الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 13، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ مفهوم الفقر والالتجاء إلى الله تعالى، ويبين أن العبد لا يملك لنفسه شيئًا وأن الأمر كله بيد الله. كما يوضح أن إرادة العبد تابعة لإرادة الله ولا تعني عدم وجود اختيار للعبد.
يشرح ابن القيم الفرق بين التوحيد العام والخاص، ويوضح أن التوحيد الخاص يتطلب معرفة وعملًا خاصين. يشدد على أن الفناء في توحيد الربوبية وحده لا يكفي للنجاة.
يتحدث عن معنى توحيد الإرادة والمحبة، حيث يصبح حب العبد وخوفه ورجاؤه كلها لله وحده. هذا التجريد هو غاية العبودية وكمالها، ويتحقق بتوحيد الطلب والإرادة وتوحيد المطلوب المراد.
يشرح الفرق بين محبة الشخص لذاته وبين محبته لتحقيق مراده، ويوضح أن الاتحاد في الإرادة مستحيل بينما يمكن أن يتحد مراد المحب والمحبوب عند التخلص من الشوائب.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: قال: «فإن تم تحريكه بالمعصية، التجأ أسير قد أسره عدو، وهو يعلم أنه لا خلاص له من أسره إلا بأن يفتكه سيده من الأسر، ففكاكه في يد سيده، ليس في يده منه شيء البتة، ولا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، فهو في أسر العدو ناظر إلى سيده، وهو قادرٌ على تخليصه، قد اشتدت ضرورته إليه، فصار اعتماده كله عليه». قال سهلٌ: «إنما يكون الالتجاء على معرفة قدر الإبتلاء»، قال: يعني وعلى قدر معرفة الإبتلاء تكون المعرفة بالمبتلي، بهذه المعرفة. قال: «ومن عرف معنا قوله صلى الله عليه وسلم: وأعوذ بك منك، وقام بهذه المعرفة شهودًا وذوقًا، وأعطاها حقها من العبودية، فهو الفقير حقًا، ومدار الفقر الصحيح على هذه الكلمة، فمن رزق فهمها فهم سر الفقر المحمدي». فهو سبحانه الذي ينجي من قضائه بقضائه، وهو الذي يعيد من نفسه بنفسه، وهو الذي يدفع ما منه بما منه، فالأمر كله له، والحكم كله له، والخلق كله له، وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وما شاء لم يستطع أن يصرفه مشيئته، وما لم يشأ لم يكن أن يجلبه إلا مشيئته، فلا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يذهب بالسيئات إلا هو، ولا يهدي لأحسن الأعمال والأخلاق إلا هو، ولا يصرف سيئها إلا هو، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾. والتحقق بمعرفة هذا يوجب صحة للطرار وكمال الفقر والفاقة، ويحول بين العبد وبين رؤية أعماله وأحواله والاستغناء بها والخروج عن ربقة العبودية إلى دعوى ما ليس له. وكيف يدعي مع الله حالًا أو ملكة أو مقامًا من قلبه وإرادته وحركاته الظاهرة والباطنة بيد ربه ومليكه، لا يملك هو منها شيئًا، وإنما هي بيد مقلب القلوب ومصرفها كيف شاء. ولا يعني هذا الكلام كما تقدم أن العبد ليس له اختيار وأنه مجبور، بل معناه أن إرادة العبد تابعة لإرادة الله سبحانه وتعالى، فللعبد مشيئة، ولكنها لا تخرج عن مشيئة الله، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، وأثبت المشيئة للعباد، إلا أن يشاء الله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾، وهديناه النجدين، وغير ذلك من الأدلة الكثيرة التي تدل أن العباد لهم فعل واختيار ومشيئة، وبهذا يثابون أو يعاقبون، وبهذا يحسنون أو يسيئون، وبهذا يكون هناك صالحون وآخرون فاجرون، وبهذا كان فريق في الجنة وفريق في السعير، هذا فضل الله وعدله. فلا يختلط الأمر، فالمتصوفة اختلط عليهم الأمر، فلذلك لما غلوا في هذا الباب وقعوا في الجبر، فقالوا بقول الجبرية في القدر، وهذا من الضلال. قال