الرسالة القبرصية  7

الرسالة القبرصية 7

الدرس السابع:(ثمّ في فكاك الأسير وثواب العتق من كلام الأنبياء والصدّيقين ما هو معروف لمن طلبه...والحمد لله ربّ العالمين وصلواته على أنبيائه المرسلين ولا سيّما محمد خاتم الأنبياء والمرسلين والسلام عليهم أجمعين).

ترغيب الملوك الكفار بالإحسان إلى المسلمين وتحذيرهم من الإساءة

يذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أهمية الإحسان إلى المسلمين وثوابه العظيم، ويحذر الملوك الكفار من الإساءة إليهم مع ذكر أمثلة تاريخية على انتصارات المسلمين.

أهمية فك أسرى المسلمين وتحذير النصارى من الاستهانة بهم

يشدد الشيخ على أهمية اجتماع المسلمين وتمكينهم لتحقيق النصر، ويحذر النصارى من الاستهانة بالأسرى المسلمين ويبين أهمية تحريرهم.

دعوة الملك للإسلام ووصية الشيخ له

يوصي الشيخ الملك بالخير ويدعوه للإسلام مستنداً إلى أحاديث صحيحة عن نهاية النصارى واليهود في آخر الزمان.

خاتمة الرسالة والدعاء للمسلمين

يختم الشيخ رسالته بالدعاء للمسلمين ويعبر الناشر عن استفادته من الرسالة في معرفة منهج الشيخ في الدعوة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في رسالته المسماة بالقبرصية: قال رحمه الله «ثم فكاك الأسير وثواب العتقي، وفي نسخة: وثواب العتيق، وكله معنى متقارب». قال: «ثم في فكاك الأسير وثواب العتيق من كلام الأنبياء والصديقين ما هو معروف لمن طلبه، فمهما عمل الملك معهم وجد ثمرته»، يعني: لأنه من الإحسان الذي أمرت به كل الأديان. وقد تقدم أنه يخاطب بأحد معنيين: إما باعتبار ما في دينه، فدينه يأمره به، أو كذلك ما في ديننا، فديننا بيّن لنا أن الكافر إذا أحسن فإنه يخفف عنه من عذابه بحسنته. قال: «أما في الدنيا فإن المسلمين أقدر على المكافأة بالخير والشر من كل أحد، ومن حاربوه فالويل له كل الويل». والمعنى: إن أحسنت أيها الملك، فستجد ذلك في الدنيا من المسلمين، فضلا عما يكون من عند الله سبحانه وتعالى مما تقدم. وإن كان غير ذلك، فقد عُرف حال المسلمين وكيف يكون شأنهم مع أعدائهم. فهذا من الترغيب والترهيب منه رحمه الله. قال: «والملك لا بد أن يكون قد سمع السير، وبلغه أن المسلمين ما زال النفر القليل منهم يغلب أضعافا مضاعفة من النصارى وغيرهم، فكيف إذا كانوا أضعافا؟ وقد بلغه الملاحم المشهورة في قديم الدهر وحديثه»، لأن هذا مما يتحدث به الناس، وإما كتبا وسطرا في كتب التاريخ، سواء ما وقع للمسلمين أو ما وقع لغيرهم. ومن ذلك ما وقع بين المسلمين والكفار قديما في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وما كان مع اليهود من غدرهم، وما كان كذلك بعد ذلك مع النصارى، أو ما كان في أزمنة بعد ذلك. قال: «مثل أربعين ألفا يغلبون من النصارى أكثر من أربع مئة ألف، أكثرهم فارس عندكم؟ فارسي لا فارس، أكثرهم فارس، أحسن فارسي»، يعني: من الفرس، لا فارس يعني: من الفرسان الذي يركب الفرس. وقد ذكر أنه وقع في سنة ثلاثين وستين وأربعمائة، في السادس والعشرين من ذي القعدة، ملحمة عظيمة بين المسلمين والنصارى في منطقة يقال لها الزهوة، ذكر ذلك الذهبي وغيره، وابن كثير بالبداية والنهاية، وابن الجوزي وجماعة، وأشار بالتعليق إلى ذلك مختصرا. كان يقود جيش المسلمين سلطان المسلمين ألب أرسلان السلجوقي، وكان يقود النصارى طاغية من طواغيتهم