تفسير سورة الملك من تفسير الجلالين 8

تفسير سورة الملك من تفسير الجلالين 8

الدرس في تفسير سورة الملك من تفسير الجلالين 8، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تفسير الآيات الأخيرة من سورة الملك وتوضيح معانيها

يتناول تفسير الآيات الأخيرة من سورة الملك وتوضيح معانيها المتعلقة بيوم القيامة وعذاب الكافرين. يشمل ذلك شرح معاني الآيات وتفسير المفسر لها مع ذكر بعض الأحكام والفوائد المستنبطة منها.

تفاصيل يوم القيامة ومصير الكافرين في القرآن

يتناول المقطع تفاصيل يوم القيامة ومصير الكافرين كما ورد في القرآن، حيث يشير إلى سواد وجوههم ورهبتهم عند مشاهدة ما كذبوا به. يشمل ذلك شرح معاني القراءات المختلفة للآيات القرآنية المتعلقة بهذا الموضوع.

أهمية التمسك بالدليل الشرعي في التشريع

يؤكد على وجوب التمسك بالدليل الشرعي في التشريع وعدم اتباع الاستحسانات في دين الله. يشدد على أهمية الالتزام بما ورد به الدليل الشرعي في جميع جوانب الدين.

التفريغ النصي الكامل

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدْعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آَمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾. قال المفسر رحمه الله تعالى: «فلما رأوه» أي العذاب بعد الحشر «زلفة» قريبة، سيئت - اسودت - وجوه الذين كفروا، وقيل - أي قال الخزنة لهم - «هذا» أي العذاب «الذي كنتم به» بإنذاره «تدعون» أنكم لا تبعثون. وهذه حكاية حال تأتي عبر عنها بطريق المضي لتحقق وقوعها. «قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي» من المؤمنين بعذابه كما تقصدون، «أو رحمنا فلم يعذبنا، فمن يجير الكافرين من عذاب أليم» أي لا مجير لهم منه. «قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا فستعلمون» بالتاء والياء عند معاينة العذاب «من هو في ضلال مبين» بين، أنحن أم أنتم أم هم؟ «قل أرأيتم إن أصبح ماءكم غورا» غائرا في الأرض، «فمن يأتيكم بماء معين» جار تناله الأيدي والدلاء كمائكم، أي لا يأتي به إلا الله تعالى، فكيف تنكرون أن يبعثكم؟ ويستحب أن يقول القارئ عقب «معين» «الله رب العالمين»، كما ورد في الحديث. وتليت هذه الآية عند بعض المتجبرين، فقال: تأتي به الفؤوس والمعاول، فذهب ماء عينه وعمى، نعوذ بالله من الجراءة على الله وعلى آياته. ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ﴾. أما بعد، ما زلنا في هذه الآيات العظيمات في هذه السورة - سورة الملك - التي افتتحت بتعظيم الله عز وجل وذكر عظيم آلائه ونعمائه، وما أرسل من آياته الشرعية والكونية بهداية الناس، وما ذكر فيها من أحوال الناس برد تلك الآيات أو قبولها، فذكر أهل ردها من المشركين والكافرين، وأهل قبولها من المؤمنين. ثم ختمت هذه السورة بهذه الآيات بقوله سبحانه: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ﴾. قال المفسر رحمه الله: أي العذاب بعد الحشر؛ لما تكلم على الحشر في الآيات التي قبلها، وذكر الله عز وجل عددا من الأمثلة المضروبة وما توعد به المشركين في تكذيبهم الحشر، بكر سبحانه وتعالى هذه الآية على وجه التوبيخ والتخويف، وما يكون لهؤلاء المكذبين يوم القيامة إذا بعثوا إلى الله سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ﴾ إخبار عما سيؤول إليه حال هؤلاء المشركين يوم البعث والنشور. وقوله: «زلفة» قال: قريبا. وهذا من التفسير ببعض المعنى؛ فإن اختلاف المبنى دليل على اختلاف المعنى كما تقرر معنى وتكرر أكثر من مرة. فالزلفة والزلفة هو المبالغة في القرب، وفيه معنى المعاينة الحية. ومعنى «فلما رأوه» قريبا مشاهدا محققا، سيئة - قال - سودت. وهذا كذلك من التفسير ببعض المعنى. فلما يبعثون هؤلاء، أخبر الله عز وجل أنهم حين يرون ما كذبوا به من إنكار البعث والنشور قد تحقق وصار قريبا حقيقيا أمام عينهم، أظلمت وجوههم وبئست، فسيئت فيها معنى المساءة بكل معانيها الحسية والمعنوية - الحسية بالاسوداد - فيبعثون سود الوجوه، والمعنوية بالظلمة والحزن والخوف والرعب مما يرون من أهوال ذلك اليوم العظيم وما يقدمون عليه. وقوله: «سيئت وجوه الذين كفروا» قال: أي قال الخزنة لهم «هذا الذي كنتم به تدعون». والمعنى أنهم يأتون على هذا الوصف ترهق وجوههم القتر والخوف والحزن، وكذلك الظلمة والاسوداد من شدة ما يرون أمامهم، بل ويرونه قريبا محققا، فيكون عنده من الذعر والخوف الشيء العظيم. وزيادة على ذلك تقول لهم الملائكة على وجه