الدرس في كتاب الحج 63، الدرس الثالث والستون : من : (الحديث الثامن والأربعون بعد المائتين ... سيصيدها ليأكل لحمها هو وأصحابه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح حديث الصعب بن جثامة الذي أهدى حمارًا وحشيًا للنبي صلى الله عليه وسلم أثناء إحرامه ورفض النبي له، مع توضيح الألفاظ المختلفة ومعانيها. تناول المقطع أيضًا أحكام الهدية والصيد للمحرم.
يتناول أحكام قبول الهدية وردها، وحكم صيد الحلال للمحرم، حيث تقبل الهدية إذا كانت حلالاً وترد إذا كانت حرامًا أو مخالفة للشرع، ويحرم على المحرم صيد الحلال لأجله.
ناقش آراء الفقهاء حول تحريم أو تحليل صيد المحرم، حيث ذهب البعض إلى التحريم المطلق بينما مال الجمهور للتفصيل بين ما صيد لأجل المحرم وما لم يصيد لأجله، مع شرح قاعدة فقهية تتعلق بالصيد للمحرم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: الحديث الثامن والأربعون بعد المئتين، قال: عن الصعب بن جثامة، رضي الله عنه، أنه أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم حمارًا وحشيًا وهو بالأبواء أو بودان، فرده عليه، فلما رأى ما في وجهه، قال: «إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم»، وفي لفظ لمسلم: «رجل حمار»، وفي لفظ: «شق حمار»، وفي لفظ: «عجز حمار». قال المصنف: وجه هذا الحديث أنه ظن أنه صيد لأجله، والمحرم لا يأكل ما صيد لأجله. أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله هذا الحديث في سياق ذكره لأحكام الصيد بالنسبة للمحرم، وأقرب الألفاظ إليه، ولفظ الإمام البخاري في حديث 1825، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، عن الصعب بن جثامة، رضي الله عنه، أنه أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حمارًا... إلى آخر الحديث. وأما قوله: «وفي لفظ، وفي لفظ»، فهذه الألفاظ جميعًا هي ألفاظ الإمام مسلم في روايات متعددة. قال الشارح رحمه الله تعالى: الغريب، قال: الصعب بفتح الصاد المهملة وسكون العين المهملة، صاد وعين، أحد ما مفتوح والثاني مسكن. قال: جثامة بفتح الميم والجيم وتشديد الثاء المثلثة. قال: الأبواء وودان تقدم ضبط الأبواء، وأنه المكان المعروف بمستورة، هو ليس في نفس مستورة؛ لأن مستورة وادي، مستورة وادي، والأبواء كما أشار عندكم في التعليق، وتعقب بأنه شرق مستورة بنحو ثلاثة كيلومترات، فالأبواء اسم موضع معروف كان محلا ينزل فيه المسافر الذي يسير بين مكة والمدينة. وأما مستورة فهو وادي معترض يعترض المسافر بين مكة والمدينة، وله اليوم أعلام ولوحات مشهورة، فالمهم هو بالقرب من مستورة، وموضع الأبواء يعرفه اليوم كثير من الناس لمن ينزل في وادي مستورة فيسأل فيدل على موضع الأبواء، وهو الموضع الذي توفيت فيه أم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد صح أنه زارها عليه الصلاة والسلام وبكى وأبكى من حوله، قال: «استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنت أن أزور قبرها فأذن لي»، فزارها في مروره بها. قال: وأما ودان فموضع قريب منه، وبفتح الواو وتسكين الدال المهملة بعدها ألف ونون، وهو اسم موضع كذلك، وفيه وادي مشهور كذلك بهذا الاسم، والشك من الراوي يحمل على أحد أمرين: إما أنه طارد حمار الوحش بين هذين الموضعين فأصابه في موضع وسقط في موضع آخر، وإما أنه شك لأنه جاء من إحدى هاتين الجهتين، وكل الأمرين محتمل، والله تعالى أعلم. قال: خامسًا: «لم نرده»، استعمال بفتح الدال. قال: «لم نرده» استعمل بفتح الدال، ويجوز ضمها. وما وجه جواز ذلك؟ هو مجزوم، فلماذا قال: يجوز أن يكون بفتح الدال ويجوز بضمها؟ لأنه مضعف، نعم، والمضعف إذا جزم ففيه لغات، ومن هذه اللغات أنه يجوز أن يفتح أو يضم أو يفك الإدغام، ولغة رابعة أن يكسر. قال: سادسًا: «إنا حرم» بكسر الهمزة وفتحها، «إنا» أن يجوز «إنا» ويجوز أن، فالكسر على أنها ابتدائية لاستئناف الكلام، والفتح على حذف لام التعليل؛ لأن لام التعليل محذوفة، والأصل «إنا» لأن الأصل أن تكون ابتدائية «إنا لم نرده عليك إلا لأننا حرم»، وما الصواب؟ عند من؟ أين إلياس موجود؟ ما الصواب «إن لم نرده» ولا «لم نرده»؟ نعم، يجوز الوجهان. قال: «عليك إلا لأننا حرم»، قال: وحرم بضم الحاء والراء المهملتين، أو أي محرمون. قال: المعنى الإجمالي: لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وبلغ إما الأبواء أو ودان، أحدهما قريب من الثاني، أهدى إليه الصعب بن جثامة حمارًا وحشيًا، وكان من عادته الكريمة وتواضعه المعروف قبول الهدية مهما قلت ومن أي أحد، فإنه أهدى إليه كما في رواية مسلم: «رجل حمار» أو «شق حمار» أو «عجز حمار»، وجمع بين هذه الروايات بأن الرجل من الشق، وفيه بعض الشق، ليست رجل فقط، تعرفون الرجل إذا أخذت بفخذها تأخذ شيئًا من الشق، وهكذا يصح أن يقال: شق حمار، وعجز حمار؛ لأن الرجل مع الفخذ يسمى إيش عجز؟ فكل ذلك صحيح. قال: مهما قلت ومن أي أحد فقد رده عليه؛ لأنه ظن أنه صاده لأجله، وسبب ذلك أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يصيد، فلما تجاوزه النبي صلى الله عليه وسلم أتى له بذلك حين صاده، وقد علم في بعض الروايات أنه صاده له، وفي هذا الحديث كما أشار الحافظ عبد الغني المقدسي: أنه لا يجوز أن يأكل المحرم ما صيد لأجله، وهو محرم، بخلاف ما صاده الإنسان لنفسه، يجوز أن يأكل معه المحرم، كما مر معنا في حديثه بقتادة المتقدم، وفرق بين المسألتين. قال: وقد رده عليه؛ لأنه ظن أنه صاده لأجله، وهو أولى، وهو أولى من التورع عن المشتبه، وما صاده الحلال للمحرم فإنه لا يحل له، وأخبره بسبب رده عليه، وهو أنهم محرمون، والمحرمون لا يأكلون من مصيد لهم؛ لأن لا يقع في نفسه شيء من رد هديته. قال: ما يأخذ من الحديث أولًا: قبوله صلى الله عليه وسلم الهدية جبرًا لقلوب أصحابها، يعني يجوز الإنسان أن يقبل الهدية، بل ينبغي أن يقبلها ويستحب، ولو كانت نفسه لا تميل لهذه الهدية، وقد جاء حديث يحسنه بعض أهل العلم، ومنهم العلامة الألباني رحمه الله: «تهاد تحاب»، يعني أن الهدية سبب للمحبة، ومعناه صحيح، ولو كان في إسناده ضعف، ولكن كما قلنا حسنه جماعة من أهل العلم. قال: ثانيًا: رد الهدية إذا وجد مانع من قبولها، وإخبار المهدي بسبب الرد لتطمئن نفسه وتزول وساوسه، فقول العامة: الهدية لا ترد، ليس بصحيح، يجوز أن ترد إذا كان على وجه لا يصح شرعًا، فلا يجوز قبول الهدية إذا كانت فيها معنى ما يخالف