الدرس في جواهر البلاغة 84، الدرس الرابع والثمانيون:من( البمحث التاسع:في التقييد بالنفي ... فلا يصح لما يجيء خليل في العام الماضي ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول المبحث التاسع في التقييد بالنفي، ويشرح معنى التقييد بالنفي وأدواته السبعة. يتم توضيح معاني كل أداة واستخداماتها في النفي.
يشرح مواضع الاجتماع والافتراق بين لم ولما في اللغة العربية، حيث يتفقان في كونهما حرفي نفي ويختلفان في استمرار النفي وتوقع حدوث المنفي. يتم توضيح الفروق بينهما في استخداماتهما اللغوية.
يتم شرح الفروق بين لم ولما، مثل توقع ثبوت ما بعدها وحذف الفعل بعدها، كما يتم توضيح شروط استخدام لما في السياق الزمني. يجب أن تكون لما متسقة مع السياق الزمني ولا تستخدم مع ما يدل على الماضي.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. قال المُحقق رحمه الله تعالى: المبحث التاسع في التقييد بالنفي، قال: والتقييد بالنفي يكون لسلب النسبة على وجه مخصوص، مما تفيد أحرف النفي السبعة، وهي: لا، وما، ولا، وتأ، وإن، ولن، ولم، ولما. قال: فلا للنفي مطلقا، وما وإن وتأ لنفي الحال إن دخلت على المضارع، ولن لنفي الاستقبال، ولم ولما لنفي المضي، إلا أنه بلما ينسحب إلى ما بعد زمن التكلم، ويختص بالمتوقع. وعلى هذا فلا يقال: لما يقم خليل ثم قام، ولا لما يجتمع النقيضان، كما يقال: لم يقم علي ثم قام، ولم يجتمع الضدان. فلما في النفي تقابل قد في الإثبات، وحينئذ يكون منفيا قريبا من الحال، فلا يصح لما يجئ خليل في العام الماضي. أورد رحمه الله هذا المبحث التاسع في الكلام على التقييد بالنفي، ومر معنا معنى التقييد: أنه نوع من التخصيص، وفيه معنى بلاغي من جهة كونه حصل به التخصيص، وزيادة على ذلك في كيفية استعمال هذه الأدوات: أدوات النفي؛ لأن لكل أداة معنى خاص، فاستعمال ألفاظها بمعاني غيرها يعتبر من اللحن، ومن عدم الفصاحة والبيان، فلهذا ذكره علماء البلاغة في مباحث هذا العلم. ثم ذكر رحمه الله معنى النفي: بأنه يكون لسلب النسبة على وجه مخصوص، وهذا الوجه المخصوص يأتي بالمعنى الذي يدل عليه الحرف أو الأداة التي هي للنفي، ولهذا قال: مما تفيد أحرف النفي السبعة، وكل حرف له معنى. قال: فلا للنفي مطلقا، ولهذا فهي أوسع الأحرف، ويصلح وضعها في أكثر مواضع الأحرف الأخرى، فيجوز أن تقول: لن أذهب، ويجوز أن تقول: لا أذهب، ويجوز أن تقول: ما يأكل، ويجوز أن تقول: لا يأكل، لكن كما ترى: ليس كل موضع فيه لا يجوز أن تضع فيه ما ولن، وهكذا قل في سائر الأدوات الأخرى، فإذا لا مطلقة في النفي، فلا يقع إشكال في استعمالها. قال: وما وإن وتأ لنفي الحال إن دخلت على المضارع، تقول: ما يأكل، يعني الآن، فالنفي نفي للحال، وتقول: إن يأكل، يعني الآن، وهكذا تقول: لا تأكل، وكله يدل على معنى الحال. قال: ولن لنفي الاستقبال، تقول: لن يذهب، يعني متى؟ في المستقبل، فهي تحول أو تؤكد معنى الفعل المضارع للاستقبال. قال: ولم ولما لنفي المضي، إلا أنه بلما ينسحب إلى ما بعد زمن التكلم. كلام المؤلف رحمه الله اجتمع بالجملة على ذكر مواضع اجتماع وافتراق بين لم ولما، وقد نبه أهل العربية على مواضع الاجتماع والافتراق في لم ولما؛ لأنه يكثر الخطأ فيه، وإذا حصل الخطأ حصل اللحن، فتغير معنى الكلام، ودخل الكلام في معنى غير الفصيح. فمما يحصل فيه الاشتراك بين لم ولما الحرفية: فكل من لم ولما حروف، وحروف نفي، ومما يحصل به الاشتراك بين لم ولما: الاختصاص بالفعل المضارع، فلا يدخل كل منهما إلا على الفعل المضارع، ومما يختص به كذلك أو يشترك لم ولما: أمرهما فيه الجزم، فكل من لم ولما تجزم الفعل المضارع؛ لأن ليس كل نفي يجزم، ولكن لم ولما تجزم الفعل المضارع. ومما يحصل به الاشتراك كذلك: قلب الزمان إلى المضي، إذا دخلت لم أو لما، تقول: لم يذهب، انقلب الزمان من الحضور أو الاستقبال إلى المضي، يعني فيما مضى لم يذهب، ولما يذهب كذلك، يعني إلى الآن لما يذهب، فهو نفي للمضي. وأما ما يفترق فيه أمر لم ولما فهو كذلك أربعة أمور: أولها أن المنفي بها مستمر الانتفاء إلى زمان الحال، بخلاف لم؛ فإنه ليس كذلك دائما، وقد يأتي لمعنى الاستمرار، لكن ليس من الحرف، وإنما من معنى وسياق الكلام، مثل: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾، وأما لما فهي دائما تفيد الاستمرار، يعني لما يذهب معناه إلى الآن مستمر الحكم عدم الذهاب، بخلاف لم يذهب؛ فإنه بحسب علمه، لا يلزم أن يكون لم يذهب أنه ما ذهب بعد ذلك الساعة، أي وقت نقل الخبر. فالحاصل أن المنفي بلم يفيد الاستمرار أي ثبوت الحكم، وأما المنفي بلم فقد يفيد الاستمرار مثل: لم يلد، وقد لا يفيد الاستمرار، وهذا كثير مثل: «لم يكن شيئا مذكورا»، وعليه يجوز: لم يقم ثم قام، ولا يجوز: لما يقم ثم قام؛ لماذا؟ لأن لما كما عرفنا تفيد الاستمرار، فصار تناقضا أن تقول: لما يقم ثم قام، فليس من الفصيح التعبير بلما فيما ينافي الاستمرار. يجوز: لم يقم ثم قام؛ لأن لم لا تفيد الاستمرار، لكن لا يجوز: لما يقم ثم قام؛ لأنك نقضت معنى الاستمرار بقولك: ثم قام. وهكذا من مواضع الاختلاف والافتراق بين لما ولم: أن لما تؤذن كثيرا بتوقع ثبوت ما بعدها، يعني أن نفيها يشعر بأن هذا المنفي متوقع الحدوث، فأنت حين تقول: لم يذهب، ليس مثل: لما يذهب، يعني كأنه سيذهب، لكن إلى الآن لم يذهب، ومنه قول الله عز وجل: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ يعني سيدوقونه، ومنه كذلك: «لما يدخل الإيمان في قلوبكم» يعني إذا استمررتم على الإسلام، فإن شاء الله سيدخل الإيمان إلى القلب. وأما لم فليست كذلك؛ فهي لا توذن بتوقع ثبوت ما بعدها، فلا يصلح استعمال لم فيما يذن فيه بتوقع ثبوت الحكم، فإذا فعل ذلك صار لحنا، فلا يجوز مثلا لمن يريد معنى الإيداء أن يقول: لم يذوقوا عذاب؛ لأن هذا منافي للمقصود من الآية، المقصود هو إثبات وجود العذاب، لكن ليس الآن. ومن مواضع كذلك الاختلاف والافتراق: أنه يجوز حذف الفعل بعد لما، وأما لم لا يجوز حذف الفعل بعدها، فيجوز أن تقول لمن سألك مثلا: هل انتهيت من الامتحان؟ فتقول: قاربت ولما، قاربت ولما، ولا يجوز: قاربت ولم، فاستعمال لم في موضع لما لحن وخلاف الفصيح. فأنت حين قلت: قاربت ولما، أي لما أكمل بعد، ومن مواضع الافتراق كذلك: أن لما لا تقترن بحرف الشرط، فلا يجوز: إن لما تقم قمت، ولكن يجوز: إن لم تقم قمت، فأنت ترى أن إن الشرطية صح دخولها على لم، ولم يصح دخولها على لما، وهذا أفاد أن لا يجوز استعمال إن الشرطية مع لما، وإن استعمل فهو خلاف الفصيح. قال رحمه الله: ولن لنفي الاستقبال، وهذا سبق، ولم ولما لنفي المضي، وعلمنا أنه ليس فقط، بل هناك أربعة مواضع تجتمع فيها لم ولما. قال: إلا أنه بلما ينسحب إلى ما بعد زمن التكلم، وهذا من المواضع الاجتماع كما تقدم معنا، ويختص بالمتوقع، وهذا سبق معنا، وعلى هذا فلا يقال: لما يقم خليل ثم قام، وهذا سبق معنا؛ لماذا؟ لأنه ينافي الاستمرار. قال: ولا لما يجتمع النقيضان، كما يقال: لم يقم علي ثم قام، يعني جعل القيام وعدم القيام نقيضين، والنقيضان هما ما لا يجتمعان معا ولا يرتفعان معا، كالليل والنهار، فقيام علي الذي قال: ثم قام، وعدم قيامه في قوله: لم يقم، باستعمال لم لا يعتبر استعمال للنقيضين؛ لأن لم إنما تفيد النفي في المضي، ليس بالاستمرار، بخلاف لما تفيد استمرار المنفي، فكونها تفيد استمرار المنفي، ثم يقول بعده: ثم قام، صار هذا جمع بين النقيضين، لا يمكن لذان أن يكون قائم وليس بقائم في نفس الوقت. وقوله: ولم يجتمع الضدان، كأنه يقول: أن الضدان والنقيضان شيء واحد، والصحيح أن بينهما فرق؛ فالضدان ما لا يجتمعان معا، وقد يرتفعان، بخلاف النقيضان: لا يجتمعان معا، ولا يرتفعان معا، يعني لا يذهب الليل والنهار معا، إما أن يوجد الليل، وإما أن يوجد النهار، كما أنه لا يجتمعان معا، لا يوجد الليل والنهار معا، فالأحد هما يوجد. وأما الضدان فلا يجتمعان معا، لا يوجد مثلا السواد والبياض في شيء واحد، ولكن قد يرتفعان، لا يوجد أسود ولا أبيض، أن يوجد لون أحمر أو أصفر، فقوله: ولم يجتمع الضدان، يريد من جهة اجتماع المتخالفين، هكذا قصده، فهو فيه توسع. قال: فلما في النفي تقابل قد في الإثبات، يعني أن تفيد معنا الاستمرار، قال: وحينئذ يكون منفيا قريبا من الحال، كما تقدم معنا، فلا يصح: لما يجئ خليل في العام الماضي؛ لماذا؟ لأن قوله: في العام الماضي للمضي، وقوله: لما للاستقبال والاستمرار، وهذا تناقض، فلهذا صار هذا خلاف الفصيح، وخلاف ما تستعمل له لما كما تقدم فيما تختص به لما.