التوبيخ: «هذا الذي كنتم به تدعون» يعني من تكذيبكم للبعث والنشور. وقرأ «سيئت» بوجهين، بل بثلاثة أوجه: بالإشمام في السين مع الضم على ما هو معروف من معنى الإشمام. والإشمام هو تحريك الشفتين بالضم دون النطق بها. وقرأ بذلك نافع، ابن عامر، والكسائي، وأبو جعفر، ورويس. وقرأ الباقون «سيئت» بالياء الخالصة بالكسرة مع الياء الخالصة، وهي قراءتنا - قراءة حفص - «سيئة». وأما من تقدم فبالإشمام. وهكذا قرأ حمزة بالإدغام بالنقل مع الإدغام، فهذه ثلاثة أوجه. وقف حمزة على «سيئ» ثم أدغم، فهذه ثلاثة أوجه في «سيئ». و«تدعون» فيها إحدى قراءتين مشهورتين: بالفتح مع تثقيل الدال «تدعون»، وقراءة - وهي قراءة البقية - بالسكون الدال مع التخفيف، قرأ بها يعقوب. وبالتجديد البقية. والمعنى متقارب. ف«سيئة» الإسوداد والظلمة والخوف فيتناول كل المعاني التي تقدمت - الحسية والمعنوية - وبالظلم يكون معناه ما يؤولون إليه من السوء، ما يؤولون إليه من السوء، فيكون في هذه اللفظة معنيين اثنين: ما يكون عليه حال هؤلاء، وما يؤول إليه هؤلاء، وكله سوء حسي ومعنوي. وهكذا قراءة «تدعون» و«تدعون» تدعون ما تقدم من الدعوة الفاجرة الكاذبة في تكذيبهم بالبعث والنشور، وكذلك بالتخفيف يكون فيها معنى ما كانوا ينادون به ويزعمون من القول بالتكذيب بهذا البعث والنشور، ومعارضة الرسل وما جاءت به. وقوله سبحانه: «قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي» قال: من المؤمنين بعذابه، أي هذا بعض ما كانوا يكذبون به من أمر البعث والنشور. وقرأ «أرأيتم إن أهلكني» بسكون الياء مع المد في لفظ الجلالة، قرأ بهذا حمزة. وقرأ الباقون - وهي قراءتنا قراءة حفص عن عاصم - بتحريك الياء «أهلكني الله». وهكذا كذلك قرئ «ومن معي» بالسكون، وقرئ بالوجه الآخر بالفتح، قرأ بها نافع، بن كثير، وأبو عمر بن عامر، وأبو جعفر، وأخرون. فهؤلاء الذين قرأوا بهذه القراءة تكون فيها نفس المعنى، ولكن الوقف يشعر بالفات الانتباه إلى هذا المعنى، وفيه حال المؤمنين مع هؤلاء الكافرين يوم القيامة، يقتبط المؤمنون بما وفقهم الله إليه، ويكون في رؤيتهم لحال الكافرين محل اتعاض واعتبار وزيادة اغتباط بما أنعم الله عز وجل عليهم، فيقولون هذه المقولة التي فيها رحمة الله عز وجل عليهم. ويكون للكافرين ما يكون من عذاب الله عز وجل وعقابه. وقوله: «قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا فستعلمون» وقرئ «فستعلمون» كما قال: بالتاء والياء، أي فستعلمون بالتاء، وقرئ «فسيعلمون» بالياء، قرأ بالياء الكسائي، وقرأ البقية بالتاء، ومنها قراءتنا - قراءة حفص عن عاصم - والمعنى متقارب. «فسيعلمون» أي من يقدمون على هذا الموقف، و«فستعلمون» خطاب للمشركين المكذبين، وفيه من التوبيخ والتهديد الشيء العظيم. فإن الله عز وجل يختم هذه الآية بهذا الخبر العظيم الذي فيه من التوبيخ والتخويف ما يتعظ به من في قلبه ذرة إدراك، ومن في عقله مسكة عقل «من هو في ضلال مبين» أي كما كنتم تدعون من تكذيبكم بالبعث والنشور وتزعمون أن الرسل وأتباع الرسل على ضلال، سيعلم من هو الضال، بل من هو الذي في ضلال المبين عند البعث والنشور. ثم ختمت الآية بهذا المثل لبيان عظمة الله عز وجل وضعف هذا الإنسان عجزه، بقوله سبحانه: «قل أرأيتم إن أصبح ماءكم غورا» قال: غائرا في الأرض، والمعنى ذاهبا بعيدا لا تستطيعون الوصول إليه، «فمن يأتيكم بماء معين» الجواب: لا أحد إلا الله سبحانه وتعالى. فإذا كان كذلك بهذا الشيء اليسير، فكيف بعظمة الله بهذا الكون العظيم البديع المليء بالعديد من آيات الله عز وجل الكونية، مع ما أنزل من آيات الشرعية التي هي كفيلة للاستجابة لها إن كانت من منصف يعقل وينتفع بما أعطاه الله عز وجل من سمع وبصر وعقل. وما ذكره رحمه الله من أنه يستحب أن يقال عقب «معين» «الله رب العالمين» لا دليل عليها. وما أشار إليه الحديث لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء صحيح المرفوع بذلك. والصواب أن من حيث المعنى صحيح؛ فالله عز وجل وحده هو الذي يملك ذلك، لا يشرك أحد، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا صالح من الصالحين ولا غير ذلك. ولكن لا نتعبد الله عز وجل إلا بما شرع، ولم يشرع لنا أن نقول مثل هذا اللفظ بعد الانتهاء من هذه السورة. ومن ادعى ذلك فعليه بالدليل، ولا دليل على ذلك، فنقف حيث وقف الدليل، ولا نشرع في دين الله عز وجل بالاستحسانات. والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه السلام.