الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 52، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ المقطع بذكر أحاديث نبوية تثبت القدر وتؤكد الإيمان به، مثل حديث أبي هريرة وحديث عمران بن حصين. هذه الأحاديث تشير إلى أن الله كتب مقادير كل شيء قبل خلق السماوات والأرض.
يشرح المقطع المراتب الأربعة للقدر وهي العلم والكتابة والمشيئة والخلق. الأحاديث تشير إلى أن الله يعلم ما سيكون قبل حدوثه ويكتب ذلك، وأن كل ما يحدث هو بمشيئته وخلقه.
يشرح المقطع أهمية الإيمان بالقدر خيره وشره، ويبين أن القدر لا ينافي عمل العبد ومشيئته. كما يشير إلى مراتب القدر مثل الكتابة في الذكر كل شيء.
المقطع الأخير يشير إلى خاتمة النص حيث يتم التعبير عن العلم الإلهي ونسبة الصلاة والسلام إلى النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم، رحمه الله تعالى، في كتابه «طريق الهجرتين وباب السعادتين»: قالوا: حديث آخر في إثبات القدر. قالوا: في الصحيحين، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، فدرك ذلك لا محالة» الحديث. وفي صحيح البخاري، عن أبي سعيد رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما بعث الله من نبي، ولا استخلف من خليفة، إلا كان له بطانتان: بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، والمعصوم من عصم الله». وفي سنن ابن ماجه، عن عدي بن حاتم، أنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: «يا عدي، أسلم تسلم». قلت: وما الإسلام؟ قال: «تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وتؤمن بالأقدار كلها: خيرها وشرها، وحلوها ومرها». قالوا: في صحيح البخاري، من حديث الحسن، عن عمرو بن تغلب، قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم مال، فأعطى قومًا، ومنع آخرين، فبلغه أنهم عتبوا، فقال: «إني أعطي الرجل، وأدع الرجل، والذي أدع أحب إلي من الذي أعطي، أعطي أقوامًا لما في قلوبهم من الجزع والهلع، وأكلؤ أقوامًا إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير» الحديث. قالوا: في الصحيحين، من حديث عمران بن حصين، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السماوات والأرض، وكتب في الذكر كل شيء». هذه مجموعة من الأحاديث وردت في إثبات القدر بمعانيه. وقد مر معنا أن القدر يؤمن به بأربع مراتب. ما هي هذه المراتب الأربعة؟ العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق. نعم، فهذه الأحاديث فيها هذه المراتب الأربعة. فبعضها -كما سيأتي معنا إن شاء الله- فيه علم الله السابق الذي هو من القدر، وبعضها فيه ما أمر الله عز وجل بكتابته، وهو من القدر، أو ما كان من مشيئته أو مشيئة خلقه، وهو من القدر، أو كان ما كان من خلقه، وخلقه سبحانه وتعالى لأعمال خلقه، وكل ذلك من القدر. والشاهد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه ورضاه، قوله: «كتب الله على ابن آدم حظه من الزنا». وهذه الكتابة سابقة على العمل، وفي نفس الوقت كذلك أن العامل له عمل يعمله، فيثاب أو يعاقب. فيثاب على التزامه بالطاعات وبعده عن المعاصي والسيئات، ويعاقب إن فرط في الطاعات أو وقع في المحرمات. وهذا من القدر، من قدر الله سبحانه وتعالى. ولم ننافِ بين الكتابة السابقة وبين عمل ابن آدم اللاحق، فعمله لا يخرج عن الكتابة، كما أنه لا ينافي مشيئته وقدرته واستطاعته. والله عز وجل أمكنه من ذلك، ولكن لكمال ربوبيته سبحانه وتعالى، سبق علمه بما هو كائن، وهو بكل شيء عليم. وهكذا حديث أبي سعيد، وفيه كذلك أن الله عز وجل علم ما يكون من بطانة حول الأنبياء أو الخلفاء، وهذه البطانة منها ما هي بطانة خير، ومنها ما هي بطانة سوء وشر. ففيه بات مشيئة هذه البطانة، فعلها وأعمالها التي مخلوقة لله عز وجل، وهو من القدر. وفيه كذلك ما كان من سابق علم الله سبحانه وتعالى وكتابته فيما كان منه سبحانه وتعالى. وأما قوله في آخر الحديث: «المعصوم من عصم الله»، ليس في هذا جبر، ولكن الله عز وجل يهدي من هدى، ويعصم من اعتصم، ويضل من ضل. فمن استمسك بحبل الله أعانه الله، ومن ترك حبل الله خذله الله. ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾، ونحو ذلك من أفعال المقابلة منه سبحانه وتعالى. فمن أحسن أحسن الله إليه، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، ﴿وَهَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾، وغير ذلك. وفي المقابل، من عصى وكل إلى نفسه، ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. فهو من باب المقابلة، والمعصوم من عصمه الله ليس فيه جبر، ولكن فيه مقابلة العصمة بالعصمة. وهكذا حديث عدي بن حاتم، هو ضعيف كما قلت في التعليق. والشاهد منه الإيمان بالقدر خيره وشره، وهذا ثابت في الصحيحين من حديث أبي هريرة وحديث عمر. «وحلوه ومره» بهذا الإسناد ضعيف، وجاء موقوفًا وصح عن عدد من الصحابة. والمعنى أن الخير والشر والحلو والمر من القدر كله من الله سبحانه وتعالى، يجب الإيمان به، ولا يتم الإيمان إلا بالإيمان بهذا الركن من أركان الإيمان. وحديث الذي بعده كذلك فيه مما يتعلق بالقدر، ما ذكره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أن الناس صنفين: منهم من في قلوبهم الجزع والهلع، ومنهم من في قلوبهم الغنى والخير. وهذا من الله سبحانه وتعالى، وهو لا ينافي عمل العاملين، بل الحديث يثبت لهم ذلك. فكله من قدر الله: ما سبق بعلم الله، وما شاءه الله. وهكذا ما يشاءه الخلق وما يعملونه الخلق هو مخلوق لله سبحانه وتعالى. فالجزع والهلع من قدر الله، والغنى والخير من قدر الله سبحانه وتعالى كذلك. فالعبد يعمل وعمله لا يخرج عما سبق في علم الله سبحانه وتعالى. وقد تقدم معنا تفسير ذلك في مواضع كثيرة متقدمة. وهكذا حديث عمران بن حصين، وفيه: «وكان عرشه على الماء، ثم خلق السماوات والأرض، وكتب في الذكر كل شيء». هذه الكتابة مرتبة من مراتب القدر، وهي لا تنافي أعمال العاملين في إحسانهم أو إساءتهم، وهم يملكون ذلك وعندهم مشيئة وقدرة لذلك. ولكنها لا تخرج عما سبق في كتابة الله عز وجل، وهذا من كمال ربوبيته سبحانه وتعالى أنه بكل شيء عليم. ولا ينافي هذا العلم السابق اختيارهم وإرادتهم وفعلهم، كما قال الله عز وجل: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَجْدَيْنِ﴾ أي الطريقين الواضحين البارزين. وهكذا كذلك: ﴿إِنْ هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾، وغير ذلك من الأدلة التي تثبت عمل العاملين ومشيئتهم فيها وقدرتهم عليها، بما لا ينافي قدر الله سبحانه وتعالى. والقدر سر الله سبحانه وتعالى، كما تقدم معنا تفسيره وتوضيحه في مواضع كثيرة سابقة. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.