الشرع، مثل هذا الموضع: هدية من صيد لمحرم؛ لأن المحرم لا يجوز له أن يأكل من هذا الصيد، كذلك إذا كانت الهدية لعامل يعمل عملًا لذي سلطان، فهدايا العمال غلول، لا يجوز له أن يقبل هدية، فيقول له: جزاك الله خير، وأشكر لك حسن إكرامك، ولكني أعمل عملًا أتقاضى عليه راتبًا، ولا يجوز لأن أقبل منك هدية، وهكذا كذلك من باب أولى إذا كان معنى الرشوة ظاهرًا في الهدية، يعطيك معاملة ويعطيك مع المعاملة هدية بعدها أو قبلها أو معها، فهذا لا يجوز من باب أولى أو أشد. وهكذا من أوجه رد الهدية أن تكون الهدية من مال حرام، فلا بأس أن ترده وتقول: سامحني، فأنا لا أستطيع أن آكل هذا؛ لأنه مال مشبوه، وإن تحرجت عن ذلك اعتذرت بعذر لا يجرح، وفي نفس الوقت لا تحابي في حرمات الله. وروي عن النووي رحمه الله تعالى: أنه كان لا يقبل هدية أهل بلده من الفواكه والثمار، فضلًا عن أن يأخذها، وذلك لأنه يرى أن أكثرها غصوب، وأن أكثر تلك البساتين أو قاف، فكان يتورع في ذلك ونحو ذلك. قال رحمه الله: ثالثًا: تحريم صيد الحلال على المحرم إذا كان قد صيد من أجله، لا يجوز للحلال أن يصيد للمحرم، لكن يجوز أن يصيد لنفسه، أما للمحرم فلا، فإن صاد لنفسه ثم أعطى للمحرم منه لا بأس، أو دعا المحرم إليه لا بأس. طيب هنا يأتي إشكال: إذا كان هو يصيد لنفسه وفي نفسه أنه سيضيف هذا المحرم من هذا الصيد، هل يجوز؟ الجواب: إذا كان الأصل أنه صاد لنفسه وصار ذلك تبعًا فلا بأس، على القاعدة: يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا، يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا. قال: اختلف العلماء في أكل الصيد المصيد للمحرم، فمذهب أبي حنيفة وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير: جواز أكل المحرم لما صاده الحلال من الصيد، سواء أصاده من أجله أم لا، وهو مروي عن جملة من الصحابة، منهم عمر بن الخطاب، والزبير، وأبو هريرة، وحجة هؤلاء حديث بقتادة المذكور في هذا الباب؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أكل منه، وأقر رفقاء أبي قتادة على أكلهم قبل أن يأتوا إليه، وأمرهم بالأكل منه أيضًا. وذهب طائفة إلى تحريم لحم الصيد على المحرم مطلقًا، سواء صيد لأجله أم لم يصد لأجله، والصحيح أن حديث بقتادة ليس به دليل على المسألة التي نحن فيها، وهو أن من صاد لمحرم يجوز له أن يأكل منه المحرم، هذا ليس بالصحيح؛ لأن أبا قتادة لم يصده للمحرم، إنما صاده لنفسه، وللمحرم تبعًا، هذا الذي قد يصح، صاده لنفسه وللمحرم تبعًا، هذا الذي قد يصح، ولا نقول: نجزم أنه يصح، لكن قد يصح، وهذا كما سبق: يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا. لكن مسألتنا التي نحن فيها قد جاء بها النص، وهو حديث الصعب بن جثامة، والقاعدة عند الأصوليين: أن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما، فإذا ظهر في حديثين ما ظاهره التعارض، فالأصل أننا لا نعمل دليلًا ونترك دليلًا آخر، بل نحرص على إعمال الدليلين جميعًا، ولا وجه لإعمال الدليلين إلا بهذا الجمع، بأن نقول: حديث بقتادة يدل على جواز أكل المحرم من صيد الحلال إذا لم يصده لأجله، ولو صاده لنفسه ولغيره من المحرمين