يقال له أرمانوس. فاجتمعوا في ذلك اليوم، وقد جمع هذا الطاغية قيل: ما يقارب أربعمائة ألف أو أكثر، وكانوا قد أعدوا عدة عظيمة من أنواع المنجنيق وأنواع الأسلحة قلوف مؤلفة لا تعد ولا تحصى، حتى كان يقطع للناس قبل أن يدخل على بلاد المسلمين، يعني: يقسم «أنت لك من هنا إلى هنا، وأنت لك من الأرض الفلانية إلى الأرض الفلانية»، ويمكرون ﴿يُمكِرُونَ وَيُحِيْكُونَ﴾ والله خير الماكرين. فما دروا إلا وكان الأمر على خلاف ما يظنون. فلما اجتمعوا في ذلكم التاريخ، وكان في يوم الأربعاء، وكان المسلمون قرابة عشرين ألفا أو يزيدون قليلا، وهم قرابة ستمائة ألف، من أربعمائة إلى ستمائة ألف، يعني: أضعاف أضعاف كثيرة. فلما رأى المسلمون ذلكم الجيش والكم الغفير، طلب السلطان الهدنة، فأبى متغطرسا ذلكم النصراني. فاستشار من معه من الجيش، فأشار إليه أحد الفقهاء والعلماء، وكان من المجاهدين، وهو الفقيه أبو نصر محمد بن عبد الملك البخاري، فقال: «نقعد حتى يوم الجمعة، فإذا كان يوم الجمعة، وصعد الخطباء على المنابر، ودعوا لنا، فإننا ندعو الله عز وجل ونتوكل عليه، ونغزوهم بغتة». فكان ذلك، إذ كانوا لا يتوقعون أن المسلمين يأتونهم، وهم كما يرونهم قلة، يعني: لا يرونهم حتى عشر العشر أمام ذاك الجيش الكبير. ففعلوا، وصلوا، وسجدوا، ودعوا الله عز وجل، ثم توكلوا عليه وغزوا الجيش، فأتوهم وهم في غاية البغتة، فكانوا يذبحون ويقتلون ويأسرون ما لا يحصون، كأن ما عندهم أنعام، ليس بشر، يعني: سلم الله عز وجل لهم رقابهم بشيء لا يتصور. فكانت مجزرة ومقتلة عظيمة، لا يزال يتحدث بها النصارى إلى يومنا هذا. ما كان من ملحمة الزهوة في ذلك التاريخ، الثامن والعشرين من ذي القعدة، سنة ثلاثين وستين وأربعمائة هجرية. والملك يعرف هذا، وشيخ الإسلام يذكره بهذا الحدث الذي وقع في ذلك التاريخ، فهم يعلمون أن هذا النصر كان بتأييد من الله سبحانه وتعالى، وإلا فأين عشرون ألفا؟ والشيخ رفع عددهم، يعني: ضعف العدد، جعلهم أربعين ألفا بالزيادة، لو زادوا لكانوا أربعين ألفا. أين أربعون من أربعمائة ألف؟ بل ذكر أنهم أكثر من هذا، ذكروا أنهم قرابة ستمائة ألف. فأربعون ألفا غلبوا أكثر من ستمائة ألف. وحين تقرأ ما كان قد أعده ذلك الطاغية، تتعجب كيف أن الله عز وجل أيد أولياءه فنصرهم عليهم على ما كانوا عليه. قال رحمه الله تعالى: «وما زال المرابطون بالثغور، مع قلتهم واشتغال ملوك الإسلام عنهم، يدخلون إلى بلاد النصارى... فكيف وقد من الله تعالى على المسلمين باجتماع كلمتهم وكثرة جيوشهم وبأس مقدميهم وعلو هممهم ورغبتهم فيما يقرب إلى الله تعالى». وهذا كثير قد وقع في زمن الصحابة رضي الله عنهم، أنه يكون بعض المسلمين في الثغور، ولا يعانون بشيء من السلطان أو جيوش، فيرون الفرصة فيتقدمون، ويأخذون من بلاد الكفار ما شاء الله، ويأسرون ويقتلون ما شاء الله، وهم لا يعانون بشيء من خلفهم. فكيف إذا يعينوا واجتمعوا؟ والشيخ ذكر بما قد سبق أنهم اجتمعوا على التتار، وهم فيما لا يخفى على النصارى في ذاك الزمان أشد بأسا وأكثر عددا وعدة وقوة. ومع ذلك فاجتمع أهل الإسلام، ويسر الله لهم بالنصر على التتار. فكيف يأمن الملك وقد تسلط على هؤلاء الأسارى الضعفة أن لا ينتقم المسلمون؟ قال رحمه الله تعالى: «قال فكيف وقد من الله تعالى على المسلمين باجتماع كلمتهم وكثرة جيوشهم وبأس مقدميهم وعلو هممهم ورغبتهم فيما يقرب إلى الله تعالى، واعتقادهم أن الجهاد أفضل أعمالهم المتطوعة، والتصديق بما وعدهم نبيهم حيث قال: «يُعطى الشهيد ستة فصال: يغفر له بأول قطرة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويكسى حلة الإيمان، ويزوج باثنتين وسبعين من الحور العين، ويوقى فتنة القبر، ويؤمن من الفزع الأكبر يوم القيامة». وهو حديث صحيح، رواه أحمد وغيره، كما في التعليق عن المقدام. وفي إسناد عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان مختلف فيه، والصحيح أنه ثقة. قال رحمه الله تعالى: «ثم في بلادهم من النصارى أضعاف من بقبرص من الأسرى»، يعني: الأسرى الذين مع النصارى في جزيرة قبرص قليل بالنسبة للنصارى الذين في بلاد الشام ومصر. قال: «وهم أعز عند النصارى من الأسرى الذين للمسلمين عند المسلمين، فإن فيهم من رؤوس النصارى من ليس بالبحر مثلهم إلا قليل»، لأنه في ذاك الزمان كان رؤوس النصارى أقباط مصر والشام، كبار القساوسة والبابوات، كانوا يقعدون، وإلى اليوم لا يزال الكثير منهم في هذه البلاد، لكن اليوم جعلوا عاصمة النصارى الفاتيكان، وإلا في ذاك الزمان لم يزل كبار النصارى يحبون القرب من بلد المسيح عليه الصلاة والسلام. قال: «وأما أسرى المسلمين فليس فيهم من يحتاج إليه المسلمون أو ينتفعون به». وهذا من السياسة الشرعية: ترغيب وترهيب، وليم وشدة. وهو يبين أن هؤلاء الأسرى إن حصل لهم شيء، فليس فيهم من الكبار الذين هم رؤوس في المسلمين. وأما ما في أيدي المسلمين، فهم كبار القساوسة والبابوات وغيرهم من الأسرى في الحرب. قال رحمه الله: «وإنما نسعى في تخليصهم لأجل الله تعالى، رحمةً لهم وتقربًا إليه، يوم يجزي الله المتصدقين، ولا يضيع أجر المحسنين». وأبو العباس حامل هذا الكتاب قد بث محاسن الملك وأخوته عندنا، واستعطف قلوبنا عليه. وقد تقدم أن أبا العباس هذا القدسي قد كان مأسورًا، وفك. والشيخ الذي يذكر هذا قد يكون ما ذكره صحيحًا أن كلهم من المستضعفين ممن لا ينتفع المسلمون به. وقد يكون الأمر ليس كذلك، والحرب خدعة، حتى لا يظنوا أنهم قد استوثقوا من رؤوس المسلمين. ويشير هنا إلى أن ممن شجعه على الكتاب أبو العباس. وأبو العباس قد عرفه الملك أنه كان عابدًا صالحًا حين كان في السجن. قال: «فلذلك كاتبت الملك لما بلغني رغبته في الخير وميله إلى العلم والدين، وأنا من نواب المسيح وسائر الأنبياء في مناصحة الملك وأصحابي وطلب الخير لهم». ومعناه: أن العلماء ورحيت الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. فكذلك العلماء في الإسلام. قال: «فإن أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير أمة أخرجت للناس، يريدون للخلق خير الدنيا والآخرة، يأمرون بالمعروف، ينهون عن المنكر، ويدعونهم إلى الله تعالى، ويعينونهم على مصالح دينهم ودنياهم». وإن كان الملك قد بلغه بعض الأخبار الذي فيها طعن على بعضهم، أو ماذا عندي، أو طعن في دينهم، فإما يكون الخبر كاذبًا، وإما ما فهم الناقل كيف صورة الحال. قال: «فإما أن يكون الخبر كاذبًا، أو ما فهم الناقل كيف صورة الحال. وإن كان صادقًا عن بعضهم بنوع من المعاصي أو الفواحش أو الظلم، فهذا لا بد منه في كل أمة. بل الذي يوجد في المسلمين من الشر أقل بكثير مما يوجد في غيرهم، والذي فيهم من الخير لا يوجد مثله في