طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 11

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 11

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 11، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في التعبد بأسماء الله الحسنى

التعبد بأسماء الله الحسنى يتضمن مرتبتين أساسيتين هما الشهود والاعتراف بصفات الله ومعاملة كل اسم بمقتضاه. هذا يؤدي إلى توجيه العبد عبادته لله وحده.

تحقيق كمال العبودية وفضل الله على العبد

كمال عبودية العبد يتحقق بزيادة معرفته بالله وافتقاره إليه، حيث يرفع الله درجته ويوفقه للعبادة. التوجه إلى الله هو المقصود الأعظم للعبد.

العبودية الحقة من خلال المعرفة والافتقار إلى الله

العبودية الحقة تتحقق بتحقيق المعرفة بالله والافتقار إليه، حيث يدرك العبد أن كل شيء بقدرة الله وحده. هذا الفهم يجعل العبد متوجهًا لله وحده.

صفات المحسنين ودرجاتهم في الدين

المحسنون وصلوا لأعلى مراتب الدين بإيمانهم وأعمالهم الصالحة، وقد وصفهم الله بأنهم يعطون ما أعطوا وقلوبهم خائفة، مما يدل على علو درجتهم في الإيمان.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: «قال والتعبد بهذه الأسماء له رتبتان، الرتبة الأولى أن يشهد الأولية منه تعالى في كل شيء، والآخرية بعد كل شيء، والعلو والفوقية فوق كل شيء، والقرب والدنو دون كل شيء. فالمخلوق يحجبه مثله عما هو دونه، فصار الحاجب بينه وبين المحجوب، والرب جل جلاله ليس دونه شيء، هو أقرب إلى الخلق منه. فهذه هي صفة المخلوق، وهذه هي صفة الخالق. فالمخلوق ناقص من كل الوجوه، وهو كذلك مبتدئ بنقص ومنتهي إلى نقص. وأما الله عز وجل العظيم العلي الكريم المحيط بكل شيء، فله الكمال المطلق في كل شيء». ومثل ما تحققت هذه المعرفة عند العبد، منها المعرفة باسمه الأول سبحانه وتعالى، والآخر، والظاهر، والباطن، تحقق الافتقار الذي ذكره رحمه الله، وتحقق كذلك الاستغناء بالله عز وجل عما سواه؛ لأنه معترف بهذا الأمر العظيم، فلابد أن يستحضر العبد هذه الحقيقة ويحققها في قلبه وجوارحه حتى تتحقق له العبودية الكاملة لله سبحانه وتعالى. وكما مر معنا، الناس يتفاوتون في تحقيق العبودية بتفاوتهم في افتقارهم ومعرفتهم لهذه الحقيقة. قال رحمه الله: «المرتبة الثانية من التعبد أن يعامل كل اسم بمقتضاه، فيعامل سبقه تعالى بأوليته لكل شيء، وسبقه بفضله وإحسانه، والأسباب كلها بما يقتضيه ذلك من إفراده وعدم الالتفات إلى غيره، والوثوق بسواه، والتوكل على غيره. فمن الذي شفع لك في الأزل حيث لم تكن شيئًا مذكورًا حتى سماك بإسم الإسلام، ووسمك بسمة الإيمان، وجعلك من أهل قبضة اليمين، وأقطعك في ذلك الغيب عمالات المؤمنين؟ فعصمك عن العبادة للعبيد، وأعتقك عن التزام الرق لمن له شكل ونديد». وفي نسخة: «عن من» وهي كذلك معنا صحيح. وأشارت كما ترون في بعض النسخ إلى بعض العبارات، وهي ليست فيها معنى بعيد. وتعرفون كانت الكتب تملى في السابق إملاءً، فبعض النسخ قد لا يسمع جيدًا فيكتب ما تستقيم به العبارة، فيحصل اختلاف في بعض الألفاظ والحروف بما تستقيم به العبارة، ولكن أكثر النسخ على ما هو ها هنا، وهو الأصوب، والله أعلم، وكله صواب. قال: «ثم وجه، ثم وجه الظاهر» هكذا «ثم وجه وجهة