رحمه الله: «فالإيمان بهذا والتحقق به نظام التوحيد، فمتى حل من القلب إنحل نظام التوحيد، فسبحان من لا يوصل إليه إلا به، ولا يطاع إلا بمشيئته، ولا ينال ما عنده من كرامته إلا بطاعته، ولا سبيل إلى طاعته إلا بتوفيقه ومعونته، فعاد الأمر كله إليه كما ابتدأ الأمر كله منه، فهو الأول والآخر، وإن إلى ربك المنتهى». ومن وصل إلى هذا الحال وقع في يد التقطع والتجريد، وأشرف على مقام التوحيد الخاصي، فإن التوحيد نوعان عامي وخاصي، كما أن الصلاة نوعان، والذكر نوعان، وسائر القرب كذلك خاصية وعامية. فالخاصية ما بدل فيها العامل نصحه وقصده بحيث يوقعها على أحسن الوجود وأكملها، والعامية ما لم يكن كذلك، فالمسلمون كلهم مشتركون في إتيانهم بشهادة أن لا إله إلا الله، وتفاوتهم في معرفتهم بمضمون هذه الشهادة وقيامهم بحقها باطنًا وظاهرًا، أمر لا يحصيه إلا الله عز وجل. وقد ظن كثير من الصوفية أن التوحيد الخاص أن يشهد العبد المحرك له ويغيب عن المتحرك عن الحركة، فيغيب بشاهده عن حركته، فيشهد نفسه شبحًا فانيًا تجري عليه تصاريف المشيئة، كمن غرق في البحر فأمواجه ترفعه طورًا وتخفضه طورًا، فهو غائب بها عن ملاحظة حركته في نفسه، بل قد اندرجت حركته بضمن حركة الموج، فكأنه لا حركة له بالحقيقة، وهذا هو الجبر، هذا هو القول بالجبر، وهو من الضلال الذي سبقت الإشارة إليه. فالتوحيد الخاص هو كما أشار رحمه الله: أن يكون عند العبد من العلم والمعرفة والعمل ما يفوق ما عند العامة من المعرفة العامة، فالمعرفة الخاصة، وكذلك العمل الخاص الذي فيه من التصديق والشهود، هو الذي يتحقق به التوحيد، فلا يوصل إلى الله إلا به، ولا يطاع إلا بمشيئته، ولا ينال ما عنده من كرامته إلا بطاعته، كما أشار، ولا سبيل إلى طاعته إلا بماذا؟ بتوفيقه ومعونته، إذن أنت تعمل وتطلب من الله أن يعينك على هذا العمل، فأنت تعمل، ليس كحال المتصوفة، فإنهم يرون أن العبد ليس له عمل، فهو محرك، وليس يلزم من ذلك أن يحرك شيئًا، وهذا هو عين الضلال. قال: «وهذا وإن ظنه كثير من القوم غاية، وظنه بعضهم لازمًا من لوازم التوحيد، يريد بذلك الصوفية، فالصواب أن وراءه ما هو أجل منه، وغاية هذا الفناء في توحيد الربوبية، وهو أن لا يشهد ربًا وخالقًا ومدبرًا إلا الله، وهذا حق، ولكن توحيد الربوبية وحده لا يكفي في النجاة، فضلًا أن يكون شهوده والفناء فيه هو غاية الموحدين ونهاية مطلبهم، بل الغاية التي لا غاية وراءها ولا نهاية بعدها، والفناء في توحيد الإلهية، وهو أن يفنى بمحبة ربه عن محبة كل ما سواه، بتأله عن تأله ما سواه، وبالشوق إليه وإلى لقائه عن الشوق إلى ما سواه، وبالذل له والفقر إليه من جهة كونه معبوده وإلهه ومحبوبه، عن الذل والفقر إلى كل ما سواه». وكذلك يفنى بخوفه ورجائه عن خوف ما سواه ورجائه، فيرى أنه ليس في الوجود ما يصلح له ذلك إلا الله، ثم يتصب بذلك حالًا، وينصبغ به قلبه صبغةً، ثم يفنى بذلك عما سواه، فهذا هو التوحيد الخاص الذي شمر إليه العارفون، والورد الصافي الذي حام حوله المحبون. ومتى وصل إليه العبد صار في يد التقطع والتجريد، واشتمل بلباس الفقر الحقيقي، ومزق حب الله من قلبه كل ما حبه وخوفه كل ما خافه ورجائه كل رجاء، وصار حبه وخوفه ورجائه وذله وإثاره وإرادته ومعاملته كل ذلك واحدًا لواحد، يعني مخلصًا خالصًا لله سبحانه وتعالى لواحد، أي لله الواحد الأحد الصمد. وهذا معناه أنه لما كملت معرفته بربوبية الله عز وجل، كملت ألوهيته لله سبحانه وتعالى، والألوهية هي الفعل والاختيار الذي تتحقق بها العبودية لله عز وجل، وهي من توفيق