الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 54، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول المقطع شرحًا لأحاديث نبوية تتعلق بالإيمان بالقضاء والقدر، حيث يشير إلى أن كل شيء مكتوب ومقدر من قبل الله تعالى. يُؤكد المقطع على أهمية العمل وعلاقته بالقضاء والقدر.
يشرح النص أن علم الله السابق وكتابته للأمور لا تتعارض مع حرية العباد واختيارهم لأعمالهم، حيث أن الله سبق علمه بما سيختاره العباد. يبين النص أن الأحاديث النبوية والآيات القرآنية تفسّر هذا المعنى وتؤكده.
الحديث عن خلق آدم وذرية آدم وتفسير تنوع ألوان وصفات بني آدم، وأثر الرفقة والبيئة على الإنسان. يُظهر هذا الفصل كيف يؤثر الخلق والبيئة على الإنسان.
لا تعارض بين خلق الله للخلق وبين قدرتهم على العمل بمشيئتهم، حيث إن قدرتهم ومشيئتهم بقدرة الله ومشيئته. يُكرر هذا المعنى في دروس سابقة.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مريم بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى بكتابه «طريق الهجرتين»: قال، وفي سنن أبي داود عن أبي حفص الشامي، قال: قال عباد بن الصامت: يا بني، إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب. قال: ربي وما أكتب؟ قال: أكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة». يا بني، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من مات على غير هذا فليس مني». قال، وبالصحيحين عن علي رضي الله عنه، قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلس، ومعه مخصرة، فجعل ينكت المخصرة في الأرض، ثم رفع رأسه، فقال: «ما منكم من أحد من نفس منفوسة إلا قد كتب مكانها من النار أو الجنة، إلا وقد كتبت شقية أو سعيدة». قال: فقال رجل من القوم: يا نبي الله، أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ قال: «من كان من أهل السعادة ليكونن إلى السعادة، ومن كان من أهل الشقوة ليكونن إلى الشقاوة». قال: «اعملوا؛ فكل ميسر، أما أهل السعادة فييسرون للسعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون للشقاوة». ثم قرأ نبي الله صلى الله عليه وسلم: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ۞ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ۞ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ۞ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ۞ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ۞ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾. قالوا: في السنن الأربعة عن مسلم بن يسار الجهني: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سئل عن هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عنها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خلق آدم، ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية، قال: خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون. ثم مسح ظهره، فاستخرج منه ذرية، قال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون». قال رجل: يا رسول الله، ففيم العمل؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله إذا خلق العبد للجنة، استعمله بعمل أهل الجنة، حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة، فيدخله به الجنة. وإذا خلق العبد للنار، استعمله بعمل أهل النار، حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار، فيدخله به النار». والحديث بهذا الإسناد فيه ضعف، كما أشار إليه الشيخ الألباني رحمه الله في «الضعيفة». ولكن معناه صحيح، قد جاء من عدة أوجه، كما أشار إليه في «التعليق»، وتصح من حديث أبي هريرة وغيره. قال: وفي «الترمذي» عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض؛ جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والسهل والحزن، والخبيث والطيب». قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وهو كما قال. وذكره الشيخ الألباني رحمه الله في «صحيح الترمذي» و«صحيح ابن حبان» ومواضع من كتبه. هذه الأحاديث أوردها المؤلف رحمه الله ليستدل بها على مسائل القدر. وما أورده رحمه الله بعضه قد مضى وسبق الكلام عليه، كحديث عبادة بن الصامت، وسبق معناه في حديث ابن عباس وحديث عبد الله بن عمر وغيره. فإن ما سبق به القلم، وما أمر الله عز وجل بكتابته لا ينافي أعمال العاملين كما تقدم. وهكذا كذلك ما جاء بحديث علي رضي الله عنه. وقد فسرت الآيات ما جاء بحديث النبي صلى الله عليه وسلم، وغتَل النبي صلى الله عليه وسلم الآيات تفسيرا لما ذكر عليه الصلاة والسلام، وما ذكره علي رضي الله عنه بهذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. فقوله: ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ۞ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾، فالله عز وجل كتب عنده في سابق كتابه، وكذلك ما كان من سابق علمه من أهل الشقاوة ومن أهل السعادة. ولكن هناك أعمال يعملها الناس، فمن عمل بأعمال أهل السعادة أعين على طريق السعادة، ومن عمل بأعمال أهل الشقاوة استدرج في طريق أهل الشقاوة. وهذا هو قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ۞ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾. وهذه الفاء كالمجازاة والعاقبة. فلما كان منه العطاء والتقى والصدق، فإن الله عز وجل جازاه، وجعل العاقبة له التيسير لهذه اليسرى. والعكس بالعكس، لما كان البخل والاستغناء والكذب، جازاه الله عز وجل بأن يسر له العسرى، يسره لطريق العسرى. ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾، والله لا يهدي القوم الفاسقين. فسبق في علم الله وعمل العباد أعمالا، فما عمله العباد كان سببا في طريقهم الذي رسموه لأنفسهم، وهم رسموا طريقا بأعمالهم. فمن رسم لنفسه طريق الخير أعين عليه، ومن رسم لنفسه طريق الشر فإنه يخذل من الله سبحانه وتعالى. ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾، ونحو ذلك من الآيات الكثيرة التي تفسر مثل هذا المعنى. فلا منافاة بين علم الله السابق وكتابته السابقة مع عمل العاملين ويرادتهم واختيارهم. وهكذا الحديث الذي بعده، أصله كما تقدم معنى صحيح. فالله عز وجل خلق آدم وأخرج من ظهره ذريته. وقد جاء بحديث أبي هريرة مفصلا: أن الله عز وجل نثرهم أمامه بين يديه، حتى إنه رأى نورا بينهم، فقال: من هذا؟ قال: هذا ابنك داود. فأعطاه من عمره... الحديث. الشاهد: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه أخرج من ظهر آدم ذريته، وأخبر الله عز وجل آدم أن من ذريته من هو للنار ومن هو للجنة. وقد فسر في هذه الرواية وبحديث أبي هريرة: أن ذلك بعمل العاملين كذلك. فالله جل وعلا سبق بعلمه من كمال ربوبيته، وكذلك سعة علمه سبحانه ما يكون من أحوال خلقه. ولا يعني ذلك إلزام الخلق بهذا العلم وهذا الكتاب. وإنما الذي يلتزم به العبد ما يكون بعد ذلك من عمله. ولذلك يكتب الملك، ويكون كذلك في الصحف بما كان من أعمال العاملين بعد عملهم. فلا منافاة بين أعمالهم وإن سابق علم الله عز وجل وما كتبه سبحانه وتعالى. وجاء بحديث أبي هريرة: أن الله عز وجل كذلك أجرى لهم أعمالهم، أي الذين يعملونها. ولذلك كما قال بعض أهل العلم: ما يراه الإنسان أحيانا فيما يقع له أنه كأنه رآه قبل ذلك. قالوا: هو أحد أمور ثلاثة: إما أن يكون بما جاء بحديث أبي هريرة المتقدم، فإن الله عز وجل أمر عليهم ما يكون من أمرهم بعد ذلك. فما يتذكره الإنسان الآن كأنه وقع له، وهو بما سبق من ذلك الذي وقع حين أخرج الله عز وجل من آدم ذريته. وفسر ثانيا: بأنه ما قد يكون قد أجراه الله عز وجل في منامه من الرؤية الصادقة. والرؤية الصادقة جزء من سبعين جزءا من وحي النبوة. والأمر الثالث: أنه قد يكون من ذلك قذف الملك وتبادل الأرواح، فإنه يحصل كذلك. وكل هذا جاءت به عمومات تدل عليه، والله أعلم. والحديث الأخير، وفيه: أن الله عز وجل خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، يعني بجميع ما في هذه الأرض من ألوان ومن صفات وغير ذلك. فلذلك جاء من بني آدم على حسب ألوان الأرض. فالأرض فيها الأحمر والأبيض والأسود، وكذلك ألوان بني آدم جاءت كذلك. وخلق آدم من طين، والطين كانت ملونة متنوعة الصفات. فكذلك كانت ذرية آدم. وهكذا كذلك الصفات المعنوية، فمن الطين ما هو سهل ومنها ما هو شديد، ومنها كذلك الطيب ومنها الخبيث. وهكذا كذلك صار بنو آدم. وهذا معنى أن من الناس من يخلق على الصفات الحسية والمعنوية التي خلقه الله عز وجل عليها من أصله. ولا ينافي ذلك أن الإنسان يجتهد فيصلح ما كان ناقصا أو يكمل ما كان عنده من فضل. فهذا الذي كان عنده من أصل الطين السهل، فعنده صفة السهولة واليسر، فإنه يستغل هذا إذا سار في الطريق الذي يعينه على ذلك. وإذا سار في طريق ضد هذه الصفة، فإنه سيفقد هذه الصفة بلا شك. وكما مر معنا: فيمن رافق رفقة سوء، فإنه ولو كان أصله من طينة طيبة، لكنه بسبب رفقة السوء كتعفن مثل الطينة الطيبة. اليوم لو كان عندك طينة طيبة صالحة للزرع، فوضعت عليها القاذورات والنجاسات، ماذا يكون حال هذه الطين؟ تصير طينا خبيثة سيئة. وهكذا كذلك حال هذا الإنسان إذا خالط رفقاء السوء، فإنه سيخبث ولو كان أصله طيبا. والعكس: الطين الخبيثة إذا طيبت، فإنها يمكن أن تطيب. أم لا؟ ممكن أن تطيب، فتستصلح الأرض الذي لا تصلح للزرع، وتنقى الأرض التي فيها الملح أو التي فيها كدر أو حتى الصعب يسهل، ونحو ذلك. فهذا مثال حسي. وهكذا كذلك يقال في الأشياء المعنوية. فإنه لا منافاة بين ما خلق الله عز وجل عليه الخلق، وبين ما أقدرهم وكله بقدرة الله ومشيئته من العمل الذي امتحنهم الله عز وجل به، والمشيئة التي امتحنهم الله سبحانه وتعالى بها. كما مر معنا وتقدم في دروس سابقة. وتكرر هذا إلى هنا، والله أعلم. صلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه وسلم.