الدرس في كتاب الإمارة 25، باب كراهة الطروق وهو الدخول ليلاً لمن ورد من سفر . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الطروق لما فيه من سوء الظن والتخوين، وأمر بآداب الدخول ليلًا بعد السفر. يُستحب إخبار الأهل بمجيء المسافر لتلافي المفاجأة والتخوين.
يناقش المقطع آداب الدخول ليلًا ويحذر من سوء الظن والتخوين، ويشير إلى جواز الدخول ليلًا إذا أخبر الأهل بمجيئه. يُفضل إعلام الأهل بقدوم المسافر لتجنب سوء الظن.
يُناقش المقطع أهمية الرفق بالزوج والأهل، واستحباب تزين المرأة لزوجها وإعانة الزوج لأهله. يُستحب إعانة المتزوج حديثًا وتفقد الأمير لأحوال رعيته.
المقطع ينهي الحديث بذكر الخلاصة ويعبر عن أن الله تعالى أعلم بكل شيء. يُجمل ما سبق من أحكام وآداب.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. اشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: باب كراهة الطروق، وهو الدخول ليلًا لمن ورد من سفر. قال حديث أنس -رضي الله عنه-: «كان النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يطرق أهله، كان لا يدخل إلا غدوة أو عشية». قال: أخرجه البخاري بكتاب العمرة، باب الدخول بالعشي. قال حديث جابر بن عبد الله: «قفلنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- من غزوة، فلما ذهبنا لندخل، قال: أمهلوا حتى تدخلوا ليلًا -أي عشاء- لكي تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة». أخرجه البخاري بكتاب النكاح، باب تزويج الثيبات. أورد المؤلف -رحمه الله- هذا الباب وختم به كتاب الإمارة، فقال: باب كراهة الطروق، وهو الدخول ليلًا لمن ورد من سفر. وسمي دخول الداخل ليلًا طروقًا؛ لأنه غالبًا يحتاج أن يطرق الباب، وربما أكثر من طرق الباب؛ لأنه يأتي والناس نيام، فلهذا يسمى غالبًا لمن يأتي ليلًا طارقًا. وقوله: «وهو الدخول ليلًا لمن ورد من سفر» يعني ما يتعلق بهذا الحكم مما هو من الآداب التي يتأدب بها المسافر عمومًا، والمسافر للغزو والجهاد ولمهام الإمارة خصوصًا؛ فإنه يدخل في هذا العموم. ثم أورد حديث أنس، وقد أخرجه في الباب المشار إليه الإمام البخاري، فقال -رحمه الله-: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا همام، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس، فذكر الحديث بلفظه. ثم أورد حديث جابر بن عبد الله، وقد أورده البخاري -رحمه الله- في الباب المشار إليه، فقال: حدثنا أبو النعمان، قال: حدثنا هشيم، قال: حدثنا سيار، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله. وفي أوله قال: «قفلنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- من غزوة، فتعجلت على بعير لي قطوف، فلحقني راكب من خلفي، فنخس بعيري بعنزة -قال: كانت معه- فانطلق بعيري كأجود ما أنت راء من الإبل، فإذا النبي -صلى الله عليه وسلم- يعني الذي فعل ذلك»، فقال: «وما يعجلك؟ لماذا أنت مستعجل؟» قال: قلت: كنت حديث عهد بعرس -يعني أنا تزوجت قريبًا- ومع ذلك لم يمنعوا هذا من الخروج إلى الجهاد، قال: «أبكرًا أم ثيبًا؟» قال: قلت: ثيبًا، قال: «فهل جارية -يعني بكرًا- تلاعبها وتلاعبك؟» قال: فلما ذهبنا لندخل، قال: «أمهلوا حتى تدخلوا ليلًا -أي عشاء- كي تمتشط الشعثة» فذكر الحديث. فعلم أن المؤلف -رحمه الله- ذكره هنا مختصرًا؛ وذلك لأن الإمام مسلم -رحمه الله- ذكره مختصرًا، وإلا فهذه الزيادة في الموضع المشار إليه عند الإمام البخاري. فهذان الحديثان فيهما ما يوافق الترجمة؛ نهي النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يطرق الرجل أهله ليلًا، وذلك ما جاء في حديث أنس. وهذا النهي جاء كما تفسره الروايات الأخرى لمعنيين: المعنى الأول: أن لا يرد عليهم على وجه التخوين وسوء الظن بهم؛ يعني يتحرى أن يدخل ليلًا لأجل أن يتأكد: هل أهله على خير أم على غير ذلك؟ فقد جاء في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله، وهو من أفراد مسلم: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى أن يطرق الرجل أهله ليلًا يتخونهم»؛ «نهى أن يطرق الرجل أهله ليلًا يتخونهم»؛ يعني: يسيء بهم الظن، ويتأكد: هل هم من أهل الخيانة أم لا؟ أي: هل يجد عندهم أحدًا غيره أم يجدهم على ما هم عليه؟ فهذا لا يجوز؛ لأنه من سوء الظن الذي قد نهينا عنه، وهو في مثل هذا الموضع حرام؛ فالأصل في المسلم السلامة، فكيف بأقرب الناس إليك من عرفتها وعرفت مدخلها ومخرجها؟ والذي يجب عليك حسن الظن، وهكذا كذلك قد يبتل الإنسان بسوء ظنه بما قد يكون من أوهام، فيقع في الشر؛ قد يقع في الشر؛ قد يقتل أحد قريبًا امرأته يظنه رجلًا غريبًا، وهذا وقع كثير؛ يرى رجلًا في البيت يظنه رجلًا أجنبيًا، يتعجل بسبب سوء الظن، وهذا التخوين المحرم. وكذلك من معاني النهي: أن يكون دخوله عليهم فيه ترويع لهم وإشقاق عليهم؛ فلأجل هذا نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يطرق الرجل أهله ليلًا؛ فإنه فيه حتى مضر على نفسه؛ ربما يأتي طول الليل يطرق الباب ولا أحد يفتح له؛ يطرق يطرق يطرق ولا أحد يفتح، فيسبب خصومة وشجار وأشياء هو في غنى عنها. ولذلك يحرص على أن يكون دخوله غدوة -يعني في أول الصباح- أو عشية -يعني في آخر النهار- إما في أول النهار أو في آخر النهار، وهذا كان هدي النبي -صلى الله عليه وسلم-. وأما الحديث الثاني: ففيه جواز الدخول ليلًا، وحمله العلماء: إذا علم أهله بمجيئه أو قرب موعد مجيئه، فعلم أنهم يتحينون مجيئه، أو إذا أخبرهم؛ واليوم وسائل الإخبار كثيرة؛ يمكن أن يتصل عليهم ويعطيهم الخبر أنه سيصل -إن شاء الله- الساعة كذا وكذا. وبهذا تجتمع الأدلة في هذا الباب؛ فالحديث الأول فيه النهي، ويحمل النهي على أحد المعنيين السابقين، والحديث الثاني فيه الجواز، لكن أن يكون دخوله بشيء من الإخبار لأهل البيت؛ حتى يستعدوا لمجيئه؛ لو لم يكن إلا أن يفتح له الباب لكان هذا كافيًا في هذه السنة. فكيف وقد قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «كي تمتشط الشعثة»؛ يعني تتزين المرأة لزوجها؛ رجل غائب من سفر فترة طويلة، يأتي إلى امرأته فيجدها متهيئة له، وهكذا «تستحد المغيبة»؛ ومعنى تستحد: يعني تحلق شعر العانة، والمغيبة: أي التي غاب عنها زوجها؛ لأن الغالب أن المرأة تهمل نفسها إذا غاب عنها زوجها. ولأجل هذا أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يمهلوا في الدخول. وفي الحديث مسائل أخرى من أهم هذه المسائل: فيه -أي الحديث الأول- هذا الأدب من الآداب في هذا الباب من عدم تخوين الرجل أهله بتحيين دخوله ليلًا، وهو كذلك يتضمن النهي عن التخوين عمومًا؛ نهي عن التخوين عمومًا؛ فلا يجوز للمسلم أن يسيء الظن بأهله، بل يحسن الظن بهم. وأما إذا وجد فيهم معاني الريبة؛ فعليه أن يفرض رجولته؛ أن يفرض رجولته بأن يضبط أهله؛ فيقطع أسباب الريبة؛ فإن انقطعت، وإن لا؛ فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. وأما أن يتركها مع وجود أسباب الريبة؛ فهذا لا يجوز؛ فما يفعله بعض الناس من التساهل في الاختلاط ودخول الرجال الأجانب بحجة أنهم أقرباء المرأة أو أقرباء أهلها أو حتى أقرباءه هو؛ فهذا شر من أعظم أسباب دخول الريبة وحصول التخوين وغير ذلك. وهو يقضي كذلك أن المسلم يجتنب هذه الأسباب، وكل الآداب التي جاءت في هذا الباب فيها مصالح للناس؛ حتى تحصل معاني الحياة السعيدة بعيدة عن الخيانة وبعيدة عن الشك. وأما إذا صارت هناك خلطة محرمة، وكذلك عدم حجاب؛ فإنه يحصل بهذا الشر. وهكذا كذلك يتضمن الحديث الأول معنى آخر؛ وهو أن يحرص في هذا الباب على أن لا يأتي أهله بما يشق عليهم ويفاجئهم، وهو كذلك في سائر حياته؛ يعني إذا كان هذا في وقت الليل؛ فهو كذلك في سائر الأوقات الأخرى؛ يحرص على أن يكون رفيقًا بأهله؛ حتى في دخولك وخروجك. من الأدب أنك تكون رفيق في معاملتك مع أهلك؛ فأنت ينبغي أن تتخلق بخلق الإسلام، ومع أهلك أكثر وأكثر؛ «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»؛ كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام-. فمن ذلك: أنك إذا دخلت حتى الحجرة -غرفة نومك- تدخل برفق؛ خصوصًا إذا علمت أنهم نيام، وتخرج برفق؛ لا تؤذيهم. وقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «كان إذا دخل بيته يسلم؛ تسليم من يسمعه المستيقظ ولا يوقظ النائم»؛ وهذا ماذا يسمى؟ رفق؛ رفق منه -عليه الصلاة والسلام- بأهل بيته؛ لا يدع السلام، وفي نفس الوقت سلام لا يؤذي ولا يشق على أحد. فمن كان هذا وصفه؛ كيف يكون إغلاقه للباب؟ هل مثل ما يفعل يوم بعض الناس؟ أول ما يصل يطرق الباب بكل قوته؛ حتى ربما إذا كان في البيت عشرة قاموا العشرة كلهم؛ ينظرون: إيش الذي حصل؟ وهكذا أول ما يدخل ربما يصرخ: يا ولد، يا بنت، يا فلانة، ويربك من في البيت؛ ليس هذا من الرفق ولا من الأدب؛ بل ينبغي أن تعامل الناس بما تحب أن تعامل به؛ «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»؛ ترفق بالناس وترفق بنفسك كذلك. والحديث الثاني فيه مسائل أخرى غير ما ذكر، ومن تلك المسائل: فيه استحباب تزين المرأة لزوجها؛ خصوصًا إذا كان قد جاء من مكان بعيد أو سفر؛ فإن ذلك من حسن عشرتها معه، ومما أمرها به هذا الدين؛ ويختلف بحسب عرف الناس في ذلك. وفيه من المسائل كذلك: ما ينبغي أن يحرص عليه الزوج من الرفق بأهله ومن يعانتهم على الخير فيما هو في هذا الأدب، وفي غيره من الآداب من باب أولى. وفيه من المسائل: استحباب زواج الرجل بالبكر؛ ما لم يكن في زواجه من الثيب مصلحة؛ كأن لا يستطيع زواج البكر، أو كان كجابر -رضي الله عنه- عنده أخوات يحتاج امرأة عاقلة كبيرة تقوم بتربيتهم، أو غير ذلك من المصالح. وفيه كذلك جواز الزواج بالثيب على هذا الوصف. وفيه كذلك من المسائل: تفقد الأمير لأحوال رعيته؛ فإن هذا من الحقوق، ونبينا -عليه الصلاة والسلام- هو خير أسوة للأمراء والرعاء في هذا الباب؛ فإنه -عليه الصلاة والسلام- كان يتفقد أحوال رعيته. وجاء في الروايات الأخرى: «أن جابر بن عبد الله كان قد تأخر بسبب تأخر بعيره، فنخسه النبي -صلى الله عليه وسلم- بعنزته؛ فأسرع البعير». وفيه من المسائل: دليل من دلائل نبوة وصدق رسالة -عليه الصلاة والسلام-؛ إذ كان في نخصته شفاء هذا البعير وذهاب عيه؛ وقد ذكر في دلائل النبوة. وفيه من المسائل كذلك: ما كان عليه النبي -عليه الصلاة والسلام- من إعانة أصحابه؛ سواء الإعانة المالية أو الإعانة الحسية أو المعنوية؛ وهكذا ينبغي أن يكون المسلم مع إخوانه؛ فالمسلم للمسلم كالبنيان. ففي هذا الحديث جاء في بعض الروايات: «أنه اشترى منه البعير، فلما وصل إلى المدينة واشترط جابر حملانه إلى المدينة؛ فلما وصل إلى المدينة أراد جابر أن يسلم للنبي -صلى الله عليه وسلم- البعير؛ فرد له النبي -صلى الله عليه وسلم- البعير والمال؛ إعانة منه لجابر؛ هو حديث عهد بزواج». وفيه استحباب إعانة المتزوج حديثًا؛ فالمسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضًا؛ «ولا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»؛ فمن علم من إخوانه من هو حديث عهد بزواج، وعلم أنه يحتاج إلى إعانة؛ فليعنه بما يستطيع من إعانة؛ ولا تستقل الصدقة؛ حتى ولو بشق تمرة. وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «اتقوا النار ولو بشق تمرة»؛ فالقليل مع غيرك يكون كثيرًا؛ لو لم يكن إلا أن تقف معه ويشعر أخوك أنك تستشعر لقضيته؛ لكان هذا من أحسن ما يكون من تناصر وموالاة الأخوة بعضهم لبعض. وهكذا كذلك فيه من المسائل: حتى النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه على هذا الأدب فيما يتعلق بأمور بيوتهم، وهو يدل كذلك على مشروعية التناصح في مثل هذا الباب؛ خصوصًا إذا احتيج إليه؛ فليس هو من التدخل في الخصوصيات؛ بل لا يستغني أحد عن مثل هذه النصيحة. فلذلك إذا رأيت أحدًا خالف هذه السنة؛ ليس من العيب أن تقول: هل أخبرت أهلك؟ أعطيته بخبر أنك ستأتي هذه الليلة؟ إذا قال: لا؛ فقل له: ليس من السنة أن تدخل عليهم ليلًا؛ فتعينه على ذلك بأن تبيته عندك أو تتأخر حتى يدخل نهارًا؛ فهي سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-. هذا خلاصة ما يذكر في هذا الحديث، وبه نكتفي، والله تعالى أعلم.