كتاب الحج 10

كتاب الحج 10

الدرس في كتاب الحج 10، الدرس العاشر : من : ( الفائدة الحادية عشر:هذه الفائدة ... أما ارتداؤهما ونحوه فلا بأس ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام لباس المحرم

شرح حكم لباس المحرم وأحكامه، وبيان آراء العلماء في ذلك. يتطرق إلى معاني الخشوع والابتعاد عن الترفه في لباس الإحرام.

لبس المحظورات أثناء الإحرام والفدية

بيان حكم لبس المحظورات عند الضرورة، وتقدير الضرورة بقدرها، ووجوب التوقف عن لبس المحظور عند انتهاء الضرورة. يتناول أيضا مسألة فدية لبس المحظورات واختلاف العلماء.

تغطية الرأس والوجه للمحرم

شرح حكم لبس المخيط وتغطية الرأس والوجه للمحرم، وبيان أن لبس المخيط المنهي عنه هو ما يحيط بالجسد. يبين أيضا جواز تغطية الوجه عند الحاجة أو الضرورة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، رحمه الله تعالى. الفائدة الحادية عشر، قال: هذه الفائدة، والتي قبلها لم تكن في سؤال السائل، بها بقرينة السؤال، زاده النبي ﷺ لبيان العلم وقت الحاجة إليه، وعند مناسبته. أمراده، رحمه الله تعالى، أن هذا ليس مما سأل عنه السائل، ومع ذلك أخبره النبي عليه الصلاة والسلام بحكمها إتماما للفائدة، وذلك لأنه مما لا يستغنى عن معرفته. فالمحرم يحتاج أن يعرف ذلك لنفسه، أي مسألة الطيب. والمسألة الثانية، والتي قال: الفائدة والتي قبلها، وهي مسألة تطييب المرأة لوجهها، وحكم القفازين. ومر معنا الكلام على ذلك. ما سبق، قال رحمه الله تعالى: قال الثاني عشر، لهذا اللباس الخاص بالمحرم حكم وأسرار كثيرة، منها يعني من هذه الحكم أن يكون في حال خشوع وخضوع. بعيدا عن الترفه وزينة الدنيا، هذا اللباس للمحرم فيه حكم من حكمه أن يدخل على صاحبه الخشوع والخضوع والابتعاد عن الترفه بالدنيا. قال: وليتذكر بهذا اللباس حال الموت، فيكون أقرب إلى المراقبة. قال ابن ذفيق العيد: فيه تنبيه النفس عن التلقس بهذه العبادة العظيمة بالخروج عن معتادها، وذلك موجب للإقبال عليها والمحافظة على قوانينها وأركانها وشروطها وآدابها. ومن حكمه كذلك أن الناس يكونون فيه سواء، ينسونا ما بينهم من ترفع أو من اختلاف منزلة، ومن غنى وفقر وغير ذلك. فحين يكون الجميع بإحرام واحد، وهم بهذا، كذلك يتذكرون الموت وما يكون عليه المسلم حين يخرج من هذه الدنيا، ليس له إلا ما يلف به، فتستر عورته، فيكون ذلك سببا في انكساره وإقباله على الله، وكذلك توبته من ذنوبه، وكذلك التخلص من مظالمه وغير ذلك، فهو سبب عظيم للعظة والذكرى والتوبة والإنابة. قال رحمه الله تعالى: الثالث عشر، قال القاضي عياض: أجمع المسلمون على أن ما ذكر في الحديث لا يلبسه المحرم، وأنه نبه بالسراويل والقميص على المخيط، وبالعمائم والبرانس على كل ما يغطى به الرأس. وقلنا: أحسن من المخيط المحيط، المخيط بالجسد المحلق به، هذا هو المنهي عنه. فلو كان سروال منسوف ليس فيه خياط، فهو كذلك منهي عنه، أو قميص كذلك، أو ما كان بمعناه مما يكون على أعلى الجسد وهو محوك خياكة، فكذلك. قال رحمه الله تعالى: قالوا: بالعمائم والبرانس على كل ما يغطى به الرأس، مخيطا كان أو غيره. وبالخفاف على ما يستر الرجلين. كما مر معنا من أي نوع تستر به الرجل، سواء أكان من جلد أو كان من خرق أو غيره. قال الرابع