الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 38

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 38

الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 38، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تفسير الآية الكريمة ومن يبتغ غير الإسلام دينا

يناقش الشيخ ابن تيمية تفسيرًا خاطئًا للآية الكريمة ومن يبتغ غير الإسلام دينا، ويبين أن هذا التفسير يعتبر كذبًا على الله ورسوله. يُظهر الشيخ أيضًا أن سياق الآية في سورة آل عمران يدل على أنها موجهة لأهل الكتاب ومناظرة النصارى.

الميثاق على الأنبياء لنصرة النبي محمد وتفسير الآيات ذات الصلة

يتناول المقطع تفسير الآيات القرآنية التي تشير إلى الميثاق الذي أخذه الله على الأنبياء لنصرة النبي محمد، ويشرح معنى اللام في اللغة العربية ودلالتها في الآيات. يستشهد بآيات قرآنية أخرى لتوضيح المعنى المقصود.

الرد على شبهات حول تفسير الآية ودلالتها على العموم

أورد المؤلف هذا الفصل للرد على شبهة النصارى بأن آية عدم قبول غير الإسلام نزلت للعرب خاصة، وبين أوجه فساد هذا التفسير. كما بين أن "من" الشرطية من صيغ العموم وأن زعم عدم دلالتها على العموم يتنافى مع الشرع واللغة والعرف.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى: فصل: وأما تفسيرهم لقوله تعالى: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾ بأن مراده قوله كما قالوا. وأما قوله تعالى: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾ يريد بحسب مقتضى العدل قومه الذين آتاهم بلغتهم لا غيرهم ممن لم يأتهم بما جاءوا فيه. فيقال لهم: من فسر مراد متكلم -أي متكلم كان- بما يعلم الناس أنه خلاف مراده، فهو كاذب مفتر عليه، وإن كان المتكلم من أحاد العامة، ولو كان المتكلم من المتنبئين الكذابين، فإنه من عرف كذبه إذا تكلم بكلام، وعرف مراده، بل لم يجز أن يكذب عليه، لم يجز أن يكذب عليه، فيقال: أراد كذا وكذا. فإن الكذب حرام قبيح من كل أحد، سواء كان صادقًا أو كاذبًا. فكيف بمن يفسر مراد الله ورسوله بما يعلم أن كل من خبر حاله أو خبر حاله علمًا ضروريًا: إنه لم يرد ذلك، بل يعلم علمًا ضروريًا أنه أراد العموم؟ فإن قوله تعالى: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا﴾ صيغة عامة، وصيغة "من" الشرطية من أبلغ صيغ العموم، كقوله تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾. ثم إن سياق الكلام يدل على أنه أراد أهل الكتاب وغيرهم، فإن هذا في سورة آل عمران، في أثناء مخاطبته لأهل الكتاب ومناظرته للنصارى، فإنها نزلت لما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نجران النصارى، وروي أنهم كانوا ستين راكبًا، وفيهم السيد والأهيم والعاقب، وقصتهم مشهورة معروفة كما تقدم ذكرها. وقد قال قبل هذا الكلام: بذم دين النصارى الذين اقتدعوه وغيروا به دين المسيح، ولبسوا الحق الذي بعث به المسيح بالباطل الذي ابتدعوه، حتى صار دينهم مركبًا من حق وباطل، واختلط أحدهما بالآخر، فلا يكاد يوجد معه من يعرف ما نسخه المسيح من شريعة التوراة مما أقره. والمسيح قرر أكثر مما شرع من شرع التوراة، وغير المعنى، وعامة النصارى لا يميزون مما قرره مما غيره، فلا يعرف دين المسيح. قال تعالى: ﴿ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكمة والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أي أمركم بالكفر بعد أنتم مسلمون﴾. فقد بيّن أن من اتخذ الملائكة والنبيين أربابًا فهو كافر، فمن اتخذ من دونهم أربابًا كان أولى بالكفر. وقد ذكر أن النصارى اتخذوا من دونهم أربابًا بقوله تعالى: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون﴾. ثم قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أقررتم وأخذتم على ذلك إسري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين﴾. قال ابن عباس وغيره من السلف: ما بعث الله نبيًا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه. ولا يدل على ما قالوا، فإن قوله تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين﴾ يتناول جميع النبيين. ﴿لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه﴾. وهذه اللام الأولى تسمى لام الموطأ للقسم، واللام الثانية تسمى لام جواب القسم. والكلام إذا اجتمع فيه شرط وقسم وقدم القسم، سد جواب القسم مسد جواب الشرط والقسم، كقوله تعالى: ﴿لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون﴾. ومنه قوله تعالى: ﴿ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين﴾. وقوله: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها﴾. وقوله: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسم﴾. وقوله: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم﴾. ومنه قوله: ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله﴾. وقوله: ﴿ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب﴾. وقوله: ﴿لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين﴾. وقوله: ﴿ولئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجارونك فيها إلا قليلا﴾. وقوله: ﴿ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا﴾. وقوله: ﴿وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم﴾. وقوله: ﴿ولئن لم يفعلوا ما آمرهم به ليسجنن وليكونن من الصاغرين﴾. وقوله: ﴿ولئن جاءهم آية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون﴾. وقوله: ﴿ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم﴾. وقوله: ﴿ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه﴾. ومثل هذا كثير. وحيث لم يذكر القسم، فهو محذوف مراد، تقدير الكلام: والله لئن... لئن يخرجون معهم، والله لئن قوتلوا لا ينصرنهم. ومن محاسن لغة العرب أنها تحدث من الكلام ما يدل المذكور عليه اختصارًا وإيجازًا، لا سيما فيما يكثر استعماله، كالقصر. وقوله: ﴿لما آتيتكم من كتاب وحكمة﴾ هي "ما" الشرطية، والتقدير: أي شيء أعطيتكم من كتاب وحكمة، ثم جاءكم رسول مصدق بما معكم لتؤمنن به ولا تنصرنه، ولا تكتفوا بما عندكم عما جاء به، ولا يحملنكم ما آتاكم من كتاب وحكمة على أن تتركوا ما آتيتم به، نعم من كتاب وحكمة على أن تتركوا متابعته، بل عليكم أن تؤمنوا به وتنصروه، وإن كان معكم من قبله من كتاب وحكمة، فلا يغنيكم ما آتيتم عما جاءكم به، فإن ذلك لا ينجيكم من عذاب الله. فدل ذلك على أنه من أدرك محمدًا من الأنبياء وأتباعهم، وإن كان معه كتاب وحكمة، فعليه أن يؤمن بمحمد وينصره، كما قال: ﴿لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه﴾. وقد أقر الأنبياء بهذا الميثاق، وشهد الله عليهم به، كما قال تعالى: ﴿أأقررتم وأخذتم على ذلك إسري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين﴾. ثم قال تعالى: ﴿فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون﴾. ثم قال: ﴿أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعًا وكرها وإليه يرجعون﴾. ثم قال تعالى: ﴿قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون﴾. ثم قال تعالى: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾. أسأل: أورد المؤلف، رحمه الله تعالى، هذا الفصل للرد على شبهة النصارى بأن هذه الآية: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾ أنها نزلت للعرب خاصة، وهذا كذب وليس بصحيح. وبين رحمه الله تعالى أوجه فساد هذا التفسير من أوجه كثيرة. أولها ما أشار إليه رحمه الله بأن مراد المتكلم يفهم لمن كان أعلم بلغته ومن كان به أعرف، وليس أحد ممن عرف القرآن ولغة القرآن يوافقهم على هذه الدعوى. زيادة على ذلك ما أشار إليه رحمه الله تعالى من أن العلم الضروري الذي لا يقع النظر فيه واستدلال يثبت معنى العموم في الآية، فإن "من" الشرطية من أعظم صيغ العموم، كما هو متقرر عند العامة والخاصة من أهل العلم. فزعمهم أنها لا تدل على العموم في الحقيقة منافي ليس فقط للشرع، بل حتى للغة والعرف والفطرة الصحيحة. ثم ذكر بعد ذلك ما ذكر مبينًا ومؤكدًا هذا المعنى، وهو ظاهر كما ترون. وبعض الأحاديث التي ذكرها سبقت الإشارة إليها في أبواب وفصول متقدمة.