الدرس في القصيدة التائية 4، الدرس الرابع:من( وإن أعطيت فيه طول باع*وقال الناس إنك قد علمتا ... فرأس العلم تقوى الله حقا*وليس بأن يقال لقد رؤستا ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يؤكد الشيخ على أهمية العمل بالعلم، حيث يعتبر العلم وسيلة والعمل غاية، ويحذر من الاكتفاء بالعلم دون العمل به. كما يشير إلى أن عدم العمل بالعلم يحرم صاحبه من الثبات على طريق الخير ويعرضه للعذاب.
يذكر أن العالم الذي لم يعمل بعلمه يعذب قبل المشرك، وأن الهداية للصراط المستقيم تكون بالعمل بالعلم. كما يستشهد بأقوال السلف الصالح في حرصهم على العمل بالعلم.
يُشدد على أن العمل بالعلم هو المقصود والثمرة الحقيقية للعلم، وأن زيادة العلم يجب أن تؤدي إلى زيادة العمل والتقوى. كما يُوضح أن العلم النافع هو الذي يزيد صاحبه خشية لله وتقوى.
الرئاسة الحقيقية ليست بكثرة العلم أو المناصب، وإنما بتقوى الله سبحانه وتعالى، وهذا ما يُعد المعيار الحقيقي للرئاسة وليس مجرد ادعائها أو التحدث عنها.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى: «وَإِنُ عَطِيتَ فِيهِ طُولَ بَاعٍ وَقَالَ النَّاسُ إِنَّكَ قَدْ عَلِمْتَ فَلَا تَأْمَنْ سُؤَالَ اللَّهِ حَقًّا»، وفي نسخة: «فَلَا تَأْمَنْ سُؤَالَ اللَّهِ عَنْهُ بِتَوْبِيخٍ عَلِمْتَ فَهَلْ عَمِلْتَ»، فَرَأْسُ الْعِلْمِ تَقْوَى اللَّهِ حَقًّا وَلَيْسَ بِأَنْ يُقَالَ قَدْ رَأُسْتَ». هذه الأبيات الثلاثة أوردها رحمه الله تعالى، ثم لما سبق في بيان محاسن العلم والمقصود من هذا العلم. فلما ذكر محاسن العلم وثماره وآثاره، ناسب أن ينبه رحمه الله أن الشأن كل الشأن ليس بأن تستكثر من العلم فقط، فتقف عند ذلك، ولكن المقصود من العلم هو الوصول إلى الثمرة. العلم شجرة، والعمل ثمرة، المقصود من هذه الشجرة الوصول إلى الثمرة. العلم وسيلة، والعمل غاية مقصودة من هذه الوسيلة. فإذا لا تقف عند الوسيلة. فما ذكر من محاسن العلم لا تكمل حتى تعمل بهذا العلم، وإلا فتلك المحاسن جميعا تفوتك، ولا تنتفع بها، ولا يحصل لك المقصود منها. ولهذا قال: «وَإِنُ أُعْطِيتَ فِيهِ طُولَ بَاعٍ»، يعني كثرة علم. وهذا بعد قوله: «فَوَاضِبْهُ وَخُذْ بِالْجِدِ فِيهِ»، فإن أعطاكه الله انتفعت. فإن أول خصال الخير تحصيل العلم، ثم بعد تحصيل العلم يكون ماذا؟ العمل بالعلم. وأثر عن الفضيل بن عياض رحمه الله فيما قال إبراهيم بن الأشعث: قال سمعت الفضيل بن عياض رحمه الله يقول: «رهبة العبد من الله على قدر علمه بالله، وزهادته في الدنيا على قدر رغبته في الآخرة». فزهد الدنيا بعمل الآخرة، والخوف من الله والقيام بالعبودية له بالعلم. ثم قال: «من عمل بما علم استغنى عما لا يعلم، ومن عمل بما علم وفقه الله لما لا يعلم». فالشاهد: أول مفتاح الخير العلم، ثم بعد العلم ماذا؟ بعد العلم العمل، لابد من العمل. فإذا لم يكن عمل، كان العلم حج عليك. وقد ذكر لنا ربنا جل وعلا في ذلك أشياء كثيرة، قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾. هذه الجوائز جميعا لمن عمل بالعلم، والعكس بالعكس، إذا لم يعمل بالعلم حصل الضد. «ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم» بدل من الخير يحصل الشر إذا لم يعمل بالعلم، «وأشد تثبيتا» بدل من التثبيت يحصل ماذا؟ يحصل الزعزعة والخروج عن معنى الثبات. وهذا حال الكثير كما ترون، كم من الناس ممن سلك سبيل العلم، ولكن من يثبت من هؤلاء العاملون بالعلم؟ كم مر عليك من الزملاء والأصدقاء والرفقاء في طريق العلم؟ وكم سمعت من أقرانك ومن كان على سنك ممن سار في طريق العلم؟ منهم من كان أكثر حفظا منك، ومنهم من كان أكثر ذكاءا منك، ومنهم من كان أكثر فهما وألحن لسانا وأفصح قولا، ولكن أين هؤلاء؟ الكثير الكثير من هؤلاء انصرفوا ولم يثبتوا. ومن أعظم أسباب ذلك عدم العمل بالعلم، من لم يعمل بالعلم حرم الثبات على طريق الخير. قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة العظيم الذي روي أنه كان أحيانا يغمى عليه إذا أراد أن يحدث به: «أول من تسعر بهم النار ثلاثة»، وذكر منهم: «عالم لم يعمل بعلمه»، حتى قال القائل: «عالم بعلمه لم يعمل، معذب من قبل عباد الوثن». الذي لا يعمل بعلمه يعذب قبل المشرك، المشرك لا يعذب أول ما يعذب، ولكن أول من يعذب هؤلاء الثلاثة، ومنهم العالم الذي لم يعمل بعلمه. وهكذا كذلك ما بعده: «لكان خيرا لهم أشد تثبيت، وأيضا لآتينهم من لدنا أجرا عظيما، ولهديناهم صراطا مستقيما». الجائزة الرابعة تفوته، ما يهدى إلى الصراط المستقيم لماذا؟ لأن الهداية للصراط المستقيم تكون بالعمل بالعلم. إن هذا القرآن يهدي للتي أقوى، ليس لمن حفظه بلسانه ولم يعمل به بجوارحه، لا من حفظه بلسانه ولم يعمل به بجوارحه لم ينتفع به القرآن ولم يهديه. «وإنك لا تهدي إلى صراط مستقيم»، ليس من حفظ السنة ولم يعمل بها، كمن حفظها وعمل بها. ولهذا كان سلفنا يحرصون على العمل بالعلم، ذكر عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله عن شيخه سفيان الثوري أنه كان يقول: «ما بلغني حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وحرصت على العمل به ولو مرة واحدة». وذكر المروذي رحمه الله تعالى عن إمام أحمد رحمه الله أنه قال: «ما بلغني حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا حرصت على العمل به»، حتى بلغني حديث أنه عليه الصلاة والسلام أعطى الحجام دينارا. والدينار كثير، الدينار كم يساوي؟ هو نصف عشر نصاب الزكاة، نصف عشر نصاب الزكاة، نصاب الزكاة كم؟ عشرين دينار يساوي خمسة وثمانين جرام من الذهب، اليوم تقريبا قرابة خمسمائة ألف. عشر الخمسمائة ألف كم؟ خمسين ألف، نصف العشر كم؟ خمسة وعشرين ألف. أجرة حجام، إكرام من النبي عليه الصلاة والسلام أعطى الحجام ما يعادل خمسة وعشرين ألف لأجل حجامة في الرأس، حجم له في رأسه عليه الصلاة والسلام، وعطاه خمسة وعشرين ألف. قلنا أنه ورد في بعض الروايات إعانة له على أن يفك مكاتبته. وحرص الإمام أحمد أن يفعل ذلك، أعطى حجاما وهو فقير رحمه الله دينارا ما يعادل خمسة وعشرين ألف ريال يمني بعملتنا اليوم. هذا ليس لشيء فقط لأجل العمل بالعلم. والإمام البخاري رحمه الله كان يقول: «إن استطعت ألا تحك رأسك إلا بأثر أو بعلم فافعل». لماذا؟ لأن العمل بالعلم سبب لحصول الخير الكثير. وهكذا جاء في تفسير قول الله عز وجل: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾، ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى عن الأصمعي والإسماعيلي أنه ما قال: «إنها مأخوذة من النسبة إلى الرب»، أي الذي يقصد ما أمره الرب بقصده من العلم والعمل. ذكره بمفتاح دار السعادة. يعني الرباني من تفاسيره هو الذي يمتثل ما أمر الله به، وما قصد الله من العلم. ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون. وهكذا عن ابن عباس: «الذي يعلم صغار العلم قبل كباره». هذا من بعض التفسير. وأجمعه هو من قصد بعلمه العلم والعمل، كما أثر عن هؤلاء رحمهم الله. وصح عن مجاهد رحمه الله في تفسير قوله: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾، قال: «بعلم وعمل»، ليس المقصود فقط تحصيل العلم، ولكن المقصود العمل بالعلم. وحديث أبي برزة المشهور العظيم فيما يرويه عن النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن جسده فيما أبلاه، وعن ماله فيما اكتسبه أو أنفقه، وعن علمه ما عمل به». فإنك ستسأل عن العلم، وهو المقصود أي العمل بالعلم. وهكذا كذلك من أسباب بقاء العلم العمل به، حتى العلم لا يبقى إذا لم تعمل به. كان يقول بعض أهل الحديث، ومنهم وكيع رحمه الله: «كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به». كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به، يعملون بالعلم والحديث، فيثبت لهم هذا المحفوظ، يثبت لهم هذا المحفوظ. وأثر عن الشعب رحمه الله عبارات نحو هذه العبارات. فقوله: «وَإِنُ عَطِيتَ فِيهِ طُولَ بَاعٍ وَقَالَ النَّاسُ إِنَّكَ قَدْ عَلِمْتَ»، يعني لا تفرح بهذا، ولا تغتر بقول الناس، لكن احرص على العمل به، فلا تأمن سؤال الله عنه بتوبيخ: «علمت فهل عملت؟». وفي هذا التنبيه إلى ثلاثة مسائل: أولها ما سمعنا من العمل بالعلم، وأنه هو المقصود والثمرة. والثاني أن الوصول إلى الباع في العلم ينبغي أن لا يزيدك فخرا ورياء وكبرا، بل ينبغي أن يزيدك تواضعا وخضوعا ورفقا، وذلك من العمل بالعلم. والثالث أن الإنسان ينبغي عليه أن لا يأمن من مكر الله، فإن زيادة العلم موجب لزيادة العمل. ولهذا كان العلماء الربانيون هم الخاشعون لله عز وجل الذين يعلمون حق الله. حق العلم إنما يخشى الله من عباده العلماء، العلم الذي لا يزيد صاحبه خشية ليس بعلم. لا بد أن يتربى في المتعلم شيئان متوازيان: علم وعمل، ينمو فيك العلم وينمو معه ماذا؟ وينمو معه العمل. لا تزداد علما إلا وتزداد مع هذا العلم ماذا؟ تزداد مع هذا العلم عملا، تزداد مع هذا العلم عملا بجميع أبواب العمل. تحرص إن كنت ممن يحرص على النوافل، وزادك الله علما، فاعلم أن زيادة العلم يطلب منك زيادة نوافل. إن كنت ممن يتنفل بنافلة صوم أو صلاة أو صدقة، فاعلم أن زيادة العلم يتطلب منك زيادة بنافلة الصلاة والصدقة والصوم. إن كنت ممن يصل الأرحام، فاعلم أن زيادة العلم استوجب عليك زيادة في صلة الأرحام، وهكذا. لا يزداد العلم فيك إلا ويقتضي زيادة عمل منك كذلك. وهذا هو حقيقة معنى العلم. ولهذا كان الربانيون ربانيون باستحضارهم ما أراد الرب جل وعلا من هذا العلم، فهم أخشى الناس وأتقى الناس. ولهذا قال ثالثا: «فرأس العلم تقوى الله حقا، وليس بأن يقال لقد رأستاه». فحقيقة العلم هو تقوى الله. وهذه ثمرت زيادة العلم. «إن أكرمكم عند الله أتقاكم»، الكرامة ليس بارتفاع معاني دنيوية، ولكن الكرامة تكون بارتفاع علم وعمل، علم ينمو معه عمل، ينمو علم وينمو مع هذا العلم عمل، وهذا هو تقوى الله. أن تجعل بينك وبين الله وقاية، كيف تكون هذه الوقاية؟ تكون أولا بعلم تميز بين الصواب من الخطأ والنافع من الضار والهدى من الضلال والطيب من الخبيث، تجعل به وقاية بينك وبين الله. وبعد هذا العلم ماذا؟ ماذا يكون؟ عمل، عمل تستطيع به أن ترتقي وتصل إلى رضى الرب وتجعل بينك وبين غضبه وسخطه وقاية. وهذا هو التقوى يكمن بشيئين اثنين: علم نافع وعمل صالح، وبه تكون الإمامة والرئاسة في الدنيا وفي الآخرة. «وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون». ولهذا قال: «وليس بأن يقال لقد رأست»، ليست الرئاسة بكثرة العلم ولا بلوغ المناصب، ولكن الأمر بتقوى الله سبحانه وتعالى. نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم.