طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 56

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 56

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 56، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في شرح الأحاديث الضعيفة ومعناها الصحيح

يبدأ الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك بشرح حديثين ضعيفين الإسناد ولكن صحيحي المعنى حول قدرة الله على الهداية والضلال، الأول يتعلق بالرضا بقدر الله والثاني بدور النبي وإبليس في الهداية والضلال.

فهم القدر والإرادة الإلهية وعلاقتها باختيار الإنسان

يناقش المقطع مفهوم القدر وعلاقته بإرادة الإنسان واختياره، موضحًا أن علم الله السابق لا ينافي حرية الإنسان في الاختيار، مستخدمًا مثل صاحب المال وعماله لتوضيح أن علم الله بالأمور لا يُلزم الإنسان بسلوك معين دون إرادة منه.

القدر والإرادة الإلهية ومراتبها

يشرح المقطع مفهوم القدر والإرادة الإلهية، ويبين أن كل شيء مكتوب ومقدر من الله، وأن العبد يملك إرادة ومشيئة يثاب أو يعاقب عليها، ويحذر من اتباع السبل الضالة ويؤكد أهمية اتباع الصراط المستقيم.

تتمة الكلام عن مراتب القدر الأربعة

يشرح صحة معنى رواية ضعيفة السند حول القدر، ويشير إلى وجود روايات كثيرة تدور حول إثبات القدر لله بمراتبه الأربعة، ويُثبت أن معنى الرواية الضعيفة صحيح.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام بن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين وباب السعادتين»: قال، وذكر الطبري من حديث مالك بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لابن مسعود: «لا تكثر همك؛ قال: ما يقدر يكن، وما ترزق يأتك». والحديث كما أشار فيه انقطاع بسبب الإرسال، وقد ذكره الشيخ الألباني رحمه الله في «ضعيف الجامع». والشاهد منه أنه أمر بالرضا بما يأتي من قدر الله عز وجل، وأنه لا حاجة للإنسان أن يهتم بشيء قد قدر. ومعنى هذا الحديث صحيح بحديث ابن عباس وغيره من الأحاديث الأخرى التي تقدمت. قال رحمه الله: وذكر عن طارق بن شهاب، عن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بعثوا داعيًا ومبلغًا، وليس إلي من الهدى شيء، وخلق إبليس مزينًا، وليس إليه من الضلالة شيء». وهذا كذلك ضعيف كما أشار في التعليق، ومعناه صحيح. والمعنى أن الله عز وجل بعث نبيه عليه الصلاة والسلام يدعو إلى الخير والهدى، وكل ذلك ليس للنبي صلى الله عليه وسلم - يعني - لا يملك أن يهدي الناس هداية التوفيق، ولكنه يملك هداية ماذا؟ الدلالة والإرشاد. وهذا هو ما يجمع بين الأدلة بقوله سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: ترشد وتدل. وقوله سبحانه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ أي: لا تملك أن توفق أحدًا للهداية إذا لم يرد ولم يجعل الله عز وجل ذلك. وهكذا كذلك إبليس، إبليس حريص على ضلال الناس، ومع ذلك فهو لن يضل إلا من اتبعه، ومن قدر الله عز وجل. فمعناه صحيح وإن كان إسناده ضعيف. قال: وقال ابن وهب: أخبرنا عبد الرحمن بن سلمان، عن عكريم، عن ابن عباس، قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم، فسمع ناسًا من أصحابه يذكرون، فقال: «إنكم» - وفي رواية: «يذكرون القدر» - قال: فقال: «إنكم قد أخذتم في شعبتين بعيدتي الغور فيهما، هلك أهل الكتاب من قبلكم». ولقد أخرج يومًا كتابًا، فقال: «هذا كتاب من الله الرحمن الرحيم، فيه تسمية أهل الجنة بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم وعشائرهم، مجمل على آخرهم، لا ينقص منهم أحد، فريق في الجنة، وفريق في السعير». وتقدم معنا أن هذا الحديث كذلك فيه ضعف، ومعناه صحيح. وما أشار إليه لا ينافي ما أخبر الله عز وجل به من إرادة العبد واختياره ومشيئته. فما سبق في علم الله، وما أمر الله عز وجل به كتابته وقدره حق وصدق. والقدر سر الله سبحانه وتعالى، ولا ينافي عمل العاملين وإرادتهم ومشيئتهم. فالذي أخبر بعلمه السابق هو الذي