عشر، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وليس للمحرم أن يلبس شيئا مما نهى عنه النبي ﷺ إلا لحاجة. والحاجة مثل البرد الذي يخاف أن يمرضه، أو يخاف أن يمرضه إذا لم يغطي رأسه، فليلبس قدر الحاجة. فإذا استغنى عن نزعه، نزعه. وعليه أن يفدي، إما بصيام ثلاثة أيام، ونسك شاة، أو إطعام ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من تمر أو شعير، أو مد بر. ويجوز يفدي قبل فعل المحظور وبعده. هنا الآن عندنا ثلاثة مسائل. المسألة الأولى: أنه يجوز أن يلبس ما نهي عنه إذا وقعت الحاجة التي يخشى معها الضرر. وليست أي حاجة، حاجة يخشى معها الضرر، أو في الضرر على النفس، أو ضرر على الآخرين، فيجوز له أن يلبس ذلك. ومثل الضرر بالبرد، فإذا جاء برد شديد، وخاف الإنسان على نفسه من هذا البرد، ولم يستطع أن يدفع البرد إلا بأن يتغطى، ولو أن يغطي رأسه، فالضرورات تبيح المحظورات، على القاعدة الشرعية الفقهية التي دلت عليها أدلة شرعية كثيرة. المسألة الثانية: أن الضرورة تقدر بقدرها. فإذا انتهت حاجته، فلينزع مباشرة. مثلا خرج من الحمام، وهو فيه شيء من المرض، في أثناء إحرامه، فأصابه شيء من البرد، فاحتاج أن يتغطى، ثم ذهب ما به من برد، فلا يجوز له أن يسترسل ويبقى، وهو قد فعل شيئا محظورا. بل إذا ذهبت الضرورة، فيرجع إلى ما كان عليه. المسألة الثالثة: أن من فعل ذلك، قال المؤلف، رحمه الله، نقلا عن شيخ الإسلام: عليه فدية، إما بصيام ثلاثة أيام، أو نسك شاة، أو إطعام ستة مساكين. وهذه الفدية تسمى بفدية الأداء، وذلك كما سيأتي معنا، إن شاء الله، في حديث كعب بن عجرة، حين حلق رأسه لأجل القمل الذي في رأسه، فأمره النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الفدية. بل هو في قول الله عز وجل: «فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك». لكن هل يقاس على هذا غيره من هذه المحظورات؟ مثل لبس العمامة، أو التغطي بالبطانية، هل يقاس عليه في ذلك؟ خلاف بين أهل العلم، كما مر معنا. فمن أهل العلم من قاس عليه ذلك، واستدلوا بأثر عن عبد الله بن عباس، موقوف صحيح. وجاء مرفوعا، ولا يصح، من أن من فعل شيئا من ترك واجب، أو فعل شيئا من محظورات الحج، من نسيان أو تركه، يعني من الواجبات، أو فعل محظورا، فليفد، إما بدما، أو كما قال، رضي الله عنه وأرضاه. والصحيح، والله تعالى أعلم: أن مثل هذا مما لا يقاس عليه، وذلك لأمور. أولا: لأن سببه متكرر، ولم يثبت ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولا عن أحد من الصحابة الآخرين. وإنما ثبت عن عبد الله بن عباس فقط، مع أن كثرة سببه، وكذلك كثرة وقوعه، موجب لأن يستفيض النقل بذلك. أقل شيء عن الصحابة، فضلا عن النبي ﷺ، أن ينقلوه، والناس بحاجة إلى ذلك، ولم ينقل. والأصل هو عدم إلزام الناس بشيء إلا بما ألزمهم الله به، أو رسوله عليه الصلاة والسلام. والأمر الثاني: أن المسألة فيها خلاف، ليست إجماعا. فقد اختلف أهل العلم، كما مر معنا. نقل عن عطاء القول بعدم الفدية في مسائل الإحرام. وهكذا نقل عن الأوزاعي، رحمه الله، وجماعة من أهل العلم من بعدهم. والأمر الثالث: أنه لا وجه للقياس بين هذا وهذا. فحلق الرأس ليس مثل لبس العمامة، أو لبس كذلك شيئا على الرأس. وينبغي أن نعرف أن المسألة تنقسم لقسمين. القسم الأول: من يفعل ذلك جاهلا أو