الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 55، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ الحديث النبوي حول تكوين الجنين في الرحم وتفسيره لمراحل التكوين المختلفة. يقارن بين ما جاء في الحديث وما أثبته العلم الحديث في علم الأجنة.
يشرح المقطع كيفية التوفيق بين الأحاديث النبوية المختلفة حول مراحل تخلق الجنين، ويبين أن العلم الحديث أثبت دقة هذه الأحاديث. مما يدل على صدق النبوة ورسالة الإسلام.
يشرح المقطع كيفية التوفيق بين الروايات المختلفة حول مراحل تكوين الجنين، ويبين أن التصوير الخفي يبدأ في الأربعين الأولى بينما التصوير المحسوس يحدث بعد الأربعين الثالثة. يُظهر أن هناك مراحل متتالية لتكوين الجنين تشمل النطفة والعلقة والمضغة.
يتناول المقطع بداية كتابة الشقاوة والسعادة للإنسان وفقًا للروايات والعلم الحديث، حيث يحدد الفترة الزمنية لذلك بين الأربعين الأولى والثانية من عمر الجنين. يشير إلى تأكيد العلم الحديث للروايات في هذا الشأن.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: «وهذه المسائل العظيمة القدر هي من أهم مسائل الإيمان بالقدر»، فصلوات الله وسلامه على كاشف الغمة، وهذه الأمة محمد صلى الله عليه وسلم. فإن قيل: فما تقولون في قوله: «إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة، بعث الله إليها ملكًا، فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظمها، ثم قال: يا رب، أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب، أجل؟ فيقول ربك ما شاء، ويكتب الملك». وهذا بعض ألفاظ مسلم في الحديث. وهذا يوافق الرواية الأخرى: «يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو خمس وأربعين ليلة، فيقول: يا رب، أشقي أم سعيد». ويوافق الرواية الأخرى: «أن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة، ثم يتسور عليها الملك». وهذا يدل على أن تصويرها عقيب الأربعين الأولى. وبهذا نعرف أن هذه الروايات ليس بينها تعارض، بهذا الجمع، وذلك أن المراحل الثلاثة: النطفة، والعلقة، والمضغة، تجتمع في الأربعين الأولى، ولكن اجتماعها ليس اجتماع تفصيل، وإنما اجتماع بدء تخليق. فيبدأ تخليقها في أول الأمر نطفة، ثم تتدرج فتكون علقة، ثم في آخر الأربعين الأولى تتدرج فتدخل بداية المضغة، فهي بين العلقة والمضغة. ولهذا جاء -كما ذكرها هنا- خمس وأربعين ليلة. وهذا ما أثبت العلم الحديث: أن بداية التخليق باللحم والعظم يبتدئ بعد الدخول في الأربعين الثانية، بين الأربعين والخمس وأربعين يومًا. سبحان الله، هذه الدقة بالسنة النبوية استطاع علم الأجنة الحديث أن يتبين هذا الأمر بهذه الدقة، بأجهزة حديثة وبوسائل عديدة وبمراقبة دقيقة، فوصلوا إلى هذه الحقيقة: أن ابتداء التخليق بين اللحم والعظم يكون بين الأربعين الأولى والأربعين الثانية، وبالضبط بين أربعين يومًا إلى خمس وأربعين يومًا. وهذا عين ما جاء به الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال في هذه الرواية: «لتستقر بأربعين أو خمس وأربعين ليلة»، برواية اثنتين وأربعين ليلة. بل نص بعض علماء الأجنة في العصر الحديث: أنه في الغالب يكون هذا التخليق بين اثنتين وأربعين وخمس وأربعين ليلة. فمن الذي أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا الرقم بهذه الدقة العظيمة: اثنتين وأربعين ليلة إلى خمس وأربعين ليلة؟ فيأتي العلم الحديث في هذا العصر، في القرن العشرين، فيثبت هذا. وقبل هذا ما كانوا يعلمون شيئًا عن هذا. بينما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام. ولهذا صار هذا الحديث من أعظم أحاديث دلائل النبوة وصدق الرسالة، حتى أسلم الكثير من الكفار من الأطباء حين وقفوا على هذا الحديث، فعلموا عظمة هذا الدين وأنه منزل من عند الله سبحانه وتعالى. وهذا قليل من كثير من دلائل نبوته وصدق رسالته، عليه أفضل الصلاة والسلام. وصدق رحمه الله حين قال: «وهذه المسائل العظيمة القدر هي من أهم مسائل الإيمان بالقدر»، فصلوات الله وسلامه على كاشف الغمة، وهذه الأمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأننا نعلم علم اليقين أنه لا ينطق عن الهوى، إنه إلا وحي يوحى، عليه أفضل الصلاة والتسليم. قال رحمه الله تعالى: «قيل: لا ريب أن التصوير