قلبك إليه تبارك وتعالى دون ما سواه». والمعنى أن كل فضل وصلك كونًا وقدرًا وشرعًا ودينًا، فهو من الله سبحانه وتعالى الأول الذي ليس قبله شيء، والظاهر الذي ليس فوقه شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء. فإذا اعترف العبد بهذه الحقيقة أن ما وصل إليه مما هو كونًا وقدرًا من خلقه وخلقته، وكذلك شرعًا ودينًا من دينه وأخلاقه، فإنه لا يتوجه إلا إلى هذا الرب الوحيد المتفرد بصفات الكمال والجلال، ولا يعبد إلا هو سبحانه وتعالى وحده. قال رحمه الله: «فاضرع إلى الذي عصمك من السجود للصنم، وقضى لك بقدم الصدق في القدم، أن يتم عليك نعمة هو ابتدأها، وكانت أوليتها منه بلا سبب منك، واسم بهمتك عن ملاحظة الأغيار، ولا تركا إلى الرسوم والآثار، ولا تقنع بالخصيص الدون، وعليك بالمطالب العالية والمراتب السامية التي لا تنال إلا بطاعة الله. فإن الله عز وجل قضاء لا ينال ما عنده إلا بطاعته، ومن كان لله كما يريد كان الله له فوق ما يريد، ومن أقبل إليه تلقاه من بعيد، ومن تصرف بحوله وقوته ألان له الحديد، ومن ترك لأجله أعطاه فوق المزيد، ومن أراد مراده الدين أراد ما يريد». وهذا هو الله الكريم الرحمن سبحانه وتعالى، كلما أقبلت إليه أعطاك أعظم من إقبالك، وأكرمك بأكثر من فعلك، سبحانه وتعالى. فكما جاء في الحديث القدسي: «إذا تقرب إليه عبدي شبرًا تقربت إليه ذراعًا، وإذا تقرب إليه ذراعًا تقربت إليه باعًا، ولا يزال العبد كذلك يرتقي ويقرب حتى يكون الله العظيم الكريم الرحمن سبحانه وتعالى سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به» إلى آخر الحديث. والمعنى أن الله يوفقه توفيقًا كاملًا تامًا بما كان من كمال عبوديته وافتقاره إليه سبحانه وتعالى. فكلما كملت معرفة العبد بربه العظيم، وتحقق افتقاره له سبحانه وتعالى، أعانه الله على عبوديته، فكملت له عبوديته، وكمل إكرام الله عز وجل له في الدنيا والآخرة. فلا يزال يرتقي في هذه المعرفة وهذا الافتقار وبهذه العبودية حتى يرفعه الله سبحانه وتعالى إلى أعلى الدرجات في الدنيا والآخرة، وكل هذا من من؟ من الله سبحانه وتعالى. فالله الذي خلق، والله الذي وفق، والله سبحانه وتعالى الذي كذلك أعان العبد أن يعبده ولا يعبد معه غيره سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: «ثم اسمو بسرك إلى المطلب الأعلى، واقصر حبك وتقربك إلى من سبق فضله وإحسانه إليك كل سبب منك، بل هو الذي جاد عليك بالأسباب وهيئها لك، وصرف عنك موانعها، وأوصلك بها إلى غايتك المحمودة. فتوكل عليه وحده، وعامله وحده، وآثر مرضاته وحده، واجعل حبه ومرضاته وكعبة قلبك التي لا تزال طائفة بها، مستلما لأركانها، واقفا بملتزمها. فيا فوزك ويا سعادتك إن اطلع سبحانه على ذلك من قلبك، ماذا يفيض عليك من ملابس نعمة ممن من ملابس نعمه وخلع أفضاله؟». اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعك، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، سبحانك وبحمدك. وهكذا كذلك حال العبد إذا أقبل على الله عز وجل، وجعل الله قبلته، فلله سبحانه وتعالى قبله في قلب العبد، كلما أقبل إليها وأخلص في التوجه إليها أعانه الله عز وجل على كمال عبوديته سبحانه وتعالى. ولهذا جعل الله عز وجل الكعبة كالوسيلة للوصول في