كتاب الطهارة 36

كتاب الطهارة 36

الدرس في كتاب الطهارة 36، الدرس السادس والثلاثون:من( ما يؤخذ من الحديث ...بمعرفة الميت بأحوال أهله وأصحابه في الدنيا وسروره بالسار منها وحزنه للقبيح ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

عذاب القبر وأسبابه

يتناول هذا الفصل شرح حديث يتعلق بعذاب القبر وأسبابه، حيث يؤكد على إثبات عذاب القبر بموجب أدلة الكتاب والسنة. كما يوضح كيفية التعامل الشرعي مع النجاسات والاستبراء منها.

أحكام التعامل مع النجاسات وانتفاع الميت بعمل الحي

يناقش هذا الفصل أحكام الصلاة في حالة وجود سلس أو شك في نزول النجاسة، كما يتناول مسألة انتفاع الميت بعمل الحي، حيث يختلف العلماء في هذه المسألة بناءً على الأدلة الشرعية.

حكم هبة الأعمال الصالحة للأموات والغيبة المباحة

يخلص هذا الفصل إلى أن الأصل عدم وصول الأعمال الصالحة للأموات إلا ما دل الدليل عليه، ويستعرض مسألة الغيبة التي أجازها العلماء في ستة مواضع محددة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشارح رحمه الله تعالى: ما يؤخذ من الحديث، قال أولًا: إثبات عذاب القبر، كما اشتهرت به الأخبار، وهو مذهب أكثر الأئمة، وقد دلت عليه أدلة الكتاب والسنة الكثيرة. فمن أدلة الكتاب قول الله عز وجل عن قوم فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾، ومن أدلة السنة الكثيرة أحاديث كثيرة، منها هذا الحديث، ومنها حديث البراء بن عازب الطويل الذي فيه أحوال الفجار والكفار والمؤمنين إذا توفتهم الملائكة، إلى أن تكون روحه إما في نعيم أو في جحيم. قال ثانيًا: عدم الاستبراء من النجاسات سبب في هذا العذاب، والواجب الاستبراء منها. فالحديث يدل على أن للبول بالنسبة إلى عذاب القبر خصوصية، ويؤكد ذلك ما رواه الحاكم وابن خزيمة، وهو أكثر عذاب القبر من البول. قال ابن حجر: وهو صحيح الإسناد، وقد حسنه جماعة من أهل العلم. ومعناه أن من أسباب عذاب القبر التساهل في الاستنزاه من البول. والناس في هذا طرفان ووسط، فطرف يغلون في هذا الباب حتى يبتلى بالوسواس، فيكثر من قطع طهارته وقطع صلاته، وصنف آخر يتساهل في هذا الباب حتى ربما صلى وقد أصابت النجاسة بدنه أو ثوبه بالتساهل في الاستنزاه والاستبراء من البول. والصواب في هذا الوسط، أنه يأخذ بما أمر به شرعًا من الاستنجاء، سواء بالحجارة وما كان بمعناها، أو بالماء، وإذا جمع بينهما فهو حسن. أو كذلك إذا كان حكم تيمم استنجى ثم تيمم، سواء كان بعضه وضوء أو بعده تيمم، فالمهم يستنزه من البول وينتبه لذلك ولا يغلو. فإذا ابتلي مثلًا بسلس أو شك بنزول قطرات، فلا ينبغي أن يلتفت للقطرات التي يشك أنها نزلت وهي لم تنزل. وإذا كان أحيانًا ينزل شيء وأحيانًا لا ينزل، هل له أن يذهب يفتش؟ قال العلماء: لا، ما دام أنه ليس يقين أحيانًا وأحيانًا، فلا ينبغي عليه أن يخرج إلا ليقين، إذا تيقن خروج شيء فإنه يخرج، وإذا لم يتيقن فيبقى على أصل الطهارة لا يخرج. بل نص بعض العلماء أن من ابتلي بمثل ذلك، فعليه أن ينضح على ثوبه، يعني يبلل أصابعه وينضح على الثوب الداخلي لأجل أن لا يظن أن الرطوبة الباقية من الاستنجاء هي القطرات التي ظن أنها نزلت. وهكذا من باب أولى إذا دخل في الصلاة لا يخرج لأجل هذه الأوهام والشكوك. فإذا قال قائل: أنا متأكد أنه ينزل مني شيء خصوصًا بعد الاستنجاء بقليل، فيقال: هذا قد ذكره العلماء ويسمونه السلس المؤقت. وحكم صاحب السلس المؤقت ينبغي عليه أن يجعل لنفسه وقتًا قبل الدخول في الصلاة حتى لا يدخل في الصلاة وينزل منه معتاد نزوله. مثلًا يعرف أنه إذا استنجى يخرج منه شيء بعد خمس دقائق أو نحوها، فإنه يحرص أن صلاته تكون بينها وبين استنجائه ووضوئه هذا الفارق وزيادة. فإذا خرج شيء بعد الاستنجاء رد فغسل ذاك