غيرهم». يريد رحمه الله أنه لو حصل شيء مما يستدعي غضب الملك، فربما يكون فيه شيء من الأخبار الكاذبة، أو النقولات التي حصل فيها فهم خاطئ وتصور غير صحيح لا يوافق الحال. وإن كان صادقًا، فلا أحد يسلم من الخطأ، حتى أهل الإسلام، وهم يعترفون أن فيهم خطأ وتقصيرًا، بل ومعاصي وظلمًا. لكن بالجملة: ما يقع من المسلمين من التقصير والظلم بالنسبة لغيرهم فهو قليل. ولو أنصف النصارى أنفسهم لعلموا ذلك. فإن المعاصي في النصارى قد تعدى أن يكون في الرعية، لأنه وصل إلى الرؤوس، حتى وصل إلى الكبار من القساوسة وغيرهم، وتفش فيهم الكذب بما لا يخفى على النصارى. ومع ذلك فالمسلمون لا يبرئون أنفسهم، فيهم من هو عنده ظلم وعنده معصية. لكن بالنسبة لما عند النصارى فقليل. وما عندهم من خير بالنسبة لما عند النصارى كثير. فالنصارى خيرهم بالنسبة لخير المسلمين قليل، لا يوجد مثل الذي عند أهل الإسلام. وهذا من الإنصاف، وهو كذلك تأكيد وتعريف بحقيقة فضل أهل الإسلام. فإنهم لو نظروا نظرة إنصاف وعدل لوجدوا أن هذا الكلام هو عين الحق. قال رحمه الله تعالى: «وهو يريد بهذا الاعتذار إن وقع شيء، فكما يعذر من معه فكذلك يعذر غيره». قال: «والملك وكل عاقل يعرف أن أكثر النصارى خارجون عن وصايا المسيح والحواريين ورسائل البطرس وغيره من القديسين». وإن أكثر ما معه من النصرانية: شرب الخمور، وأكل الخنزير، وتعظيم الصليب، ونواميس مبتدعة ما أنزل الله بها من سلطان. وأن بعض ما استحل بعض ما حرمته الشريعة النصرانية. هذا فيما يقرون به، وفي نسخة: فيما يعترفون به. وأما مخالفتهم لما لا يقرون به، ما لا يعترفون به، وكلهم داخل في ذلك. بل قد ثبت عندنا عن الصادق المصدوق رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المسيح عيسى بن مريم ينزل عندنا بالمنارة البيضاء في دمشق، واضعًا كفيه على منكبي ملكين. والحديث في مسلم عن النواس بن سمعان. قال: «فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ولا يقبل من أحد إلا الإسلام». وهذا كما ذكر رحمه الله يشير به إلى أن النصارى في الحقيقة ليس عندهم دين. وقد تقدم من كلامه، وبيّن أن دين النصارى عبارة عن سحر وخرافة وكذب وشعوذة ودجل، مع كثير من الذنوب والمعاصي والتغيير والتبديل لشريعة الله، وخلاصة دينهم تلك الأعياد والأناشيد والألحان والصلوات المبتدعة التي يفعلونها. وإلا فحقيقة توحيد الله وعبادته وطاعته على ما كان عليه عيسى عليه الصلاة والسلام، فليس عندهم، وهم يعرفون ذلك. فلو عرضوا ذلك على ما كان عليه حال المسيح وحال الحواريين، وما في رسائل بطرس، وهو ما جاء في رسائله. وقد تقدم أن له رسالتان، وعنده إصحاحات، وفيها الوصايا الكثيرة التي النصارى في بعد عنها. وما ذكره رحمه الله هنا موجود في أيدي النصارى كذلك، فهم يعلمون أن الخنزير ليس بحلال، بل حرام. وأن كذلك المسيح يقتل المسيح الدجال، لكنهم يفسرونها بتفاسير أخرى بعيدة كل البعد عن الصواب، من القول بالتناسخ تارة، ومن القول بالحلول والاتحاد وغيرها من تلك العقائد الفاسدة التي عندهم. قال رحمه الله: «ويقتل مسيح الضلال الأعور الدجال الذي يتبعه اليهود، ويُسلط المسلمون على اليهود حتى يقول الشجر والحجر: يا مسلم، هذا يهودي وراءه فتعال فاقتله». وكلها حديث صحيحة، بعضها في صحيح مسلم، كالأول، وبعضها في الصحيحين كالثاني. قال: «وينتقم