التوجه إليه سبحانه وتعالى، فليست الكعبة مقصودة لذاتها، ولا الحجر الأسود وأركان البيت مقصود لذاته، وإنما المقصود هو التوجه إلى الله سبحانه وتعالى حتى يتوجه القلب إلى الله سبحانه وتعالى وحده. فأنت تفعل طاعة لله، وتعلم أن البيت حجر لا يضر ولا ينفع، كما قال عمر رضي الله عنه: «لو لأني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك لما قبلتك». فما جعل الله عز وجل في الكعبة الحسية هو للتوجه إليه سبحانه وتعالى. فلذلك كما ذكر رحمه الله: للعبد قبله وكعبة في قلبه، لا يزال بلطف الله سبحانه وتعالى وإعانته يتوجه إليها، وهو التوجه إلى الله سبحانه وتعالى. فكلما كمل توجهه لله كملت عبوديته له سبحانه وتعالى. وكيف تكمل بكمال افتقاره ومعرفته بربه وخالقه سبحانه وتعالى، وارتقائه بمقامات عبوديته بما يصل بذلك إلى الاستغناء به سبحانه وتعالى عما سواه وحده لا شريك له سبحانه وبحمده. قال رحمه الله تعالى: «ثم تعبد له باسمه الآخر بأن تجعله وحده غايتك التي لا غاية لك سواه، ولا مطلب لك وراءه. فكما انتهت إليه الأواخر وكان بعد كل آخر، فكذلك اجعل نهايتك إليه. فإن إلى ربك المنتهى، إليه انتهت الأسباب والغايات، فليس وراءه مرمى ينتهي إليه». وقد تقدم التنبيه على ذلك، وعلى التعبد باسمه الظاهر. وأما التعبد باسمه الباطن، فإذا شهدت إحاطته بالعوالم، وقرب البعيد منه، وظهور البواطن له، وبدو السرائر له، وأنه لا شيء بينه وبينها، فعامله بمقتضى هذا الشهود، وطهر له سريرتك، فإنها عنده علانية، وأصلح له غيبك، فإنه عنده شهادة، وزك له باطنك، فإنه عنده ظاهر. وكما مر معنا، لا يزال العبد يرتقي في مراتب الإسلام وسلم الإيمان حتى يصل إلى أعلى المراتب وأرفع الدرجات، وذلك بكمال معرفته بالله سبحانه وتعالى وافتقاره إليه. وعند ذلك يصل إلى مرتبة الإحسان التي فسرها النبي صلى الله عليه وسلم: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». وهذا لا يتحقق إلا بتحقق المعرفة الكاملة التامة لأسمائه وصفاته سبحانه وتعالى. فإن العبد كلما كملت معرفته بالله العظيم، كملت عبوديته بكمال افتقاره ومعرفته بالله سبحانه وتعالى. ومن ذلك معرفته بإسمه الأول والآخر والظاهر والباطن. ومن معاني الباطن: أنه لا يخفى عليه شيء من السرائر، وأن الغيب عنده شهادة، والسر عنده علانية، وأن الباطن عنده ظاهر. فمتى ما تحققت هذه المعرفة، وعظمت تحقق الافتقار التام إلى الله والاستغناء به عما سواه، وبذلك تتحقق العبودية لله عز وجل. وكما مر، الناس تفاوتون في هذه المعرفة، وبذلك يتفاوتون بهذا الافتقار، ويتفاوتون بهذه العبودية لله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: «فانظر كيف كانت هذه الأسماء الأربعة جماع المعرفة بالله، وجماع العبودية له. فهنا وقفت شهادة العبد مع فضل خالقه ومنته، فلا يرى لغيره شيئًا إلا به وبحوله وقوته، وغاب بفضل مولاه الحق عن جميع من هو مما كان يستند إليه أو يتحلى به أو يتخذه عقدة أو يراه اليوم فاقته أو يعتمد عليه في مهمة من مهماته». أما من افتقر لله وبالله، فإنه ليس له أحد يجعله اليوم فاقته أو يعتمد إليه في يوم مهمته إلا الله سبحانه وتعالى وحده. وأما من ضعفت عبوديته لله وتوكله عليه سبحانه، فيجعل في قلبه مخلوقًا ضعيفًا ليوم