كتاب الحج 57

كتاب الحج 57

الدرس في كتاب الحج 57، الدرس السابع والخمسون : من : (17-باب طواف الإفاضة والوداع ... وليس عليها فداء لتركها الطواف ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام طواف الإفاضة والوداع

يشرح المقطع طواف الإفاضة والوداع في الحج وأهمية التعجيل بذلك لمن خشي مانعًا، كما يبين أن طواف الوداع غير واجب على الحائض.

حكم المرأة التي لم تطوف طواف الإفاضة

إذا لم تتمكن المرأة من طواف الإفاضة، فيجب عليها البقاء أو الرجوع إذا أمكن، وإلا فعليها أن تطوف بغير طهارة أو تتحلل بذبح.

أحكام الحائض واستخدام حبوب تأخير الحيض

يتناول المقطع أحكام الحائض في الحج ووجوب انتظارها حتى تنتهي من حيضها، كما يطرح مسألة استخدام الحبوب لتأخير أو تعجيل الحيض.

مسائل متفرقة في الوضوء

إذا تم غسل نصف الرأس في الوضوء ثم قصر الرجل شعره، فهذا يعتبر كافيا لأن الغسل وصل إلى جزء من الرأس.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. قال الحافظ عبد الغني المقدسي، رحمه الله تعالى: باب طواف الإفاضة والوداع، الحديث الثالث والأربعون بعد المئة. عن عائشة رضي الله عنها قالت: حججنا مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأفضنا يوم النحر، وحاضت صفية، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم ما يريد الرجل من أهله. فقلت: يا رسول الله، إنها حائض. فقال: «حابستنا هي». فقالوا: يا رسول الله، إنها قد أفاضت يوم النحر. قال: «أخرجوا». وفي لفظ: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عقرى حلقة، أطافت يوم النحر؟» قيل: نعم. قال: «فانفري». أورد الحافظ عبد الغني المقدسي، رحمه الله تعالى، هذا الحديث في سياق ذكره لأحكام الحج، وفي باب طواف الإفاضة والوداع، يعني شيئًا من أحكام طواف الإفاضة والوداع. وأقرب الألفاظ إليه هو لفظ الإمام البخاري، رحمه الله، بحديث 1733. قال رحمه الله تعالى: حدثنا يحيى بن بكير، قال: حدثنا الليث عن جعفر بن ربيعة عن الأعرج، قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن عائشة رضي الله عنها قالت: فذكر الحديث. غير أنه قال: فأراد النبي صلى الله عليه وسلم منها ما يريد الرجل من أهله. زاد لفظة «منها». وقال: فقال «حابستنا هي» من دون همزة الاستفهام. وقال: فقالوا، بدلًا من «قالوا». قالوا: يا رسول الله، أفاضت يوم النحر، من دون قوله «إنها قد». الغريب: قوله «أفضنا يوم النحر»، طاف الماء إذا سال، وسمي طواف الزيارة طواف الإفاضة؛ لزحف الناس ودفعهم بكثرة في بطاح مكة إلى البيت الحرام، فالناس يفيضون. ولأن الله عز وجل سماه إفاضة: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس. قولوا: «أحابستنا»، الاستفهام للإنكار والإشفاق مما يتوقع. ووجه الإنكار تأخرها عن طواف الإفاضة. وفيه دليل على وجوب التعجيل لمن خشي أن يمنعه مانع. وجوب التعجيل بطواف الإفاضة لمن خشي أن يمنعه مانع. ثالثًا: «عقر حلق»، وروي «عقري حلقي» بفتح الأول منهما وسكون الثاني، يعني العين مفتوحة والقاف مسكونة أو مفتوحة والقصر بغير تنوين. هكذا يرويه الأكثرون، بوزن غضبًا أو غضبي؛ لأنه جاء على المؤنث. والمعروف في اللغة التنوين، مثل سقيا ورعيا. هكذا قال سيبويه وأبو عبيد. ومعناه الدعاء عليها بالعقر، وهو مثل الجرح في جسدها. فتقول مثلًا: عقر بعير فلان، يعني جرح قد يكون قتل، وقد يكون جرح بما أوجب سقوطه وتبرئة. قال: والدعاء عليها بوجع الحلق أيضًا، وهذا مما جرى مجرى اللسان ولم يقصد لفظه. والمراد منه التألم والغضب، وليس المراد منه الدعاء. قال: وخرج، قال: وخرج الزمخشري معناه على أنهما صفتان للمرأة المشؤومة، أي أنها تعقر قومًا وتستأصلهم. ويحتمل أن يكون مصدرين مثل الشكوى، ولم يقصد منهما حقيقة الدعاء. وإنما هما لفظان يجريان على لسان العرب، كتربت يداك وثكلتك أمك. وهذا هو الصواب. فليس بالإسلام شؤم، لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر. وفي حديث ابن عباس: «كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يتشاءم ولا يتطير، ويعجبه الاسم الحسن». قال: «فانفري» بكسر الفاء وضمها، والكسر أفصح، وبه جاء القرآن: «انفروا خفافًا وثقالًا». ومعنى أخرجي، والمراد بالنفر هو الخروج على وجه الجماعة، أي مع الجماعة. ولهذا تجد أن هذا اللفظ في الغالب لا يطلق إلا في حق الجماعة. نفرة الحج ما تكون لمفرد الإنسان، وإنما ينفر حيث ينفر الناس. وهكذا نفرة الجهاد، ينفر حيث ينفر المجاهدون. والمعنى: أخرجي كما يخرج الناس. المعنى الإجمالي: ذكرت عائشة رضي الله عنها أنهم حجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، فلما قضوا مناسكهم أفاضوا ليطوفوا بالبيت العتيق، ومعهم زوجة صفية رضي الله عنها. فلما كان ليلة النفر حاضت صفية، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يريد منها ما يريد الرجل من أهله. فأخبرته عائشة أنها حاضت، فظن صلى الله عليه وسلم أنه أدركها الحيض فلم تطف طواف الإفاضة. وفي هذا دليل على أن طواف الإفاضة مما يعلق به الحج، وهو على القول الصحيح، بل هو القول الذي لا شك فيه، أنه ركن من أركان الحج لا يتم الحج إلا به. فإذا وقع أن المرأة لم تطوف طواف الإفاضة، فماذا تصنع؟ الواجب أنها تطوف طواف الإفاضة وتبقى وتنتظر. فإن كان رفقتها سيذهبون ولا يمكنها البقاء وحدها، فماذا تصنع؟ اختلف أهل العلم في هذا على ثلاثة أقوال. منهم من قال: تذهب ولا تطوف، وهذا قول ضعيف. والقول الثاني: أنها تذهب ويجب أن ترجع، وهذا هو الواجب لمن يستطيع ذلك. والقول الثالث: تطوف بغير طهارة بعد التحقق، وهذا القول أفتى به شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، خصوصًا يقال به لمن يأس واستيقن عدم استطاعته الرجوع. وذلك لأن الطهارة اشتراط الطهارة في الطواف فيه نزاع، وقد مر معنا الكلام عليه في أوائل كتاب الحج. فعلى هذا القول تكون هذه الفتوى للضرورة على هذا الوصف، وبه كان يفتي شيخنا محمد بن صالح العثيمين، رحمه الله تعالى. طيب إذا ذهبت وظنت أنها تستطيع الرجوع، فما حالها؟ أهي محرمة أم غير محرمة؟ الجواب: هي محرمة، تبقى على إحرامها حتى ترجع وتطوف طواف الإفاضة، فتكمل بذلك الحج. فإن ظنت أنها تستطيع الرجوع ثم تعسر عليها ولم تستطع الرجوع، وكذلك لم تستطع الانتظار بالإحرام سنين طويلة يشق ذلك عليها، فماذا تصنع؟ ذهب بعض أهل العلم إلى أنها إذا وقع منها أو لها مثل ذلك، فإنها عند ذلك تتحلل للضرورة، أي الضرورة التي تقع بها والمشقة، خصوصًا إذا كانت متزوجة فيشق عليها وعلى زوجها بقاؤها بإحرامها. أن تتحلل، وأن المشقة تجلب التيسير. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يتم لها تحلل إلا بذبح ذبيحة كذبيحة المحصر. وهذا الثاني هو الأرجح؛ لأنها محرمة، وقد دلت الأدلة على أن من منعه مانع من استمراره في حجه أو عمرته، فإنه لا يتحلل من ذلك إلا بذبيحة، هي ذبيحة المحصر، وهي مثلها كمثل المحصر. والله يقول: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. وهذا هو الصواب. فإذا ضنت الرجوع فلم يتيسر لها الرجوع، وبقيت بإحرامها وخشيت الضرر على نفسها وعلى غيرها، فماذا تصنع؟ الجواب: إذا أرادت أن تتحلل، فتتحلل بذبح ذبيحة: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. وهل حجها صحيح؟ الجواب: لا، حجها غير صحيح، عليها أن تعيد الحج مرة أخرى. وإن طافت قبل ذلك متحفظة، صح حجها للضرورة على الوصف الذي سمعنا، وبه أفتى من سمعنا. قال رحمه الله تعالى: لأن هذا الطواف ركن لا يتم الحج بدونه. قال صلى الله عليه وسلم: «أحابستنا هي»، يعني: حتى تنتهي حيضتها وتطوف لحجها. ومعنى ذلك أنها لو لم تطف لم يخرج النبي عليه الصلاة والسلام، ولبقي حتى تطهر. وهذا هو الواجب، فلا يجوز لمسلم يستطيع التأخر مع زوجته أو أخته أو أمه أو ابنته، ابتليت في الحيض أو النفاس ولم تطف طواف الحج، أن يسافر. بل يجب عليه الانتظار. بعض الناس يقول: أنا مضطر للسفر، ما أستطيع أن انتظر. ليش؟ قال: الرحلة يوم السبت. طيب الرحلة يوم السبت، أجلها السبت الثاني، أجلها بعد شهر. «وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم»، هذا هو الواجب. فإن كان لا يمكن، وصدق في قوله لا يمكن، ووقع في الضرورة، والله أعلم بمن وقع في الضرورة، فإنه عند ذلك يكون على أحد أمرين كما سبق. إما إن كان يستطيع الرجوع ذهابًا ثم رجوعًا، مثل الذين هم داخل المملكة في أطرافها، إما في شمالها أو جنوبها أو شرقها أو غربها، أو في المناطق الوسطى، أو كان من دول الخليج، يستطيع أن يرجع بيسر. أو كان مقيمًا ويستطيع الرجوع وهو في اليمن أو الدول المجاورة، فيجب عليه الرجوع. فإن كان لا يستطيع الرجوع، وهو يجزم أنه لا يستطيع له الرجوع، ويشق ذلك عليه وعلى هذه المرأة، فعند ذلك تطوف متحفظة. وهذا كله إذا وقع في الضرورة، وأما إذا لم يقع، فيجب أن ينتظر. فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانتبه أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو إمام الدنيا، ليس إمام عصره بل إمام الدنيا. ومع ذلك قال عليه الصلاة والسلام: «أحابستنا هي»، يعني: لو أنها لم تطف طواف الإفاضة لم يسافر عليه الصلاة والسلام، بل سينتظر من أجلها. وليس عنده زوجة واحدة، بل زوجات، لكن لأجل هذه الزوجة الواحدة سينتظر. وهذا هو الواجب. قال: فأخبروه أنها قد طافت طواف الإفاضة قبل حيضها، فقال: «فلتنفر». ومعنى أنها لم تطف طواف الوداع فقط، وأما طواف الحج فقد طافت. فإذا كان الأمر كذلك، فإنه لا شيء عليها. وقد جاء في حديث ابن عباس، وسيأتي إن شاء الله، أن طواف الوداع رخص عن الحائض. قال: «فلتنفر»، إذ لم يبق عليها إلا طواف الوداع، وهي معذورة في تركه، كما سيأتي إن شاء الله الكلام عليه في موضعه. ما يأخذ من الحديث: أولًا، أن طواف الإفاضة ركن من أركان الحج، لا يسقط بحال كما سمعنا. ثانيًا، أن على أمير الحج ورئيس الرفقة ونحوها انتظار من حاضت حتى تنتهي حيضها وتطوف طواف الحج. فلا يجوز لأمير الحج أو الرحلة أو سائق الباص أو ولي المرأة ألا يبالي بعدم طواف هذه المرأة طواف الحج، بل يجب عليه الانتظار. يجب عليه الانتظار لهذا الحديث؛ فإن النبي عليه الصلاة والسلام إمام الدنيا، ومع ذلك قال: «أحابستنا هي». ثالثًا، أن طواف الوداع غير واجب على الحائض، وأنها تخرج ليس عليها فداء لتركها الطواف، يعني طواف الوداع. وسيأتي إن شاء الله الكلام عليه في موضعه. وهل يقال: يجوز للمرأة أن تشرب الحبوب، حبوب تأخير الحيض أو تعجيل الحيض إذا علمت أنها سيأتيها الحيض؟ قال بعض أهل العلم بذلك. وذهب بعض أهل العلم إلى أن هذا ليس مما أمرنا به. وكانت العرب تعرف مثل هذه الأدوية، ومع ذلك ما كانوا يعملونه ولا يستخدمونه. ولا علم أن أحدًا فعله في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد جاء في بعض الروايات، في رواية مسلم: «كنا نتخوف أن تحيض صفية قبل أن تطوف»، فدل ذلك على أنهم كانوا يعرفون. والمرأة في الغالب تعرف أن حيضها قريب أو بعيد. فلذلك إذا علمت فلتعجل ما استطاعت بأعمال الحج حتى لا يضيق عليها بحصول الحيض. فإن كانت مستيقنة أن الحيض سيأتي قبل طواف الحج، فماذا تصنع؟ هل تشرب الحبوب؟ الجواب الصحيح: أن الأفضل والأكمل والأحوط لا تشرب؛ لأن هذه الحبوب أولًا تضر بها، هذه الحبوب تضر بها. لا تأمن المرأة من الضرر بشربها هذه الحبوب التي تؤخر. ومن حكمة الله ورحمته أن جعل هذا الدم يخرج من المرأة، وهو علامة من علامات العافية. فالمرأة التي لا يخرج منها دم، امرأة مريضة، ليست بالصحيحة. فإذا كان كذلك، فلا تطلب لنفسها السقم، مع ما فيه كذلك من خروج عما فرض الله عز وجل عليها النساء. فهذا هو الأفضل والأكمل. فإذا فعلت امرأة، على أن بعض أهل العلم أفتى بذلك، فهي إن شاء الله لم تقع في الحرام، لكن فعلت خلاف الأفضل والأكمل. وأخيرًا في هذا الحديث كذلك حسن عشرة النبي عليه الصلاة والسلام؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «حابستنا»، نهي، يعني سينتظر. وفيه كذلك حسن قلق الصحابيات وأزواج النبي عليه الصلاة والسلام، وإن كنا ضرائر، يعني زوجات لرجل واحد. فهذه عائشة تجيب النبي عليه الصلاة والسلام. مما تنفجر منه النساء، أراد من صفية ما يريد الرجل من أهله. وقالت عائشة: «إنها حائض يا رسول الله». والله أعلم ماذا يكون الجواب لو كانت امرأة من نسائنا اليوم. فينبغي أن نتأسى رجالًا ونساء بأخلاق سلفنا. وهكذا فيه معاملة النبي عليه الصلاة والسلام لأزواجه على مقتضى الشرع والعدل، لا على مقتضى المحبة. فينبغي للمسلم أن يكون كذلك مع نسائه، ونسائه إن كن له نساء كثر، أو مع أبنائه وبناته إن كان له أبناء وبنات كثر، بمقتضى الشرع والعدل، لا بمقتضى المحبة. وإن كان القلب قد يميل لحسن. لكن ينبغي أن يعدل في معاملته. وهذا كان قلق نبينا عليه الصلاة والسلام. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. تنبيه: يقول: هل قص الرجل لشعره إذا كان كثيفًا بقدر أنملة، وإذا لم يكن كثيفًا قص بما يعرف شرعًا؟ عرف أنه قص الشعر كما مر معنا. أن الأصل والأحوط أن يقص قدر أنملة، هذا أقل القص، هذا الأحوط. ولكن لا يعني أنه لا يجزئ أن يقص أقل من ذلك. فإذا ظهر بما يدل على القص شرعًا وعرفًا، فرأى الناظر هذا الرجل، فعرف أنه قص شعره، فيكفي. ولو كان أقل من قدر الأنملة. وهذا يحصل إذا كان الشعر قليلًا. قد يكون الشعر كله مستواه قدر أنملة، فكيف يلزم أن يقص قدر أنملة؟ إذن هو معناه يحلق، ليس يقص. لكن إذا قص نصفه مثلًا، وظهر أن هذا الرجل قصر شعره، فهذا يكفي. فهذا يكفي، والله تعالى أعلم.