طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 89

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 89

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 89، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

حكمة الله في خلق الأضداد وأعدائه

يشرح الشيخ حكمة الله في خلق الأضداد وأعداء الله، وكيف أن ذلك يكمّل نعمة الله على أوليائه ورسله. العبودية الحقة تتطلب محبة صادقة وبذل النفس في مرضاة الله.

تمييز أهل الحق وأهل الباطل وامتحانهم

يتم التمييز بين أهل الحق وأهل الباطل، ويتحقق اليقين في قلوب الناس، ويتم امتحان أهل الحق، وتتم نعمة الله على أوليائه ورسله من خلال خلق الشر وأهله.

موقف أهل السنة والجماعة من القدر وبيان اعتدالهم

أهل السنة والجماعة يتوسطون بين طرفي الإفراط والتفريط في مسألة القدر مستندين إلى الكتاب والسنة والفطرة والعقل، بينما ينتقد فرقتي القدرية النفاة والجبرية لخروجهما عن العدل.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: «والمقصود بالقصد الأول إتمام نعمته تعالى على أوليائه ورسله وخاصته، فاستعمال أعدائه فيما تكمل به النعمة على أوليائه غاية الحكمة. وكان في تمكين أهل الكبر والبغي والعصيان من ذلك إيصال أوليائه إلى الكمال الذي يحصر لهم بمعادات هؤلاء وجهادهم والإنكار عليهم والموالاة فيه والمعادات فيه وبذل نفوسهم وأموالهم وأوقاتهم له. فإن تمام العبودية لا يحصل إلا بالمحبة الصادقة، وإنما تكون المحبة صادقة إذا بذل فيها المحب ما يملكه من مال ورئاسة وقوة في مرضات محبوبه والتقرب إليه. فإن بذل له روحه كان هذا أعلى درجات المحبة. ومن المعلوم أن من لوازم ذلك التي لا يحصل إلا بها أن يخلق ذوات وأسباب وأعمال وأخلاق وطبائع تقتضي معادات من يحبه ويؤثر مرضاته لها. وعند ذلك تتحقق المحبة الصادقة من غيرها. فكل أحد يحب الإحسان والراحة والدعة واللذة، ويحب من يوصل إليه ذلك ويحصله له. ولكن الشأن في أمر وراء هذا، وهو محبة سبحانه ومحبة ما يحبه مما هو أكره شيء إلى النفوس وأشق شيء عليها مما لا يلائمها. فعند حصول أسباب ذلك يتبين من يحب الله لذاته ويحب ما يحب ممن يحب لأجل مخلوقاته فقط من المأكل والمشرب والمنكح والرئاسة. فإن أعطي منها رضي، وإن منعها سخط وعتب على ربه، وربما شكاه وربما ترك عبادته. وهذا من حكمة الله عز وجل بخلق الشر وأهله. أن الله عز وجل خلق...». قال رحمه الله: «والرب تعالى محبوب على ذلك أيضًا، كما هو محبوب على إنعامه وإحسانه على الأهل والإحسان والإنعام القابلين له. فما كل أحد قابل لنعمته تعالى فحمده. وحكمته تقتضي أن لا يودع نعمه وإحسانه وكنوزه في محل غير قابل لها. ولا يبقى إلا أن يقال: فما الحكمة في خلق هذه الأرواح التي هي غير قابلة لنعمته؟ فقد تقدم من الجواب عن ذلك ما فيه كفاية. وأن خلق الأضداد والمتقابلات وترتيب آثارها عليها هو موجب ربوبيته وحكمته وعلمه وعزته. وأن تقدير عدم ذلك هضم من جانب الربوبية. وأيضًا فإن هذه الحوادث نعمة في حق المؤمن. فإن إذا وقعت فهو مأمور أن ينكرها بقلبه ويده ولسانه أو بقلبه ولسانه فقط أو بقلبه فقط. ومأمور أن يجاهد أربابها بحسب الإمكان. فيترتب له على الإنكار والجهاد من مصالح قلبه ونفسه وبدنه ومصالح دينه وآخرته ما لم يكن ينال بدون ذلك. المقصود بالقصد الأول...» خلاصة هذا أن المؤلف رحمه الله يعدد عددًا من الحكم والأسرار في خلق الله عز وجل للشر وأهله. وأن من هذه الحكم التمييز بين أهل الحق وأهل الباطل. وهذا التمييز يكون أو لا يكون إلا بوجود الأضداد. فكما أننا لا نعرف فضل الماء البارد إلا إذا وجدنا الحار، ولا نعرف نعمة الشبع إلا إذا ذقنا الجوع، ولا نعرف نعمة الصحة إلا إذا عرفنا المرض، وهكذا. كذلك لا نعرف نعمة الإيمان إلا إذا عرفنا الكفر، ولا الطاعة والتقوى إلا إذا عرفنا المعصية والفجور. وهذا من حكمة الله عز وجل. فالمعلومات إذا لم تتحقق وجودًا لم يصل اليقين إلى قلب الإنسان. والإنسان بطبعه لا يتحقق بقلبه اليقين بمجرد الأخبار. وأنتم ترون على سبيل المثال الحصر: إذا حدث إنسان بخطر ما لا يقع بقلبه من الحذر والحيطة بقدر ما إذا