الدرس في شرح اللآلئ البهية 45، الدرس الخامس والأربعون :فيه : (والحاصل أن الواجب على العامي مثلي ... وللشافعي درورم لابن حنبل ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش الشيخ رأي المرداوي في وجوب تقليد العامي لأحد الأئمة الأربعة ويبين عدم صحته، ويؤكد على أخذ الدين من الكتاب والسنة وسؤال أهل العلم. يُظهر أهمية الرجوع المباشر إلى المصادر الأساسية للدين.
يتناول المقطع مفهوم الاجتهاد والتقليد في العقيدة، ويشدد على أن الاعتقاد الصحيح هو ما اتفق عليه الأئمة الأربعة، مع التحذير من التمذهب والتفرق. يُبرز أهمية الاجتهاد المبني على الدليل والحجة.
ينتقد المؤلف لعدم دقته في وصف أبي الحسن الأشعري، ويوضح أن الأشعري لم يكن دائمًا على مذهب أهل السنة. يشير إلى أن الخلاف بين الأئمة لا يستدعي التبديع أو التكفير.
يختتم الدرس بالإشارة إلى أن بعض النقاط ستُناقش في الدرس اللاحق، مع الدعاء بالتوفيق والسلامة. يُظهر الاستمرارية في مناقشة المواضيع الهامة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بالله الرحمن الرحيم. قال المرداوي رحمه الله تعالى: قال والحاصل أن الواجب على العامي مثلي تقليد أحد هؤلاء الأئمة الأربعة الذين انعقد الإجماع على تقليدهم في الفروع والأصول، إذ الحق لا يخرج عنهم، ولأن معنى الكتاب والسنة مندرج تحت مذاهبهم، فمن ذلك صار اختلافهم رحمة وإجماعهم حجة، وتحرم مخالفتهم، بل يجب تقليد واحد منهم، وهي رواية قوية أخذ بها جمع كثيرون من أصحابنا الحنابلة وغيرهم، فمقلدهم مثاب مأجور، إذ هو الحق على القول المشهور. وهذا الكلام منه رحمه الله تبع لما سبق، وفيه نظر. فما ذكره رحمه الله تعالى ليس بصحيح. أولاً، إلزام العامي بالتقليد ليس بصحيح، بل هذا سبب لتفرق الأمة. فالتقليد بالمعنى الذي أراده المؤلف رحمه الله ليس بصحيح، فهو مدموم في الكتاب وفي السنة. ولا يجوز لأحد أن يتخذ إنساناً يأخذ بقوله من أوله إلى آخره ويتخذه ديناً، بل الواجب عليه أن يتخذ الدين من كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وما فهم من كلام سلف الأمة. ولا بأس أن يصل إلى ذلك بالعالم الذي يتقي في دينه وفي علمه، لا بأس أن يصل إلى ذلك الحق بالعالم الذي يتقي بعلمه ودينه، بأن يسأله، كما قال سبحانه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. فإذا كان المعنى الأول فهو ليس بصحيح، وإن أردنا بالتقليد سؤال أهل العلم، فهذا هو إمكان العامي. والصحيح أننا لا نسمي ذلك تقليداً. سؤال العامي لمن علم عما اقتضاه الحكم الشرعي ليس هذا بتقليد. وعلى الصحيح، سواء سأل عن الدليل أو لم يسأل عن الدليل، ليس بتقليد؛ لأن التقليد هو اتباع من قوله ليس بحجة بغير حجة. وأما الأخذ بقول من قوله حجة كالعالم، فهو ليس بتقليد. وزيادة على ذلك، إذا سأله عن الدليل فهو أولى وأكمل. لكن ليس في إمكان العامة السؤال عن الدليل في كل قضية، ولا العامي يفهم حتى إذا أعطي الدليل. ليس العامي ممن يفهم الدليل في الغالب. العامي لا يفهم الدليل، لكن حسبه أن يسأل من ظن فيه العلم والديانة عن الكتاب والسنة. فيقول مثلاً: ما حكم الله في هذه المسألة؟ ماذا تقول أدلة الكتاب والسنة في هذه المسألة؟ وهكذا. أو كما قال ذاك الرجل للنبي عليه الصلاة والسلام: «اقض بيننا بكتاب الله». فقال: «لأقضين بينكما بكتاب الله». ونحو ذلك. وقوله كذلك عن نفسه أنه عامي، هذا كذلك خطأ آخر. فإذا كان مثل المرداوي رحمه الله يصير مثل العامي ويلزمه على ما يقول ويجب عليه التقليد، فكيف يكون العلماء الذين أمروا بإجابة الناس ودلالتهم إلى طريق الخير والبر؟ وهذا ينبني على المسألة التي سبقت، وهي أنه لا وجود للاجتهاد. وهذا ليس بالصحيح، بل الصحيح أن الاجتهاد لا يزال ولم يزل ولا ينقطع، وأن الاجتهاد يتبعض، فيجوز لمن عنده علم في مسألة أن يجتهد فيها إذا كان عنده الأهلية لها. وهكذا كذلك الأمر الثالث، قوله رحمه الله تعالى بأن إجماعهم حجة، أي إجماع الأئمة الأربعة. سبق أن هذا ليس بصحيح، بل الإجماع الذي هو الحجة كما مر معنا هو إجماع السلف، وهو الإجماع الذي لا ينقض باختلاف، كما قال الشافعي: «إذا قلت أجمع، لم تجد أحداً يخالفك». وهكذا كذلك الأمر الرابع، قوله: «مقلدهم مثاب مأجور». فهذا ليس بصحيح، فالحق لا يعرف بقول الأئمة الأربعة، ولكن الحق يعرف بالدليل والحجة والبرهان، ولو كان القائل به غير الأئمة الأربعة. قال رحمه الله تعالى: وقد قلت في ذلك بحثاً ضمنته في بيتين، وهما قلت: والتقليد ليس بمنكري، إذ المؤذن مقلد في الأشهرى، ولا زال أصاغر الصحابة يقلدون الكبار من ذوي الإصابة. وهذا كذلك ليس بصحيح، فالتقليد بالمعنى السابق مذموم، بل هو منكر. وليس كما قال: «ليس بمنكري»، لأن أدلة الكتاب والسنة ترده. الله يقول: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾. وسمعنا كلاماً لأئمة فيما سبق. وقوله: «إذ المؤذن مقلد في الأشهرى» ليس بصحيح، أن المؤذن مقلد، بل المؤذن متبع للحجة والبرهان. أخبر بأن الفجر طلع فأذن، فهو متبع للحجة والبرهان. وقوله: «ولا زال أصاغر الصحابة يقلدون الكبار من ذوي الإصابة» كذلك ليس بصحيح، بل لا يزال الصغار يسألون الكبار عن الدليل والحجة والبرهان، فيأخذون به، ليس يتابعونهم بغير حجة وبرهان. والآثار عن الصحابة في مخالفة الصغار للكبار بمقتضى الدليل والبرهان كثيرة. هذا عبد الله بن عمر حين أخبر في أمر المتعة، وأخبر أن السنة المتعة، أي متعة الحج، فأخبر أن أبا بكر وعمر خالفا بذلك. فقال: «أقول لكم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون قال أبو بكر وعمر». وعبد الله بن عباس في أمر المتعة كذلك، لما أخبر بقول أبي بكر وعمر، قال: «يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول لكم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون قال أبو بكر وعمر». وهكذا كذلك مراجعة الصحابة بعضهم لبعض كثيرة. فراجع أبو موسى عمر رضي الله عنه، وراجع ابن مسعود أبا موسى، وراجع علي عثمان. ولا يزال الصحابة يراجع بعضهم بعضاً في مسائل معلومة كثيرة، بمقتضى مدلول عليه الدليل. فليست متابعة الصغار الكبار عن تقليد، ولكن عن علم عندهم، فهو اتباع كما أمر الله: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. قال رحمه الله تعالى: وقد ألف بعض أفاضل متأخري الشافعية، هو العلامة المحقق الشيخ الصوفي حسين الدوسري، كتاباً لطيفاً رد فيه على من ادعى الاجتهاد وهو قاصر عنه، مفيد جداً، سماها «القول السديد في حرمة الاجتهاد ووجوب التقليد». فليراجع. وهذا شنيع، كيف يمكن أن يقال أن الاجتهاد ممنوع ومحرم، والتقليد واجب؟ فلهذا معارضة لأدلة الكتاب والسنة. مع التنبيه أن الناس في الاجتهاد طرفان ووسط. فالناس في الاجتهاد طرفان مذمومان ووسط. طرف مذموم وهم الذين قالوا بحرمة الاجتهاد مطلقاً، فمنعوا باب الاجتهاد، وهذا خطأ. وطرف آخر كذلك فتحوا باب الاجتهاد على وجه أهوج، فكان في ذلك التضيع للأحكام الشرعية وجرأة وخروج عن الضوابط الصحيحة للاجتهاد. والوسط هو الاجتهاد الصحيح المعتبر بضوابطه الشرعية، على ما ذكره العلماء في كتبهم، وسار عليه أهل العلم جيلاً بعد جيل. قال رحمه الله: فلما كان كذلك، قال الناظم رحمه الله: هذا اعتقاد الشافعي ومالك وأبو حنيفة ثم أحمد. ينقل. وقلنا أن مراد ابن تيمية رحمه الله في هذا النظم: «هذا اعتقاد الشافعي ومالك» ليس مراده أي تقليدهم كما فهم الشارح، ولكن مراده إشارة إلى أن هؤلاء الأئمة الأربعة هذه عقيدتهم، وأكثر الناس على أحد هذه المذاهب الأربعة في الفقه، فيلزمهم من باب أولى أن يكونوا كذلك في العقيدة. وليس هو إقراراً لهذا التمذهب وهذا التفرق، وإلا فقد ذكر في كتبه رحمه الله تعالى ما يذم ذلك بشيء مبسوط كثير. قال رحمه الله: هذا الذي ذكرته بنظمي واعتقدته بقلبي من أمهات مسائل الاعتقاد، ومما أجمع عليه المسلمون الحاضر منهم والباد، هو اعتقاد الإمام محمد بن إدريس الشافعي، واعتقاد الإمام عالم دار الهجرة مالك بن أنس، وأبو حنيفة الإمام الأعظم النعمان. ثم صرح بأن هذا اعتقاد إمام السنة وقامع البدعة إمامنا أحمد بن حنبل الشيبان، رحم الله الجميع ورضي عنهم ونفعنا بعلومهم وعاد علينا من بركاتهم. ثم قال الناظم: «ينقلوا» بضم الياء، إشارة إلى ما نقله عنهم الأئمة النقلة الذين دونوا مذاهب السلف. ولكل من هؤلاء الأئمة الأربعة فضائل لا تحصى، وقد دونت في مجلدات، يعني فضائل هؤلاء الأئمة الأربعة في تراجم خاصة وفي ضمن تراجم عامة. قال: ففي هذه الأبيات إشارة إلى أن ما ذكرناه في هذه العقيدة أنه مما اتفق عليه الأئمة الأربعة المذكورون رضي الله عنهم، ومما حكى عنهم مقالات السلف ممن تقدم ذكره. فكل منهم - أو فكل منهم - الحق ظاهر، كما قال في التعليق: «معه الحق» أو «فكل منهم على الحق». لا بد من إضافة كلمة يصح ويستقيم بها الكلام. قال: وإن كان قد وقع الخلاف بين الشيخ أبي الحسن الأشعري شيخ أهل السنة ومن الشافعية وغيرهم، وبين الإمام أبي حنيفة في آخر من أصول مسائل الدين، لكنها يسيرة لا تقتضي تكفيراً ولا تبديعاً. وهذا كذلك فيه نظر. وقد علق الشيخ الفوزان رحمه الله بحفظه الله تعالى بأن أولاً وصف أبي الحسن الأشعري بأنه شيخ أهل السنة فيه مبالغة. فأبو الحسن الأشعري كان على طريقة المعتزلة، ثم على طريقة الكلابية، ثم صار له مذهباً هو المشهور بمذهب الأشاعرة، ثم رجع عنه على القول