق الله القلم، فقال: اكتب. قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة». فالله عز وجل أمر بكتابة الأشياء. وهكذا كذلك المشيئة، أي: أن مشيئة العباد تابعة لمشيئة الله عز وجل، فتثبت للعبد مشيئة، ويثبت لله عز وجل مشيئة، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. ولا تعارض بين مشيئة العبد ومشيئة الله عز وجل، فالعبد مشيئته لا تخرج عن مشيئة الله. قد مرت معنا هذه المسائل في درس كتاب «الصحيح المسند في القدر». وقوله: «كذلك والكل في أم الكتاب المستطر»، يريد بذلك أن هذا الذي كتب كتب في أم الكتاب، ولا ينافي ذلك ما ذكر من الكتابة الأخرى، فالكتابة أنواع: كتابة في أم الكتاب، وهو اللوح المحفوظ، وكتابة تكون للعبد يومية، وكتابة حولية وتقدير حولي، وهكذا كتابة وتقدير عمري. وكل ذلك نؤمن به على ما جاءت به أدلة الكتاب والسنة، ولا تعارض بينها، فإنه إن شئت قلت: هو من عطف الخاص على العام، أو من التفصيل بعد الإجمال، فكله كتابة لا تنافي الكتابة السابقة. وأما مثل قول الله عز وجل: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، فليس معنى ذلك أنه يحصل تغيير لعلم الله عز وجل السابق -لا-، ولكن معناه أن الله جل وعلا يقدر الأشياء على شيء، الشيء الذي يكون، ثم يشاء الله جل وعلا نصفه لمصلحة، كما قال سبحانه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾. فالله عز وجل قد يأتي بالشيء الشرعي أمر به فترة من الزمن لحكمة منه -سبحانه-، ومن حكم النسخ: تدريج نزول الشرع على الناس؛ لأنه لو نزل جملة واحدة ما طاقوه ولا قبلوه. ومن ذلك تحريم الخمر، حرم تدريجيا. ومن ذلك كذلك نزول فرائض الدين، نزلت تدريجيا. وهكذا، فالله عز وجل يكتب عنده ما يشاء، أي: أن هذا الشيء سيكون فترة من الزمن حلالا، ثم يكون بعده حراما. ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾. والمعنى الثاني: أنه كذلك -سبحانه- يقدر للعبد تقديرين، وهو أعلم بما يكون للعبد، أنه -مثلا- إذا زار ووصل رحمه يطال في عمره، وإذا لم يصل رحمه فإنه يبقى على ما قدر عليه من عمره، والله جل وعلا أعلم أنه سيصل أو لا يصل، فيكتب له هذا ويكتب له هذا، فإذا وصل وافق العمل ذلك الذي قد كتب عليه من الله -سبحانه وتعالى-. وهذا يسمى العلم الثاني: علم الوقوع، الذي به يكون ترتب الثواب والعقاب. وأما العلم السابق الذي سبق في علم الله عز وجل، فهو علم لا يترتب عليه الثواب والعقاب، كما قال سبحانه: ﴿وَلَكِنْ يُبَيِّنُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَكِنْ لَا يُبَيِّنُ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ﴾، الله عز وجل علم من الذي سيصدق ومن الذي سيكذب، لكن سيعلمه علم آخر، وهو علم وقوع بعد وقوعه، يترتب عليه الثواب والعقاب. وهكذا كذلك سائر الآيات التي هي بهذا المعنى. فهذه ثلاثة مسائل لا إشكال فيها، وقد ضل بسببها جماعة وطائفة من أهل الأهواء. وأما المرتبة الرابعة من مراتب القدر، وهي مرتبة الخلق: أن الله جل وعلا خلق العباد وخلق أعمالهم، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، وكما قال النبي -عليه الصلاة والسلام- كما في حديث عدي عند الحاكم بإسناد صحيح: «إن الله خالق كل صانع وصنعته»، يعني: يخلق الصانع وصنعة هذا الصانع، أي: هذا الإنسان وما يكون منه من عمل. وهذه كذلك مسألة ومبحث ضل فيها كذلك طوائف من أهل البدع، ظنوا أن ذلك يقتضي أن يكون هناك مشاركة لفعل الله عز وجل، أو العكس كذلك، وكل ذلك باطل، بل نؤمن بذلك إيمانا جازما، المستيقنين أن ذلك الذي أخبر الله عز وجل به حق، وأن ذلك لا يخرج العبد عن كونه عبدا، ولا يلزم كذلك أن يكون هذا العبد مجبورا على فعله، بل الله عز وجل يقول: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾. هذا خلاصة ما يذكر في هذين البيتين، وهي أهم مسائل ومباحث القضاء والقدر. وقد ذكر الشارح -المؤلف- في شرحه -رحمه الله- مباحث أخرى كثيرة، فمن أراد الاستزادة فليرجع إليها. وإلى هنا، والحمد لله رب العالمين.