رآه بعينه. وأعظم من ذلك إذا أصابه بنفسه، فإنه يكون عنده من أخذ الحيطة والحذر ما هو أعظم مما إذا أخبر به في كتاب أو حدث به بلسان. وهكذا فيما يتعلق بكل ما في هذه الدنيا كونًا وقدرًا وشرعًا. كذلك فهذا من حكمة الله. ومن حكم الله عز وجل كذلك -كما تقدم معنا- أن التمييز بين هذه الأضداد فيها بيان معاني ربوبية الله عز وجل. فإن آثار هذه الأضداد تدل على كمال الله عز وجل في ربوبيته، وهو الخالق لكل شيء. وأنه لا أحد يشاركه في خلقه سبحانه. ليس هناك خالق للشر وخالق للخير، بل خالق الخير والشر والله وحده لا شريك له. وشواهد ذلك كثيرة. ويزداد ذلك تعظيمًا وإجلالًا إذا علمنا أن الله خلق هذا لحكم والآخر لحكم، وهكذا. وتقدم معنا أنه يحصل به كذلك امتحان أهل الحق بأهل الباطل. ويكون فيه ما ينبغي أن يؤديه صاحب الحق -كما ذكر- بإنكاره بقلبه ويده ولسانه أو بحسب استطاعته من الجهاد الشرعي الذي أمره الله عز وجل به. وهذا يكون له فيه خير في الدنيا وكذا في الآخرة. وهكذا كذلك من الحكم ما أشار إليه في قوله: «والمقصود بالقصد الأول إتمام نعمته تعالى على أوليائه ورسله إلى آخره». أنه كذلك يحصل معنا آخر من معاني محبة الله عز وجل لأوليائه بأن يمتحنهم في تقريبهم إليه بمثل هذا الامتحان والابتلاء. الامتحان والابتلاء بوجود هذا الشر وأهله. كما قال رحمه الله: «فلا تتحقق معاني الصدق بقدر ما يكون من التضحية. فلذلك يتميز أهل الصدق من أهل الكذب. فإن من الناس من لا يعرف الإيمان إلا في الرخاء. فإذا كانت الشدة فإنه سرعان ما يرجع القهقرى». وكما قال الله عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾. فالمقصود أن الامتحان بالخير والشر وبالصبر والثبات لا يكون إلا بوجود الخير وبوجود الشر وبوجود كذلك الابتلاء بالشر وأهله. ولذلك شرع الله عز وجل الجهاد بالسيف والسنان كما شرعه بالحجة والبرهان. وأكمل الناس إيمانًا أكملهم بذلًا -كما ذكر رحمه الله- حتى إن الإنسان يبذل روحه ذات الله تمامًا في حبه لله وبذله لدين الله عز وجل. وهذا هو ما ذكره رحمه الله. وأنه من حكم الله عز وجل في خلق الخير والشر. قال رحمه الله: «فلولا خلق الأضداد وتصليط أعدائه وامتحان أوليائه بهم لم يستخرج خالص العبودية من عبيده الذين هم عبيده. ولم يحصل لهم عبودية الموالاة فيه والمعاداة فيه والحب فيه والبغض فيه والعطاء له والمنع له. ولا عبودية بذل الأرواح والأموال والأولاد والقوى في جهاد أعدائه ونصرته. ولا عبودية مفارقة الناس -يعني من الهجرة ونحوها- أحوج ما يكون إليهم عبده لأجله وفي مرضاته. فلا يتحيز إليهم ويرى محابته نفسه وملاذها بأيديهم. فيرضى ممن فارقتهم ومشاقتهم وإيثار موالاة الحق عليهم. فلولا الأضداد والأسباب التي توجب ذلك لم تحصل هذه الآثار. والمراد بالأضداد الخير والشر وأهل الإيمان والكفر ونحو ذلك». وكما ذكر رحمه الله: «وهذا كلامه لو تأمل وتدبر وطُبق على واقع حال الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم لوجد في تاريخهم وحياتهم وسيرتهم ومواقفهم الشيء الكثير مما هو براهين ذلك. فلم يعرف الناس فضل الأنبياء والرسل وعظيم قدرهم ومنازلهم إلا بعظيم صبرهم وثباتهم وما حصل لهم من الامتحان والابتلاء مع أهل الباطل. وكيف تعدوا كل الامتحانات والعقبات حتى جاء نصر الله. وهكذا أتباع الرسل عليهم الصلاة والسلام يتفاوتون في الفضل بتفاوت صبرهم وثباتهم أمام الامتحان والابتلاء بمن بالشر وأهله من أهل الكفر والشرك والنفاق والفجور. ولو تأملت حتى أفراد أتباع النبي صلى الله عليه وسلم فردًا فردًا ابتداءً بأبي بكر أفضل الناس ثم من بعده من الخلفاء الأربعة فالعشرة فصالحي الصحابة رجالًا ونساء ومن بعدهم لوجدت أن فضلهم بقدر فضل ثباتهم وصبرهم. وكذلك ما كان منهم مع أهل الشر ومع كذلك هذه الأضداد التي أشار إليها. فهذا بعض الحكم التي أراد أن يوصل إليها. وبه يعلم ما عليه أهل السنة والجماعة في باب القدر وما هم عليه من العدل الذي دلت عليه دلالة الكتاب والسنة وتقره كذلك الفطر السليمة والعقول الصحيحة. وظلال من ضل في هذا الباب من القدرية النفاة والجبرية. وأنهم خالفوا الشرع والعقل والفطرة.