فاقته، ومخلوقًا ضعيفًا ليوم مهمته ليقضي بها حاجته ومهماته. وأما من كملت معرفته بالله وعبوديته له، فقلبه متوجه لله سبحانه وتعالى وحده، ويعلم أن ما في الكون بأسره إنما هي أسباب جعلها الله عز وجل أسبابًا، فهو قادر على أن يقبل بها أو يذهبها، بل قادر سبحانه وتعالى على أن يعطيك ما أردت ولو أدبرت الأسباب. فالذي أنجى إبراهيم عليه الصلاة والسلام من النار، وموسى عليه الصلاة والسلام من الماء مع وجود الأسباب المضادة، هو قادر كذلك على أن يعطيك ما أردت من سؤلك ومهمتك وفاقتك، حتى ولو أدبرت الأسباب. فكيف والله هو مدبر الأسباب سبحانه وتعالى وخالقها، وهي المفتقرة إليه جل وعلا. فلذلك يكون عند العبد الذي كملت معرفته وافتقاره وعبوديته لله من البرد واليقين والاستقرار بما عند الله ما لا يجعله يفتقر إلى غيره أبدًا. قال: «فكل ذلك من قصور نظره، وانعكاسه عن الحقائق والأصول إلى الأسباب والفروع». وهذا حال من لم تكمل عبوديته ومعرفته وافتقاره إلى الله سبحانه وتعالى. قال: «كما هو شأن الطبيعة والهوى، وموجب الظلم والجهل، والإنسان ظلوم جهول. فمن جل الله له سبحانه، صدأ بصيرته، وكمل فطرته، وأوقفه على مبادئ أمور وغاياتها، ومناطها ومصادرها ومواردها، أصبح كالمفلس حقًا من علومه وأعماله وأحواله وأذواقه، يقول: استغفر الله من علمي، ومن عملي، أي من انتسابي إليهما، وغيبتي بهما عن فضل من ذكرني بهما، وافتدأني بإعطائهما من غير تقدم سبب مني يجب ذلك. فهو لا يشهد غير فضل مولاه، وسبق منته، ودوامها، فيثبته مولاه على هذه الشهادة العالية». نعم العبارة: «فيثيبه». وكذلك يثبته قال: «على هذه الشهادة العالية بحقيقة الفقر الأوسط بين الفقرين الأدنى والأعلى. فوابين أحدهم الخلاص من رؤية الأعمال حيث كان يراها ويمتدح بها ويستكثرها، فيستغرق بمطالعة الفضل غائبًا عنها ذاهبًا عنها فانيًا عن رؤيتها. الثواب الثاني: أن يقطعوا عن شهود الأحوال، أي عن شهود نفسه فيها متكثرًا بها. فإن الحال محله الصدر، والصدر بيت القلب، والنفس، فإذا نزل العطاء في الصدر للقلب، وثبت النفس لتأخذ نصيبها من العطاء، فتمتدح به وتدل به وتزه وتستطيل وتقرر إنيتها؛ لأنها جاهلة ظالمة، وهذا مكتظ بالجهل والظلم. فإذا وصل إلى القلب نور صفة المنة، وشهد معنى اسمه المنان، وتجلى سبحانه على قلب عبده بهذا الاسم مع اسمه الأول، ذهب القلب والنفس به، وصار العبد فقيرًا إلى مولاه بمطالعة سبق فضله الأول، فصار مقطوعًا عن شهود أمر أو حال ينسبه إلى نفسه، بحيث يكون بشهادة رحاله مفصومًا مقطوعًا عن رؤية عزة مولاه وفاطره وملاحظة صفاته». فصاحب شهود الأحوال منقطع عن رؤية منة خالقه وفضله، وغائب بمشاهدة عزة نفسه عن عزة مولاه. فينعكس هذا الأمر في حق هذا العبد الفقير، وتشغيله رؤية عزة مولاه ومنته ومشاهدة سبقه بالأولية عن حال يعتز بها العبد أو يشرف بها. ولذلك فالعبد كلما كملت معرفته وافتقاره لله سبحانه وتعالى، لا يزال يرى نفسه مقصرًا، لا يزال يرى نفسه مقصرًا، ويعرف أن كل ما آتاه من خير كوني أو شرعي فإنما هو من الله سبحانه وتعالى. وهذا هو حال المحسنين الذين وفقوا لأعلى مراتب الدين وارتقوا في أعلى درجات الإيمان. وهذا هو كقول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾. إلى هنا والله تعالى أعلم.