الله للمسيح ابن مريم، مسيح الهدى، من اليهود لما آذوه وكذبوه، أو لما آذوه وكذبوه لما بعث إليهم، أو لما بعث إليهم». وقد تقدم حال اليهود مع الأنبياء، ومع عيسى عليه الصلاة والسلام خاصة. وقد زعموا أنه ابن زنا، وحاولوا قتله، بل ظنوا أنهم قتلوا، لأنهم هم الذين قتلوا المشبه بعيسى عليه الصلاة والسلام. قال: «وأما ما عندنا في أمر النصارى، وما يفعل الله بهم من إدالة المسلمين عليهم وتسليطه عليهم، فهذا مما لا أخبر به الملك؛ لئلا يضيق صدره». يعني: لا أذكر لكم ما جاء من الأخبار الصحيحة عن نبينا عليه الصلاة والسلام من الملاحم التي تكون في آخر الزمان، وكيف يقتل المسلمون النصارى، ويكون الظهر لهم في آخر الزمان. ولم يذكر هذا رحمه الله لحكمة، لأنه الآن في مقام مطالبة بالأسارى، وهو لا يريد أن يضيق صدره حتى لا ينتقم من هؤلاء الأسارى الضعفة. قال: «لكن الذي أنصحه به أن كل من أسلف إلى المسلمين خيرًا، أو ما إليهم، كانت عاقبته معهم حسنة، بحسب ما فعله من الخير، فإن الله يقول: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾». والذي أختم به هذا الكتاب: الوصية بالشيخ العباس وبغيره من الأسارى، والمساعد لهم، والرزق بمن عندهم من أهل القرآن، والامتناع عن تغيير دين أحد. وسوف يرى الملك عاقبة ذلك كله. ونحن نجزي الملك على ذلك بأضعاف ما في نفسه. وهذا من عظيم إحسان الشيخ رحمه الله، وحسن تعبيره وسياقته لهذه الرسالة، يجمع بين الترهيب والترغيب والطلب والتحديد، بسياقة فيها - كما رأينا - من حسن الاعتناء بالألفاظ والتراكيب والمعاني ما لا يخفى. قال: «والله يعلم أني قاصد للملك الخير كله، لأن الله تعالى أمرنا بذلك، وشرع لنا أن نريد الخير لكل أحد، ونعطف على خلق الله، وندعوهم إلى الله وإلى دين، وندفع عنهم شياطين الإنس والجن». وقد تقدم من كلامه الصادق بما فيه من دعوة الملك بعد ما أشار من فرحه بحرصه على العلم والبحث عن الحق، ما يدل على صدق سريرة الشيخ رحمه الله في إرادة الخير لهذا الملك في دينه وفي دنياه. قال: «والمسؤول أن يعين الملك على مصلحته التي هي عند الله المصلحة، وأن يخير له من الأقوال ما هو خير له عند الله، ويختم له بخاتمة خير». وهذا كذلك، وهو لم يعتد بالدعاء، بل دعا له بالخير، وخير ما يدعو له الإسلام. فإن أسلم خير له ولأمته ولرعيته، وإن لم يكن، فكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن عليك إثم الأريسيين»، يعني: تتحمل إثم كل من تحت يدك من رعية، وهم الأريسيون في ذاك الزمان. قال رحمه الله: «والحمد لله رب العالمين، وصلواته على أنبياء المرسلين، لا سيما محمد خاتم المرسلين، والسلام عليهم أجمعين». نجزت الوصية المباركة يوم الأحد، الحادي والعشرين من جمادى الآخر، سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة. أحسن الله خاتمتها. بظاهر دمشق المحروس، حماها الله وسائر بلاد المسلمين، آمين يا رب العالمين. وحسبنا الله ونعم الوكيل. اللهم اغفر لصاحبه وكاتبه ولجميع المسلمين، ورحمه الله رحمة واسعة، وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء. وقد رأينا من هذه الرسالة الشيء الكثير من علم الشيخ وأدبه، ومنهجه وسلوكه، وكيفية دعوته لأمثال هؤلاء، ما يكون لنا إن شاء الله محل اقتداء واتساء. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.