مخطئا، فهذا على القول الصحيح: أنه ليس عليه شيء. ويدل عليه ما جاء في الصحيحين، في حديث يعلى بن أمية، رضي الله عنه، وسيأتي معنا الإشارة إليه، إن شاء الله، إذ أنه طيب جبة وهو جاهل، لا يدري بالحكم، فأمره النبي ﷺ أن يخلع جبته، ويغسل عنه الطيب، ولم يأمره نبينا عليه الصلاة والسلام أن يفدي. فدل ذلك أن من فعل ذلك جاهلا أو مخطئا، فليس عليه شيء. وهذا هو قول أكثر أهل العلم. وبه نعرف خطأ ما نقله النووي، رحمه الله، في صحيح مسلم، في شرحه لهذا الحديث (1177)، حين قال: أن الإجماع قد نقل في أن المخطئ عليه الفدية. وهذا الخطأ ليس بالصحيح. بل عمومات الأدلة وخصوصها يدل على أنه ليس عليه شيء. إن الله تجاوز عن أمته الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. «ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا». في صحيح مسلم، حديث أبي هريرة: «فقد فعله». وهكذا هذا الحديث الخاص بعينه، حديث يعلى بن أمية، فإن النبي ﷺ لم يأمره بفدية أبدا. والقسم الثاني من المسألة: إذا فعل ذلك عمدا، فهنا نقول: إذا فعله عمدا، وهو غير مضطر إليه، يأثم. وإذا فعله عمدا، وهو مضطر، فهو لا يأثم. وبقي الخلاف: هل عليه فدية أو ليس عليه فدية؟ المسألة فيها نظر، كما سمعنا، وفيها الخلاف. والصحيح: أنه لا شيء عليه. قال رحمه الله تعالى: فائدة، قال: المراد بالنهي عن لبس المخيط والمحيط هو اللبس المعتاد. أما ارتداؤه ونحوه، فلا بأس به. وقد نص على ذلك شيخ الإسلام ابن التيمية، رحمه الله. يعني مثلا: لا يجوز للمحرم أن يلبس العمامة على رأسه، فإذا اكتزر بالعمامة، هل يجوز؟ الجواب: نعم. لا يجوز للمحرم أن يلبس القميص، فإذا اكتزر بالقميص، هل يجوز؟ الجواب: نعم. كذلك يجوز، ما دام أنه لبسه ليس على هيئته، يحيط ويحف بالجسد. وهكذا كذلك إذا ثبت، إذا ثبت مثل هذا الحكم، فبه نعرف أن قول من يقول: لبس المخيط مخيط، مما لا يجوز على هذا الإطلاق، أنه خطأ، وأن الصواب التفصيل. لأن المخيط المنهي عنه هو الذي يحيط بالجسد. وهنا مسألة أخيرة ننبه عليها، وهي ما ذكره رحمه الله من تغطية الرأس، وهل يدخل كذلك الوجه في هذا؟ خلاف بين أهل العلم. لأنه جاء في بعض ألفاظ حديث ابن عباس، في الرجل الذي وقصته ناقته، أن النبي ﷺ قال: «ولا تخمر وجهك». وهذه اللفظة مختلف فيها. والصحيح: أنها شاذة. الصحيح: أن هذه اللفظة شاذة، نبه غير واحد من الحفاظ أنها لفظة شاذة، لم تصح عن النبي ﷺ. ولهذا انفرد بها مسلم، ولم يروها البخاري. وقال البيهقي، رحمه الله: وذكر الوجه غريب. رواه الزبير عن سعيد، من الجبير، على شك منه في متنه. ورواية الذين لم يشكوا، وساقوا المتن أحسن سياقا، أو لا بأن تكون محفوظة، والله أعلم. وهذا معناه أن البيهقي، رحمه الله، يعلل هذه الزيادة، زيادة ذكر الوجه. والصحيح: ذكر الرأس. فعلى هذا: تخمير الرأس والوجه، إذا احتاج إليه المحرم، لا بأس به. المحرم إذا احتاج أن يخمر وجهه، أي يغطيه، أثناء نومه أو نحو ذلك، فلا بأس. وقد روي فعل ذلك عن جماعة. والفتوى به، من الصحابة، روي عن عثمان، رضي الله عنه، وزيد، ومروان. وعن جابر: أنه كان يغطي أنفه، أي جابر، من الغبار، ووجهه عند النوم. فدل ذلك على أن هذه اللفظة لم تصح، وأنه لا بأس بتغطية الوجه التي احتاج إليها الإنسان. طيب، نفتي بهذا، وإلى هنا، والحمد لله رب العالمين.