المحسوس وخلق الجلد والعظم واللحم إنما يقع بالأربعين الثالثة، لا يقع عقيب الأولى». هذا أمر معلوم بالضرورة. فإن من يكون المراد بالأربعين في هذه الألفاظ الأربعين الثالثة، وسمى المضغة فيها نطفة اعتبارًا بأول أحوالها وما كانت عليه. أو يكون المراد بها الأربعين الأولى، وسمى كتابة تصويرها وتخليقها وتقديره تخليقًا اعتبارًا بما يقول إليه. فيكون قوله: «صورها وخلق سمعها وبصرها»، أي: قدر ذلك وكتبه، وأعلم به، ثم يفعله بعد الأربعين الثالثة. والصحيح -كما تقدم- أن ابتداء التخليق يكون في آخر الأربعين الأولى وبداية الأربعين الثانية. ولكن هذا التخليق لا يرى بالعيان، يكون بداية التخليق بين العلقة والمضغة. فالمضغة لا تظهر، والعلقة بدأت تظهر، ولكن هذه العلقة بدأ فيها هذا التخليق. فباعتبار -كما قال رحمه الله- ما يقول إليه، فهي تكتمل في الأربعين الثالثة، ولكنها تبتدئ في أول الأربعين الثانية، تبتدئ في أول الأربعين الثانية، بالضبط بين أربعين وخمس وأربعين ليلة، وتكتمل في الأربعين الثالثة. هذا هو الجمع بين الروايات. فيكون حديث مسعود باعتبار الاكتمال، والحديث الآخر -حديث ابن مسعود- والرواية في صحيح مسلم وغيرها من الروايات الأخرى، يكون باعتبار ماذا؟ الابتداء، باعتبار الابتداء. فباعتبار الابتداء في بداية الأربعين الثانية، وباعتبار الانتهاء والاكتمال فبماذا؟ الأربعين الثالثة. ولا تعارض بين الروايات. وهذا الذي أثبته العلم الحديث. وهذا الذي أثبته العلم الحديث. فيكون الروايات باعتبار المراحل، وفي بعضها دقة تفصيل، دقة تفصيل، ولا تعارض. قال رحمه الله تعالى: «أو يكون المراد به الأربعين الأولى، وحقيقة التصوير فيها، فيتعين حمله على تصوير خفي لا يدرك إحساس البشر». فإن النطفة إذا جاوزت الأربعين انتقلت علقة. وحينئذ يكون أول مبدأ التخليق، فيكون مع هذا المبدأ مبدأ التصوير الخفي الذي لا يناله الحس. وهو -كما قال رحمه الله- التصوير الخفي الذي لا يناله الحس، وهو في أول مراحل العلقة وابتداء مراحل المضغة. يعني: المضغة تدخل في العلقة، ولكن المضغة لا تكتمل مضغة إلا في الأربعين الثالثة، ولا تفتتح مضغة إلا مع بداية الأربعين الثانية التي هي مرحلة ماذا؟ العلقة. إذن: نطفة وعلقة ومضغة، كلها تظهر في الأربعين الأولى -كما جاءت به الروايات- جمعًا بين الروايات. ولكن الظاهر هو ماذا؟ نطفة، والخفي علقة ومضغة. فلا يبتدئ في أول الأربعين إلا نطفة، ثم في مراحل الأربعين الأولى تبتدئ العلقة، وفي أواخر مراحل الأربعين الأولى تبدأ ماذا؟ المضغة، تبدأ المضغة. فتبدأ المضغة من أواخر الأربعين إلى خمس وأربعين، من أواخر الأربعين إلى خمس وأربعين. وهذه المرحلة هي التي تظهر فيها مرحلة ماذا؟ العلقة، تظهر مرحلة العلقة، فتكون علقة، وفي داخلها مرحلة ماذا؟ المضغة، جمعًا بين الروايات. وهذا هو الذي أثبته العلم الحديث. فصدق رحمه الله بهذا الجواب حين قال: «فيكون مع هذا المبدأ مبدأ التصوير الخفي الذي لا يناله الحس». وهو -كما قال رحمه الله- «ثم إذا مضت الأربعون الثالثة صورت التصوير المحسوس المشاهد». وهذا هو اكتمال المضغة، يعني: المضغة تكتمل في الأربعين الثالثة. قال: «فأحد التقديرات الثلاث متعين، ولا بد، ولا يجوز غير هذا البتة». إذ العلقة لا سمع فيها ولا بصر ولا جلد ولا عظم. وهذا التقدير الثالث أليق بألفاظ الحديث وأشبه وأدل على القدرة. وهو -كما قال رحمه الله- وصدق، وصدق، وأصاب فيما ذكره رحمه الله تعالى. فورجح الآن القول الثالث، وهو أنه يكون تصوير خفي للمضغة، وعند اكتمال المضغة يكون التصوير المحسوس بوجود هيئة الجنين. قال رحمه الله تعالى: «والله أعلم بمراد رسوله». غير أننا لا نشك أن التخليق المشاهد والتقسيم إلى الجلد والعظم واللحم إنما يكون بعد الأربعين الثالثة. وصدق رحمه الله، فإن التقسيم المشاهد المحسوس إلى جلد وعظم ولحم وبداية الأعضاء إنما يكون في الأربعين الثالثة. وأما بداية هذا فعلى ما جاءت به الروايات وأثبته العلم الحديث، يكون في بداية الأربعين الثانية وآخر الأربعين الأولى، يعني: من أربعين إلى خمس وأربعين -كما أثبتته الروايات- وكما جاء به العلم الحديث مؤكدًا ذلك. قال رحمه الله تعالى: «والمقصود أن كتابة الشقاوة والسعادة وما يلقاه العبد عند أول تخليقه». إلى هنا -إن شاء الله-.