الخارج وطرف الثوب ثم يتوضأ ويدخل في الصلاة. وهذا بالنسبة لمن تأكد أن فيه سلس مؤقت. وأما من فيه سلس دائم، يعني ينزل منه بغير إرادته دائمًا، فهذا النوع من الناس معذور، يكفيه استنجاؤه الأول ووضوؤه، ولا يضره خروج شيء بعد ذلك. ثم للعلماء فيه مذهبان، فمن أهل العلم يقول: يتوضأ لكل صلاة، ويستدلون بحديث المستحاضة ببعض رواياته. ومن أهل العلم يقول: بل يكفيه استنجاؤه ووضوؤه الأول، ولا ينتقض إلا بما كان من إرادته، وما كان بغير إرادته فليس هو من التكليف، لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وليس هذا في وسعه. ويقولون أن حديث المستحاضة هذه اللفظة فيه شاذة. وسواء كان الأول أو الثاني، لا ينبغي الإنسان أن يفتح على نفسه باب الوساوس. فالأمر في هذا أرفع من حال الموسوسين، على كل الحالتين، سواء أن توضأ في كل صلاة أو أنه لم يتوضأ إلا مما كان من إرادته. قال رحمه الله تعالى ثالثًا: تحريم النميمة بين الناس، أنها من أسباب عذاب القبر. لعذاب القبر أسباب كثيرة، ومن أسبابها عدم الاستنجاء والاستبراء من البول، ومن أسبابها كذلك النميمة. فالنميمة من أسباب عذاب القبر، وهو من الكبائر الكبار. قال رابعًا: رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه وحرصه على إبعاد الشر عنهم، يقول: رحمة النبي عليه الصلاة والسلام بأصحابه، وذلك بما فعل من غرسه. لما غرس عليه الصلاة والسلام. قال خامسًا: الستر على الذنوب والعيوب، فإنه لم يصرح باسمي صاحبي القبرين، ولعله مقصود. وهذا كثير عن الصحابة أنهم لا يذكرون إذا ابتلي أحد بشيء لا يذكرون اسمه، جاء رجل قالت امرأة وهكذا، ما يحتاج إلى ستر، فإنه يستر. فإذا كان هذا في العلم فما كان دونه من باب أولى، فإنه من ستر مسلمًا في الدنيا ستره الله يوم القيامة، كما أن من تتبع عورة مسلم في الدنيا تتبع الله عورته كذلك يوم القيامة، بل وفي الدنيا. قال: وقوله: «ما يعذبان في كبير»، أي بسبب ذنب كبير تركه عليهما. فإن ترك النميمة والتحرز من البول ليس من الأمور الصعبة الشاقة، يعني هو سهل لمن وفقه الله. قال: وقد كبر عذابهما لما يترتب على فعلتيهما من المفاسد، وهذا يدل أنها من الذنوب الكبار. قال: فائدة، اختلف العلماء في انتفاع الميت بعمل الحي حينما يجعل الحي ثواب قربته البدنية أو المالية إلى الميت. فقال الإمام أحمد: الميت يصل إليه كل خير، للنصوص الواردة فيه، يعني عمومات. أما ابن تيمية فقد نقل عنه في ذلك قولان، يعني عن الإمام أحمد، ورجح القول الثاني وهو المنع. قال: أحد ما أنه ينتفع بذلك باتفاق الأمة، والثاني أنه لم يكن من عادة السلف إذا فعلوا إحدى القربات تطوعًا أن يهدوا ذلك لموتى المسلمين، واتباع نهج السلف أولى، وهو الذي دلت عليه الأدلة. قال الله سبحانه: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾، ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾. وقال النبي عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: «إذا مات الإنسان إنقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». ولو تأملت في هذه الثلاث وجدتها من كسب الإنسان، فعلم أنه لا ينتفع الإنسان إلا بعمله. قال: وقال الصنعاني: الميت يصح أن يوهب له أي قربة، يعني أن يهبه أي إنسان. أما لحوق سائر القرب ففيه ما خلاف، والحق لحوقها هكذا قال. والصواب ما تقدم لدلالة الأدلة على ذلك. وما ورد من دليل لو قدر أنه ينافي هذا القول يكون استثناء دل عليه الدليل. مثلًا إن أم ماتت ولو أنها عاشت لتصدقت، أفأتصدق عنها؟ قال: تصدق عنها. هل هذا يدل على منافاة للعموم؟ الجواب: لا، ليس به منافاة للعموم. ولهذا خصه بعض أهل العلم بالولد خاصة، بأن الصدقة المقبولة هي صدقة الولد عن والديه. ولو تأملت في الأحاديث وجدت أنه ليس فيها صدقة من غير الولد لآبائه، إنما من الولد لوالديه، والولد من كسب أبويه. ولو قدر أنه لا يدخل في هذا، لقيل: هذا استثناء دل عليه الدليل، والأصل بقاء ذاك النفي على أصله. وإذا أردنا أن نخرج عنه لابد بالدليل، فأين الدليل الذي يدل على عموم الهبة من الأحياء للأموات؟ هذا لا دليل عليه يحتاج إلى دليل، لا دليل على ذلك، سواء القرآن أو التسبيح أو كذلك الصدقة أو غير ذلك من أعمال الخير والبر. بل الصحيح أنه ليس للإنسان إلا ما كان من عمله، وهذا هو معنى الامتحان والابتلاء بالحياة الدنيا. فالحياة الدنيا هي محل امتحان بعمل العاملين لا بعمل الغير، إنما بعمل العاملين كل بعمله. ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وهكذا كذلك الإحسان والإساءة ونحوها. قال: وذكر ابن تيمية أن الأخبار قد استفاضت بمعرفة الميت بأحوال أهله وأصحابه في الدنيا، وسروره بالسار منها، وحزنه للقبيح. وهو يشير رحمه الله إلى أن الإحسان إليه مما يفرح به، وهذا بما يعلمه الله عز وجل به. لكن هل كونه إذا بلغه الملك أو أوحى الله عز وجل إلى بعض الناس ما يوحي بالنوم، وما كان بمعناه، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الرؤية الصالحة جزء من أربعين جزء، وفي رواية سبعين جزء من وحي النبوة، فقد يبلغ النائم بعض أحوال الميت كما قد يبلغ الميت بعض أحوال الأحياء، والله عز وجل على كل شيء قدير. لكن هل معنى ذلك أن ما في الرؤى من حزن وفرح تنبني به أحكام؟ قد نص العلماء أن رؤى الدنيا التي هي محل تكليف لا تثبت بها الأحكام الشرعية، فكيف برؤى الأموات تثبت بها أحكام شرعية؟ علمتم رؤى الأحياء لا تثبت بها أحكام شرعية، يعني لا يقال: فلان رأى في المنام كذا وكذا إذن معناه يجوز أن يفعل كذا وكذا، فكيف يستدل برؤى الأموات أن فيه دليل على جواز هبة الأعمال الصالحة إليهم؟ واضح، فهذا ليس فيه دليل، لو قدر أنه صح، فكيف وليس فيه صريحًا ما يدل على معنى ما أراده الشارح رحمه الله. وأما كلام شيخ الإسلام، يريد أنه ينبغي أن يحسن إلى الميت، فإن الإحسان إليه يعني بالجائز والمشروع قد يصله ذلك، كما يصل الحي، الحي بعض ما يكون من أحوال الميت. طيب، فالخلاصة أنه لا يصل إلى الميت إلا ما كان من عمله. طيب، نكتفي بهذا والله تعالى أعلم. هذا سائل يقول: ما حكم من ابتلي بنزول المذيء في كل وقت؟ ما لا يصنع كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم عليًا، وكان رجلًا مذاءً، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله في الأحاديث الآتية، أن يقص مذاكيره أو ينضح فرجه ويتوضأ. فإن كان مثل السلس بغير إرادته ولا شعوره، وكان حاله كحال أصحاب السلس، فيكفيه الوضوء الواحد، ولا يضره ما نزل بعد ذلك، وينصح بالعلاج، فقد ذكر العلماء لذلك علاجات. يقول: إذا كان الرجل ليس عنده قدرة بإنكار المنكر فبلغه ذلك إلى من كان له رئاسة، فهل هذا من النميمة؟ يختلف لكل مقام ما. قال: إذا كان الرجل ليس عنده قدرة بإنكار المنكر فبلغه ذلك لمن كان له رئاسة، إن كان هذا الذي له رئاسة يستطيع أن ينكر المنكر، وكان قصده صحيح في إنكار المنكر فلا بأس، وهذا دلت عليه الأدلة. وأما إذا كان المقام ليس كذلك، بل فيه من الفتنة والشر وإفساد ذات البيت، فهذا ليس من تغيير المنكر، بل هذا من النميمة المحرمة. وقد جمع بعض الإخوان رسالة طيبة مفيدة فيها الكلام على هذه المسألة وتفاصيل أخرى، وهو أخونا أبو هاشم حفظه الله تعالى، جمع رسالة طيبة في النميمة وبعض مسائلها، فيرجع إليها. وهذا سأل يقول: ما الغيبة التي أجازها العلماء؟ راجع رسالة الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى فيما يجوز وما لا يجوز من الغيبة، فقد استثنى العلماء ستة مواضع وما كان بمعناها. نكتفي بهذا والله تعالى أعلم.