الدرس في جواهر البلاغة 116، الدرس السادس عشر بعد المائة:من( 11-أو جملة نحو:كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين ... ومرجعك في إدراك أسرار البلاغة إلى الذوق الأدبي والإحساس الروحي ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح مفهوم حذف الجملة في الكلام وأمثلته من القرآن الكريم والكلام العادي، موضحا أن الحذف يأتي للاختصار ووضوح المعنى. يُستدل على ذلك بمثال أكلت فاكهة وماء والآية الكريمة ﴿كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين﴾.
يشرح حذف الجمل في الحكاية ويضرب مثالا من القرآن الكريم، ثم يذكر دواعي الإيجاز مثل الاختصار وتسهيل الحفظ وتقريب الفهم، مشترطا وجود قرينة لفظية أو معنوية لصحة الإيجاز.
الإجاز يكون إما بالقصر وإما بالحذف، ويستحسن في مواضع معينة مثل الاستعجال والتعزية والعتاب. كما أن الإحساس الروحي هو الملكة التي تمكن الإنسان من تمييز الكلام الصحيح من غيره، ويأتي بكثرة القراءة والسماع ومعرفة القواعد.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: «قال الحادي عشر: أو جملة نحو ﴿كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين﴾، أي فاختلفوا فبعث. ومعناه أن من مواضع الحذف حذف الجملة، وقد تقدم معنا على وجه الإجمال أن الحذف ينقسم إلى ثلاثة أقسام: منها هو حذف مفرد، ومنها هو حذف جملة، ومنها هو حذف جملة فأكثر، أو إن شئت قل جمل. وأخذنا في حذف المفرد أقساما كما تقدم معنا، والآن شرع في ذكر مثال في حذف الجملة. فقوله سبحانه: ﴿كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين﴾، في الكلام شيء مقدر محذوف يدل عليه السياق: كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين، فحصل الحذف هاهنا للاختصار ولبيان المعنى. ومثله كذلك المثل الذي يكثر ضربه أهل البلاغة: أكلت فاكهة وماء، والتقدير: أكلت فاكهة وشربت ماء، فحذف عامل ماء مع فعله للعلم به ووضوح المعنى بحذفه. ولهذا صار مثل هذا السياق من مواضع الإيجاز الممدوح؛ لأنه كما تقدم، معنى الإيجاز إذا لم يكن على وجه ممدوح فإنه يصير نقصا في الكلام ومنافيا للفصاحة والبيان». قال رحمه الله: «الثاني عشر: أو جملا كقوله تعالى: ﴿فأرسلون يوسف أيها الصديق﴾، قال: أي فأرسلوني إلى يوسف لأستعبره الرؤية، فأرسلوه فأتاه وقال له يوسف أيها الصديق. يعني حذفت مجموعة جمل للعلم بها من خلال السياق. وبه نعرف أن حذف الجمل يكون كثيرا في الحكاية؛ لأن في الحكاية يعرف المحذوف من السياق، فأنت تريد أن تختصر وتشير إلى المقصود بعبارة وجيزة، ولا يحصل بهذا الإيجاز خلل. فحذفت مجموعة من الجمل مثل هذه الآية، فالتقدير كما ذكر: أي فأرسلوني إلى يوسف لأستعبره الرؤية، فأرسلوه فأتاه وقال له يوسف أيها الصديق. انظر كم جمل. وقال له يوسف أيها الصديق، يعني المرسل». قال رحمه الله: «وعلم أن دواعي الإيجاز كثيرة...»، وطبعا المؤلف رحمه الله ها هنا اختصر، اكتفى بذكر مثال مثال من كل مبحث، وبعضهم أطال كثيرا في ذكر الأمثلة؛ لأنه يدخل في معنى الجملة أنواع من الجمل: اسمية وفعلية وشرطية وغير ذلك. وهكذا كذلك حذف الجمل يدخل تحتها أنواعا كثيرة من الجمل المحذوفة، والمؤلف هنا رحمه الله اكتفى بهذا، اختصارا، اكتفاءا بهذا المذكور عن غيره. قال رحمه الله: «وعلم أن دواعي الإجاز كثيرة: منها الاختصار، وتسهيل الحفظ، وتقريب الفهم، وضيق المقام، وخفاء الأمر على غير السامع، والضجر والسآمة، وتحقيق المعنى الكثير باللفظ اليسير إلى آخره. وكل هذه المعاني دواعي تقتضي الإجاز، ولكن كما تقدم، لابد أن يكون في السياق قرينة لفظية أو معنوية تدل على هذا المعنى المقصود من هذا الإجاز. وكما تقدم، الإجاز يكون إما بالقصر وإما بالحذف، فإن لم تكن هناك قرينة تبين وتوضح المعنى ويتضح به المعنى، فإنه يكون إجازا مذموما منافيا للفصاح والبيان؛ لأن المعنى لا يتم». قال: «ويستحسن الإجاز بالاستعجال وشكوى الحال والاعتذارات والتعزية والعتاب. وكل هذه المواضع تقتضي الإجاز والاختصار؛ لأنك تريد في هذه المواضع إيصال المعنى بأقصر عبارة وأيسرها، فلهذا كان من البلاغة والفصاح والبيان أن تذكر بعبارة موجزة، ولكن لا بد أن تكون هذه العبارة الموجزة مؤدية للمعنى، كما تقدم معنى في معنى الإيجاز من أنه وضع المعاني الكثيرة في الألفاظ القليلة». قال: «والوعد والوعيد، والتوبيخ، ورسائل طلب الخراج وجباية الأموال، ورسائل الملوك في أوقات الحرب إلى الولاة، والأوامر والنواهي الملكية، والشكر على النعم. وكل هذه المواضع كذلك بالتتبع وجد أنها تقتضي كذلك الإيجاز؛ لأن المقصود هو سرعة بلوغ المعنى، فلذلك ينبغي أن يكون بعبارة مختصرة، وفي نفس الوقت مؤدية للمعنى». قال: «ومرجعك في إدراك أسرار البلاغة إلى الذوق الأدبي والإحساس الروحي». قوله: «إلى الذوق الأدبي»، هذا الذوق يأتي كما تقدم معنا بأشياء من هذه الأشياء: كثرة القراءة والسماع للكلام الفصيح البليغ، وثانيها كذلك معرفة هذه القواعد التي استوعب العلماء مباحثها من خلال دراسة كلام العرب. فبهذين الشيئين وما يدخل تحتهما يكون هذا الذوق الأدبي؛ لأن الذوق يأتي بكثرة الممارسة والخبرة والخلطة، والخلطة للمعاني البليغة، وهكذا كذلك بإدراك هذه القواعد؛ لأنه بها يعرف مواضع الخلل. وقوله: «الإحساس الروحي»، هذا كذلك ممكن أن يعبر عنه بالملكة التي يستطيع بها أن يحس الكلام الصحيح السليم البليغ ومن غيره الذي يحصل فيه نوع من الخلل. وهذا كذلك يدرك بالمعنى السابقين، والله أعلم.