الله، لا يصل إليها العبد إلا بتوفيق الله سبحانه وتعالى. ومن كانت عنده هذه المعرفة وهذه الحقيقة، ليس هو من يرى نفسه كالريشة في الريح، وكالغريق في الماء، هذا هو قول الجبرية الضال. قال رحمه الله: «كل ذلك واحدًا لواحد، فلم ينقسم طلبه ولا مطلوبه، فتعدد المطلوب وانقسامه قادح في التوحيد والإخلاص، وانقسام الطلب قادح في الصدق والإرادة، فلابد من توحيد الطلب والإرادة وتوحيد المطلوب المراد». فإذا غاب بمحبوبه عن حب غيره، وبمذكوره عن ذكر غيره، وبمألوه عن تأله غيره، صار من أهل التوحيد الخاص، وصاحبه مجرد عن ملاحظة سوى محبوبه أو إثاره أو معاملته أو خوفه أو رجائه. وصاحب توحيد الربوبية في قيد التجريد عن ملاحظة فاعل غير الله، وهو مجرد عن ملاحظة وجوده، هو كما كان صاحب الدرجة الأولى مجردًا عن أمواله، وصاحب الثانية مجردًا عن أعماله وأحواله. وهذا هو ما تقدم: أن يكون كل أعمال العبد واحدة خالصة لواحد، هو المتفرد بصفات الكمال ونعوت الجلال جل وعلا وحده لا شريك له. قال: «وصاحب الفناء في توحيد الإلهية مجرد عن سوى مراضي محبوبه وأوامره، فناء بحبه وابتغاء مرضاته عن حب غيره وابتغاء مرضاته، وهذا هو التجريد الذي سمت إليه همم السالكين». فمن تجرد عن ماله وحاله وكسبه وعلمه، ثم تجرد عن شهود تجريده، فهو المجرد حقًا، لأنه أخلص لله عز وجل. قال: «وهذا هو تجريد القوم الذي عليه يحومون، وإياه يقصدون، ونهايته عندهم التجريد بفناء وجوده وبقائه بموجوده، بحيث يفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل، ولا غاية عندهم وراء هذا، ولعمر الله إن وراءه تجريدًا أكمل منه، ونسبة إليه كتفلة في بحر، وشعرة في ظهر بعير، فماذا عسى أن تكون هذه؟ أي لا شيء». وهو تجريد الحب والإرادة عن الشوائب والعلل والحظوظ، فيتوحد حبه كما توحد محبوبه، ويتجرد عن مراده من محبوبه بمراد محبوبه منه، بل يبقى مراد محبوبه منه هو نفس مراده، وهنا يعقل الاتحاد الصحيح، وهو اتحاد المراد، وليس اتحاد أهل الحلول والاتحاد، يريد ليس اتحاد أهل الحلول والاتحاد زعمًا منهم. كما تقدم معنا أنه لا تكمل المعرفة ولا تتحقق أعلى مراتب العبودية حتى يحل اللاهوت كما زعموا في الناسوت، أي الخالق في المخلوق، وهذا عين الضلال. ثم ذهبوا يستدلون بأدلة هي بعيدة عن هذا، وإنما مرادها ما تقدم: أن يكون كل ما عند العبد واحدًا لواحد، فمتى ما كان كل ما عند العبد واحدًا، أي خالصًا لواحد، وهو الأحد الفرد الصمد، عند ذلك فإن صاحب هذه العبودية يرى بنور الله، ويسمع كذلك بنور الله، وكل أعماله تسير بتوفيق الله، وليس من هذا حاله معناه أن الله حل فيه كما زعموا. قال رحمه الله تعالى: «وهنا يُعقل الاتحاد الصحيح، وهو اتحاد المراد، فيكون عين مراد المحبوب، وهذا هو غاية الموافقة وكمال العبودية، ولا تتجرد المحبة عن العلل والحظوظ التي تفسدها إلا بهذا». فالفرق بين محبة حظك ومرادك من المحبوب، وأنك إنما تحبه لذلك، وبين محبة مراد المحبوب منك ومحبتك له لذاته، وأنه أهل أن يحب. وأما الاتحاد في الإرادة فمحال، كما أن الاتحاد في المريد محال، فالإرادتان متباينتان، وأما مراد المحب والمحبوب إذا خلصت المحبة من العلل والحظوظ فواحد. فالفقر والتجريد والفناء من واد واحد، وقد جعله صاحب منازل السائرين من قسم النهايات وحده بأنه الانخلاع عن شهود الشواهد، وجعله على ثلاث درجات: الدرجة الأولى تجريد الكشف عن كسب اليقين، والثانية تجريد عين الجمع عن درك العلم، والثالثة تجريد الإخلاص من شهود التجريد. وسيأتي إن شاء الله الكلام عليه، نقف إلى هنا إن شاء الله.