جواهر البلاغة  132

جواهر البلاغة 132

الدرس في جواهر البلاغة 132، الدرس الثاني والثلاثون بعد المائة:من( المبحث الرابع:في المجاز المفرد بالاستعارة ... لأنها تجدي الكلام قوة وتكسوه حسناً ورونقاً وفيها تثار الأهواء والإحساسات ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في الاستعارة وعلاقتها بالتشبيه

يبدأ الدرس بتعريف الاستعارة وبيان علاقتها بالتشبيه، حيث تُعتبر الاستعارة نوعًا من المجاز المفرد الذي يُذكر فيه المشبه به فقط. يُظهر أن أصل الاستعارة هو التشبيه وأنها تتميز ببلاغة أكبر وتأثير أعمق في النفس.

تفصيل أنواع الاستعارة وأمثلة عليها

يتناول هذا الجزء تعريف الاستعارة لغة واصطلاحًا، ويقدم أمثلة على أنواعها المختلفة مثل استعارة الصورة المجملة والمفصلة. يُظهر كيف يستخدم الشعراء الاستعارة لتصوير الأفكار والمشاعر بطرق إبداعية ومؤثرة.

أركان الاستعارة وشروطها وتأثيرها البلاغي

يشرح هذا الفصل أركان الاستعارة وشروطها، ويبين أنها تشبيه مختصر تُحذف منه بعض الأركان وتقتضي إدخال المشبه في جنس المشبه به. يُظهر كيف تعطي الاستعارة الكلام قوة وحسنًا ورونقًا.

تمهيد للمبحث القادم

يتم التمهيد لمبحث قادم سيتم فيه تفصيل وتوضيح موضوع معين، وسيبدأ بالبسملة، مما يشير إلى انتقال الدرس إلى موضوع جديد.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال الملك، رحمه الله تعالى: المبحث الرابع، قال في المجاز المفرد بالاستعارة. قال: تمهيد. قال السفق: أن التشبيه أول طريقة دلت عليها الطبيعة ليضاح أمر يجهله المخاطب بذكر شيء آخر معروف عنده، ليقيسه عليه. وقد نتج من هذه النظرية نظرية أخرى في تراكيب الكلام، ترى فيها ذكر المشبه به فقط، وتسمى هذه بالاستعارة. وقد جاءت هذه التراكيب المجتمع على الاستعارة أبلغ من تراكيب التشبيه، وأشد وقعًا في نفس المخاطب؛ لأنه كلما كانت داعية إلى التحليق في سماء الخيال كان وقعها في النفس أشد، ومنزلتها في البلاغة أعلى. وما يبتكره أمراء الكلام من أنواع صور الاستعارة البديعة التي تأخذ بمجامع الأفئدة، وتملك على القارئ والسامع لبهما وعواطفهما هو سر بلاغة الاستعارة. هذا المبحث نعله رحمه الله بالكلام على الاستعارة، وكما تقدم معنا: الاستعارة هو أحد جزئي المجاز اللغوي المفرد. فإن المجاز منهما هو عقلي، ومنهما هو لغوي، واللغة منهما هو مركب، ومنهما هو مفرد، ثم المفرد منهما هو مرسل، ومنهما هو استعارة. فالمرسل ما كان في الألفاظ، والاستعارة كما سيأتي معنا ما كان في الجمل وفي السياق. ثم أشار هنا أن مرجع الاستعارة هو إلى التشبيه، إلا أنه حصل فيه شيء من الحذف كما سيأتي معنا إن شاء الله. إلا أنه يذكر فيه المشبه به فقط، ولا يذكر المشبه. وأما قوله: طريقة دلت عليها الطبيعة، يعني أنه أخذ مما يرى في الطبيعة، وحصل التشبيه بما يرى من واقع الأشياء في الطبيعة، فجعل الجمال في القمر، وجعلت الشجاعة في الأسد، وهكذا. ثم ما ذكره بعد أن هذا المعنى في قياسه شيء بشيء، وإلحاقه به هي عبارة عن نظرية. وكما لا يخفى: النظرية مأخوذة من النظر الذي قد يصح، وقد لا يصح، وقد يكون له وجود في الواقع، وقد لا يكون. وهذا هو الصواب: أنه رأي قد يصيب، وقد يخطئ. وقد أخطأ في هذا الموضع؛ أي من ادعاء المجاز وما يلحق به من مباحث هي في الحقيقة ترجع إلى مبحث التشبيه، ووصفها بهذه التفاصيل من معاني المجاز لا أصل له، لا عند أهل اللغة فضلًا عن الشرع. قال رحمه الله: فمن الصور المجملة التي عليها طابع الابتكار وروعة الجمال قول شاعر الحماسة: «قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم طاروا إليه زرافات ووحدانا». قال: فإنه قد صور لك الشر بصورة حيوان مفترس مكشر عن أنيابه مما يملأ فؤادك رعبًا، ثم صور القوم الذين يعنيهم - وهو هنا مدح لهم - بصور طيور جوارح تطير إلى مصادمة الأعداء طيرانًا مما يستثير إعجابك بنجدتهم، ويدعوك إلى إكبار حميتهم وشجاعتهم. ومنهم من يعمد إلى الصورة التي يرسمها فيفصل أجزاءها، ويبين لك كل جزء، كل جزء مزيته الخاصة، كقول امرئ القيس في وصف الليل بالطول: «فقلت له لما تمطى بصلبه وأردف أعجازًا وناء بكلكل». فإنه لم يكتف بتمثيل الليل بصورة شخص طويل القامة، بل استوفى له جملة أركان الشخص، واستعار صلبًا يتمطى به؛ إذ كان كل ذي صلب يزيد في طوله تمطيه - يعني حين يتمطط يزداد طولًا - وأراد أن الليل كذلك ازداد طولًا. قال: وبالغ في ذلك بأن جعل له أعجازًا يردف بعضها بعضًا، ثم أراد أن يصفه بالثقل على قلب ساهره، واستعار له كلكلًا ينوء به؛ أن يثقل به. ولا يخفى عليك ما يتركه هذا التفصيل البديع في قلب سامعه من الأثر العظيم والارتياح الجميل. فنرى هاهنا مشبهًا به، ولم نر المشبه، مع أننا نرى ذلك في الجملة لا في الألفاظ. قال: ومنهم من لا يكتفي بالصورة يرسمها، بل ينظر إلى ما يترتب على الشيء فيعقب تلك الصورة بأخرى أشد وقعًا، كقول أبي الطيب المتنبي: «رماني الدهر بالأرزاء حتى فؤادي في غشاء من نبالي وصرت إذا أصابتني سهام تكسرت النصال على النصال». فلم يكتف بتصويره المصائب سهامًا في سرعة انصبابها وشدة إيلامها، ولا بالمبالغة في وصف كثرتها بأن جعل منها غشاءً محيطًا بفؤاده، حتى جعل ذلك الغشاء من المتانة والكثافة بحيث أن تلك النصال مع استمرار انصبابها عليه لا تجد منفذًا إلا فؤاده؛ لأنها تتكسر على النصال التي سبقتها. فانظر إلى هذا التمثيل الرائع، وقل لي: هل رأيت تصويرًا أشد منه لتراكم المصائب والآلام؟ قال: تعريف الاستعارة وبيان أنواعها. فهذا ما مر معنا عبارة عن أمثلة مجملة توضح معنى الاستعارة. قال: الاستعارة لغة من قولهم استعار المال، أي طلبه عارية. واستلاحا هي استعمال اللفظ بغير ما وضع له لعلاقة المشابهة بين المعنى المنقول عنه والمعنى المستعمل فيه، مع قرينة صارفة عن إرادة المعنى الأصلي. وكما تقدم: معنى إذا كان بي المشابهة فهو استعارة، وإذا كان بغير المشابهة فهو المرسل. قال: والاستعارة ليست إلا تشبيهًا مختصرًا، ولكنها أبلغ من قولك: رأيت أسدًا في المدرسة. فأصل هذه الاستعارة: رأيت رجلًا شجاعًا كالأسد في المدرسة، فحذفت المشبه - لغة - رجلا، وحذفت الأداة - الكاف - وحذفت وجه التشبيه - الشجاعة - وألحقته بقرينة المدرسة لتدل على أنك تريد بالأسد شجاعًا. وأركان الاستعارة ثلاثة: مستعار منه، وهو المشبه به، ومستعار له، وهو المشبه، ويقال لهما الطرفان، ومستعار، وهو اللفظ المنقول. فكل مجاز، وكل مجاز يبنى على التشبيه يسمى استعارة. فهو كما تقدم ما علاقته المشابهة، والعلاقة هو الجامع، أو هي الجامع بين المشبه والمشبه به. وعلى قول من لا يقول بالمجاز يجعل هذا من تفاصيل مباحث التشبيه، ولا حاجة للدعوى المجاز فيها. قال: ولابد فيها من عدم ذكر وجه الشبه، ولا أداة التشبيه، بل ولابد أيضًا من تناسي التشبيه الذي من أجله وقعت الاستعارة؛ فقط مع الدعوى أن المشبه عين المشبه به، أو الدعوى أن المشبه فرد من أفراد المشبه به الكل - بأن يكون اسم جنس أو علم جنس - ولا تتأتى الاستعارة في العلم الشخصي اللغوي. قال: يعني أن الاستعارة تقتضي إدخال المشبه في جنس المشبه به، ولذلك لا تكون علمًا؛ لأن الجنس يقتضي العموم، والعلم ينافي ذلك؛ لأنه يدل على الخصوص بما فيه من التشخص. قال: إلا إذا كان العلم يتضمن وصفية قد اشتهر بها، كسحبان المشهور بالفصاحة، فيجوز فيه ذلك؛ لأنه يستفيد الجنسية من الصفة نحو سمعك اليوم سحبان - أي خطيبًا فصيحًا - وهكذا. إذن لم يرد بهذا العلم نفس الخطيب سحبان، وإنما أراد أن يصف رجلًا عنده فصاحة وبيان كفصاحة وبيان سحبان، فكأنه قال: رأيت خطيبًا بليغًا. قال: ولا تتأتى الاستعارة في العلم الشخصي لعدم إمكان دخول شيء في الحقيقة الشخصية؛ لأن نفس تصور الجزء يمنع من تصور الشرك فيه، إلا إذا أفاد العلم الشخصي وصفًا به يصح اعتباره كليًا، فتجوز استعارته، كتضمن حاتم للجود، وقس للفصاحة. فقال: رأيت حاتمًا، وقسًا - بدعوى كلية حاتم وقس - يعني لم يرد نفس الرجل حاتم، وإنما أراد رجلًا كريمًا. قال: ودخول المشبه في جنس الجواد والفصيح - يعني في الرجل الفصيح في قس - قال: وللاستعارة أجمل وقع في الكتابة؛ لأنها تجدي الكلام قوة - يعني تعطي وتكسوه حسنا ورونقًا - وفيها تثار الأهواء والإحساسات. وسيأتي معنا إن شاء الله تفاصيل وأقسام في هذا المبحث تجليه وتوضحه. سيم الله هنا إن شاء الله.