تبعًا، فيثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا، وأما إذا صاده لأجله فلا يصح، لحديث الصعب بن جثامة، فهذا هو الذي به يعمل الدليلان، يعمل بالدليلين، وكذلك يحصل به الجمع الذي لا تعارض فيه. قال رحمه الله: وذهب طائفة إلى تحريم لحم الصيد على المحرم مطلقًا، سواء صيد لأجله أم لم يصد لأجله، ومن هؤلاء: علي بن أبي طالب، وابن عباس، وابن عمر، ومروي عن طاوس، وسفيان الثوري، وحجة هؤلاء عموم قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾، وحديث بقتادة يرد هذا القول، والصواب الوسط، وهو الجمع بين القولين على الذي سبق. مع أن أثر ما يروى عن الصحابة في الحقيقة قد يكون ليس بصحيح، لم يصح، أو يكون صحيحًا لكنه ليس على الفهم الذي فهم عنهم، وإنما يكون في مسألة هي بعض المسألة، وليست المسألة التي نقلت بهذا العموم، يعني مثلًا يكون نهي منع هؤلاء فيما هو في معنى حديث الصعب بن جثامة، فيظن أن الصحابي يقول بالمنع مطلقًا. قال: وحديث الصعب بن جثامة الذي معنا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم رده، وعلل الرد بمجرد الإحرام، والصحيح أنه رده لأنه صيد لأجله، كما جاء في بعض الروايات. قال رحمه الله: وذهب جمهور العلماء، ومنهم إمام مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، إلى التوسط بين القولين، فما صاده الحلال لأجل المحرم حرم على المحرم، وما لم يصده لأجله حل له، وقد صح هذا التفصيل عن عثمان بن عفان، وأراد بهذا التفصيل الجمع بين حديث أبي قتادة وحديث الصعب بن جثامة؛ لأن كليهما صحيح، لا يمكن رده. ومما يؤيد هذا الرأي ما روى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صيد البر لكم حلال وأنتم حرم، ما لم تصيدوه أو يصد لكم». وكما أشار: الحديث فيه ضعف، فتفرد به عمر بن أبي عمر مولى المطلب، عن المطلب، وفي الحديث علتان اثنتان: الأولى ضعف عمر بن أبي عمر، كما أشار إلى ذلك غير واحد، كابن معين وغيره، والعلة الثانية عدم سماع المطلب من جابر؛ لأن الحديث من حديث جابر بن عبد الله، فالحديث لا يصح. وقد نص الترمذي، كما أشار عندكم، إلى أن المطلب لم يسمع من جابر بن عبد الله، طيب فالحديث بهذا المعنى ضعيف، وإن كان معناه صحيح؛ لأنه هو الوجه الذي يجتمع به العمل بالدليلين. قالوا: بهذا تجتمع الأدلة، وإعمالها أحسن من إهمال بعضها مع صحتها، وهو جمع مستقيم ليس به تكلف أو تعسف، نعم، لكن ليس لأجل الحديث، فالحديث ضعيف. قال: قد يستبعد أن يصيد أبو قتادة الحمار الوحشي لأجله وحده دون رفقته، وهو إشكال في موضعه، والذي يزيل هذا الإشكال هو أن نفهم أن الصيد عند العرب هواية محببة لديهم، وظرف يتعشقه ملوكهم وكبارهم، فلا يبعد أن أبا قتادة لما رأى حمر الوحش شاقه طرادها قبل أن يفكر في أنه سيصيدها ليأكل لحمها هو وأصحابه، وهذا شيء من العذر الذي قد يكون مقبولًا. لكن أحسن منه ما سمعنا: يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا، لا يجوز أن يصاد للمحرم، ويجوز أن يصيد الحلال لنفسه، ويكون المحرم تبعًا، ولهذا أدل كثيرة من الكتاب ومن السنة تصحح هذه القاعدة، والشرع لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع. طيب نكتب بهذا القدر، والله تعالى أعلم.