قال سبحانه: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَجْدَيْنِ﴾، وهو القائل سبحانه: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾. وكل هذه الأدلة وغيرها، ومرت معنا بعض الأمثلة التي تقرب المعنى. ولله المثل الأعلى، فمن كمال ربوبيته سبحانه وتعالى وسعة علمه: أنه لا يخفى عليه شيء من أمر خلقه، ومن ذلك أنه يعلم من يوفق لطريق الجنة ومن يوفق لطريق النار. وعلمه ذلك لا يعني أن من سلك طريق الجنة ألزم بذلك ولم يختر هذه الطريق، ولا يعني من سلك طريق النار أنه ملزم بذلك ولا يختار غير هذه الطريق. وضرب مثلًا - ولله المثل الأعلى - بحال الأب مع أبنائه، ولله المثل الأعلى، وكذلك صاحب المال مع عماله. فإن قال صاحب المال: فلان سيخونني، وفلان سيجتاز الامتحان وسيظهر أنه أمين. قال: هذا بحسب معرفة وخبرة بعماله، فوقع بمثل ما أخبر في الامتحان الذي امتحن فيه عماله. فهل يصلح أن يقول من أخفق في الامتحان: قد أخبرت بأنني سأخفق، فلا تعاقبني. ولا يصح لك أن تعاقبني في ذلك. لو قال ذلك لاستحق العقوبة مرتين: الأولى لأجل خيانته، والثانية لأجل استدلاله بما لا يصح الاستدلال به. وهكذا صاحب القدر لو استدل بالقدر على معاصيه لاستحق العقوبة مرتين: أولًا لأجل معصيته، والثاني لأجل استدلاله بما لا يصح الاستدلال به. قال رحمه الله: في الترمذي عن ابن عباس، قال: «ردفت رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا، فقال: يا غلام، ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟ احفظ الله تجد أمامك، تعرف على الله في الرخاء يعرفك بالشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله. رفعت الأقلام وجفت الصحف. لو جهدت الأمة على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو جهدت الأمة على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك. وأعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا». وهذا حديث صحيح قد تقدم معنا. والشاهد منه قوله عليه الصلاة والسلام: «وأعلم أن الأمة لو أرادوا أن ينفعوك بشيء - إلى آخره -» وكذلك بقوله: «رفعت الأقلام وجفت الصحف». فأمر الله عز وجل بكتابة ما عليه الناس، وقد جفت الصحف بذلك. ومع ذلك - كما تقدم وتكرر - لا يعني ذلك أن العبد لا يملك إرادة ولا مشيئة، بل يملك إرادة ومشيئة. وهذه الإرادة والمشيئة بها يثاب أو يعاقب. وما سبق من علم الله سبحانه وتعالى ليس عليه الثواب والعقاب، وإنما الثواب والعقاب على ما يعمله العاملون. ولهذا جعل الامتحان والابتلاء في هذه الدنيا، فجعل الله عز وجل طريقًا وسبيلًا إلى الجنة، وطريقًا وسبيلًا إلى النار. فمن سلك طريق الله نجأ، ومن سلك غيره هلك. وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل. حذرنا الله عز وجل من اتباع السبل: ﴿اهْدِنَا الصِرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. وهكذا كذلك الأدلة كثيرة في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. «افترقت اليهود إلى 71 فرقة، وافترقت النصارى إلى ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة». قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: «هم من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي». رواية فيها كلام، ومعناها صحيح، ويحسنها بعض أهل العلم. فالشاهد هذا وغيره يدل على هذا المعنى. والقدر سر الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: في بعض روايات الحديث بغير الترمذي: «فلو أن الناس اجتمعوا على أن يعطوك شيئًا لم يعطه الله لم يقدروا عليه، ولو أن الناس اجتمعوا على أن يمنعوك شيئًا قدره الله لك وكتبه لك ما استطاعوا، فاعبد الله بالصبر مع اليقين». وهذه الرواية ضعيفة، ولكن معناها صحيح. معناها صحيح كما أشار بالتعليق. معناها صحيح، وبهذا هذه الرواية بسندها ضعيفة، ويغني عنها ما تقدم. وفيها روايات كثيرة، ومدارها على إثبات القدر لله سبحانه وتعالى بمراتبه الأربعة. ما هي مراتب القدر الأربعة؟