الصحيح، ولكنه لم يرجع رجوعاً كلياً كاملاً. أراد أن يرجع، لكن بقيت عليه مخلفات. وهذا حال من دخل في طريق أهل البدع وانغمس فيه، فإنه ولو تأب يتوب توبة مجملة، أما التوبة المفصلة فإنها تحتاج منه إلى وقت حتى يفهم، وكذلك يمر بدقائق ما كان تكلم به على خلاف السنة، فيرجع فيتكلم به على السنة. ومن ذلك العبارة اللطيفة التي نقلها ابن العربي رحمه الله تعالى عن شيخه الغزالي، قال: «إن شيخنا - يريد الغزالي - قال: ابتلع علم الكلام، فأراد أن يتقيأه فما استطاع». لأن الغزالي تاب في آخر حياته وترك علم الكلام ورجع إلى ما عليه أهل السنة، لكنه لم يستطع أن يخرج كل البدع التي كان قد انشغل فيها في أول حياته وفي سنين طويلة من حياته. فهو كما قال تلميذه ابن العربي: «قال ابتلع شيخنا علم الكلام، فأراد أن يتقيأه فما استطاع». يعني لو يريد يخرج علم الكلام من جوفه، من يستطيع؟ يحتاج منه وقت طويل، أقل الأحوال بمثل الوقت الذي دخل في جوفه هذا العلم، يحتاج إلى وقت مثله حتى يخرج، وحتى يصحح كل مسألة على ما كان قد دونها بعلم الكلام، يعدلها على ما تقتضيه أصول أهل السنة. لكن العلماء استفادوا من عباراته المجملة، أي أبي الحسن الأشعري، على أنه من أهل السنة جملة. وفي تفاصيل وافق أهل السنة بعد رجوعه، لكن توجد تفاصيل أخرى في بعض كتاباته لم يرجع فيها رجوعاً كاملاً صحيحاً إلى قول أهل السنة. والجمعة وبهذا نعرف الخطأ الذي عبر به المؤلف رحمه الله أولاً، وصفه أنه من أهل السنة وأئمتهم، فليس الأمر كذلك. وثانياً، أن خلافه مع بعض أهل السنة بأمور يسيرة لا تقتضي التبديع، وهذا ليس بالصحيح. بالنسبة لمن قاله وهو جاهل، لا يبدع، وإن كان القول بدعة. القول بدعة، لكن القائل غير مبتدع، وفرق بين المسألتين. وهكذا كذلك ما ذكره عن أبي حنيفة، فإنه يروى عنه قول في الإرجاء، أخذه عن شيخه حماد بن أبي سليمان، وهو ما يسمى بمذهب مرجئة الفقهاء. فهذا القول ليس هو بصواب، وهو قول أهل السنة. وقيل أنه رجع عنه، وقيل لم يرجع. الخلاصة أن الصواب فيما عليه عامة أهل السنة، وما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. قال رحمه الله: وقد نظم الشيخ تاج الدين السبكي هذه المسائل المختلف فيها. والسبكي أشعري. ومما يدلك على أن المؤلف لم يكن دقيقاً في معرفة مذهب أهل السنة والتمييز بينهم وبين الأشاعرة، أي الشارح. قال رحمه الله: وقد نظم الشيخ تاج الدين السبكي هذه المسائل المختلف فيها في أبيات فائقة، ذكرها في آخر كتاب المسمى بالسيف المشهور في عقيدة الأستاذ أبي منصور. وأبو منصور هو الماتريدي، ليس من أهل السنة. قال: تركناها هنا إيثاراً للاختصار. وقد جمع بعض الفضلاء وفيات هؤلاء الأئمة الأربعة في بيت مفرد بقوله: فنعمانهم قال وطعق لمالك وللشافعي در ورمل بن حنبلي. يعني على طريقة معرفة الحروف بالأرقام في أبجد هوز إلى آخره. قال: ثم حث الناظم رحمه الله تعالى على اتباع هؤلاء الأئمة في الأصول والفروع، لما تقدمت، أو لما تقدم في البيت قبله. فقال: طيب. هذا نتركه في الدرس اللاحق إن شاء الله تعالى حتى لا نطيل، والله تعالى أعلم. شكراً.