الدرس في الرسالة القبرصية 6، الدرس السادس:(ثمّ أما يعلم الملك أنّ بديارنا من النصارى أهل الذمّة و الأمان ما لا يحصى عددهم إلاّ الله...فيعاملهم معاملةً تكون نافعةً له في الدنيا والآخرة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتحدث الشيخ ابن تيمية عن معاملة الأسرى المسلمين في قبرص ويستنكر الظلم الذي يتعرضون له، ويشير إلى أن الله ناصر المظلومين. كما يشدد على أهمية الإحسان إليهم وتجنب الانتقام.
يذكر شيخ الإسلام ترغيبًا وترهيبًا للملك، حيث يشير إلى قوة المسلمين وفدائييهم ويحذر من ظلم المسلمين الأسرى لديه، ويبين أن الله يعاقب بالذنوب ويبتلي حتى تزول أمم.
يخاطب الشيخ الملك النصراني وأصحابه بالحسنة ويشجعهم على اتباع الحق والإحسان إلى الأسرى المسلمين، ويبين لهم أن ذلك فيه خير لهم في الدنيا والآخرة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في رسالته المسماة «القبرصية»: قال، ثم أما يعلم الملك أن بديارنا من النصارى أهل ذمة والمماليك ما لا يخصي عدده إلا الله، ومعاملتنا فيهم بالجميل، فكيف يعاملون أسرى المسلمين بهذه المعاملات التي لا يرضى بها ذو مرؤة أو ذو دين؟ وذلك لما بلغه رحمه الله تعالى ما بلغه من أذية بعض عمال الملك لهؤلاء الأسرى، فإنه تأذى من ذلك، وكان هذا مما دفعه لكتابة هذا الكتاب. قال رحمه الله: وأقول عن الملك وأهل بيته وإخوته، فإن أبو العباس شاكر من الملك وأهل بيته كثيرا، معترف بما فعلوه معه من الجميل، ويريد أبي العباس القدسي الذي تقدم، حامل هذا الكتاب الذي أرسل معه شيخ الإسلام هذه الرسالة إلى ملك قبرص، وكان أسيرا ثم فك. قال: وإنما أقول من عموم الرعية، أليس الأسرى في رعية الملك، في نعمة في رعاية الملك؟ يعني ما دام أسرى عند الملك فهو مسؤول عنهم، وكونه وكل بهم بعض من يقوم على السجون والأسرى ويحصل منهم من الظلم، فهو مسؤول عن ذلك؛ لأنه عليه أن يراعي أحوالهم، خصوصا وقد بلغه أن بعض أولئك قد حصل لهم من الظلم والأذية ما ينبغي لمن بلغه أن يدفعه، وخصوصا وأنه قد عرف أنه صاحب حب للعلم والبحث والدين. قال رحمه الله: أليست عهود المسيح وسائر الأنبياء توصي بالبر والإحسان؟ فأين ذلك؟ وقد تقدم معنا بعض النصوص، فإن نصوص المسيح عليه الصلاة والسلام تأمر بالإحسان إلى من آذاك والصبر عليه والبر به، فكيف بمن تحت يدك من الضعفاء والفقراء والمساكين والمساجين والأسرى وغيرهم؟ قال: ثم إن كثيرا منهم إنما أخذوا غدرا، والغدر حرام في جميع الملل والشرائع والسياسات، كما تقدم، وجه الغدر أنهم لم يؤخذوا بقتال. قال: فكيف تستحلون أن تستولوا على من أخذ غدرا فتأمنون مع هذا أن يعاقبكم المسلمون ببعض هذا ويكونوا معذورين؟ يعني قد ينتقم المسلمون في بلادكم أو في غير بلادكم بمثل ما كان من ظلمكم، فلو وقع منهم ظلم لعذروا؛ لأنكم أنتم بدأتم بالغدر وفعلتم ما فعلتم من الظلم، فحتى لا يحصل البغي من الجهتين، فينبغي للإنسان أن يبطئ أسباب البغي والظلم، ومع هذا فكذلك الله فوق الجميع. قال: والله ناصرهم ومعينهم، لا سيما في هذه الأوقات؛ يعني لكونهم قد ظلموا، فالمظلوم منصور ولو كان كافرا، فكيف بمسلم مؤمن؟ وقد أخذ بأسباب النصر. قال: لا سيما في هذه الأوقات والأمة قد اجتهدت للجهاد واستعدت للجلاد، ورغب الصالحون أولياء الرحمن في طاعته، وقد تولى أمر الساحلية أمراء ذو بأس شديد، وقد ظهر بعض أثرهم، وهم في ازدياد؛ لأن في تلك الفترة كانت أنواع من النصر فتح الله عز وجل بها على أهل مصر والشام، فإنهم غلبوا التتار كما تقدم معنا في أوائل سنة 700 وفي أواخر 600 نصر الله المسلمين على أهل سيس، فغلبوهم واستولوا على أراضيهم وملكهم، وأتي بأبناء الملك وذريته أسارا إلى بلاد مصر. قال رحمه الله: وقد ظهر بعض أثرهم وهم في ازدياد؛ يعني يتقدمون إلى جهة الروم، وبأنواع من النصر كما تقدم، وهم في ازدياد كذلك في أن الناس يأتون، يأتيهم المدد، لا يزال يزداد جيش المسلمين. قال رحمه الله: ثم إن عند المسلمين من الرجال الفداوية الذين يغتالون الملوك في فرشها وعلى أفراسها، قد بلغ الملك خبرهم قديما وحديثا، وهذا كذلك من الترغيب والترهيب الذي يفعله شيخ الإسلام في هذه الرسالة، تارة يرغب وتارة يرهب، وهكذا سياسة شرعية قد تبطضي هذا تارة وهذا تارة بالحق والعدل والصدق، وليس بالكذب، وهو يشير إلى أشياء معلومة. فمن القديم ما لا يخفى مما وقع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وبعده من عهد الخلفاء وبني أمية وبني العباس، وفي الصحيحين في قصة قتل أبي رافع بن أبي الحقيق ما هو معلوم، حين أرسل النبي صلى الله عليه وسلم رجالا عليهم عبد الله بن عتيك فقتلوه في قصره وفي بيته بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يهودي كان يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا أمثاله ممن قتل كما ذكر شيخ الإسلام على فراشه أو على فرسه، وهؤلاء كثير. قال: لا يخفى على الملك كما تقدم، وهو ممن يحب القراءة والعلم والبحث والمذاكرة، فهو يذكره تارة بالترغيب وتارة بالترهيب، خصوصا وأنه ممن يدعي الدين، وعنده من ذلك كما نقل له حامل الرسالة أبو العباس، وهو يعلم أن الله قد ينتقم لهؤلاء الفقراء المساكين الأسرى الضعفاء بما كان من ظلمهم وأذيتهم، وكل من يؤمن بالله يعلم أن الله يعاقب بالذنوب ويبتلي حتى تزول أمم وتذهب ممالك بسبب الظلم. قال رحمه الله: وفيهم الصالحون الذين لا ترد دعواتهم ولا تخيب طلباتهم، الذين يغضبوا الرب لغضبهم ويرضى لرضاهم، وهذا مما هو معروف عند النصارى، وهم يعلمون أن دين المسلمين أقوى من دين النصارى، وهم يعلمون أن الكثير من النصارى دينهم ضعيف، ولهذا لم يزال ولا يزال يرددون تلك العبارة المنقولة عن خالد بن الوليد رحمه الله حين كتب إلى أهل فارس: «إننا نأتيكم برجال يحبون الموت كما تحبون الحياة». قال رحمه الله: هؤلاء التتار مع كثرتهم، لما غضب الله عليهم المسلمون وتوجهوا عليهم، أحاط بهم من البلاء ما يعظم عن الوصف، فكيف يحسن أيها الملك بقوم يجاورون المسلمين من أكثر الجهاد أن يعاملوهم هذه المعاملة التي لا يرضاها عاقل، لا مسلم ولا معاهد؟ قال رحمه الله تعالى: هذا وأنت تعلم أن المسلمين لا ذنب لهم أصلا، بل هم المحمودون على ما فعلوه، فإن الدين الذي أطبقت العقلاء على الإقرار بفضله هو دينهم، حتى الفلاسفة أجمعوا على أنه لم يطرق العالم دين أفضل من هذا الدين، فقد قامت البراهين على وجوب متابعته. قال: ثم هذه البلاد ما زالت بأيديهم، الساحل، بل قبرص أيضا ما أخذت منهم إلا من أقل من ثلاثمائة سنة، وإلا فقد فتحوها وداموا يحكمون فيها أكثر من ثلاثمائة سنة، وكان أول فتحها في عهد عثمان رضي الله عنه أرضاه، حين أرسل معاوية رضي الله عنه سنة ثمان وعشرين للهجرة ففتحوها، وكان نصرا عظيما للمسلمين في ذلك اليوم. قال: وقد بشر النبي صلى الله عليه وسلم بفتح بلاد الروم، وعلى يد معاوية رضي الله عنه في أحاديث، منها ما جاء في الصحيحين في حديث أنس رضي الله عنه حين استيقظ عليه الصلاة والسلام يضحك، فقالت له أم حرام: مما تضحك يا رسول الله؟ قال: «ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله، يركبون ثبج البحر، ملوك على الأسرة»، أو قال: «كالملوك على الأسرة»، فقالت: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: «أنت من الأولين»، فكانت ممن ذهب مع معاوية وجيشه. قال: فما يؤمن الملك ما يؤمن الملك أن هؤلاء الأسرى المظلومين ببلدته ينتقم لهم رب العالمين ورب العباد والبلاد كما ينتقم لغيرهم؟ وما يؤمنه أن تأخذ المسلمين حمية إسلامية ينالون فيها ما نالوا من غيرها؟ قال: ونحن إذا رأينا من الملك وأصحابه ما يصلح، عاملناكم بالحسنة، وإلا فمن بغي عليه لينصرنه الله، وأنت تعلم أن ذلك من أيسر الأمور على المسلمين؛ يعني إذا أرادوا وأعانهم الله، فإنه لا يقف في وجههم شيء، ولكن الأمر باجتماعهم وتوحد إرادتهم، وهو يعلم؛ لأن ذلك مجرب، وكان في تلك السنوات باتحاد أهل الإسلام في مصر والشام وغيرها تلك الانتصارات العظيمة التي سبقت. قال: وإنما أنا ما غرضي الساعة إلا مخاطبتكم بالتي هي أحسن، والمعاونة على النظر في العلم واتباع الحق وفعل ما يجب، فإن كان للملك من يثق بعقله ودينه، فليبحث معه في نسخة فلنبحث معه عن أصول العلم وحقائق الأديان، ولا يرضى أن يكون من هؤلاء النصارى المقلدين الذين لا يسمعون ولا يعقلون، إنهم إلا كالأنعام بل هم أضلوا سبيلا. قال: وأصل ذلك أن تستعين بالله وتسأل الهداية وتقول: «اللهم أرني الحق حقا وأعني على اتباعه، وأرني الباطل باطلا وأعني على اجتنابه، ولا تجعله مشتبها علي فأتبع الهوى»، وقل: «اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لمختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم». قال: والكتاب لا يحتمل البسط أكثر من هذا، لكن أنا ما أريد للملك إلا ما ينفعه في الآخرة وفي الدنيا؛ لأن الدنيا تبع للآخرة، كما تقدم، فإذا انتفع بما ينتفع به بالآخرة وفقه الله لأن ينتفع من هذه الدنيا. قال رحمه الله: وهما سببان، أحدهما له خاصة، وهو معرفة بالعلم والدين، وانكشاف الحق، وزوال الشبهة، وعبادة الله كما أمر، فهذا خير له من ملك الدنيا بحذافيرها، وهو الذي بعث به المسيح وعلمه الحواريين. قال: والثاني وهو له وللمسلمين، وهو مساعدة على الأسرى الذين في بلاده، وإحسانه إليهم، وأمر رعيته بالإحسان إليهم والمعاونة لنا على خلاصهم. قال: فإن الإساءة إليهم درك على الملك في دينه ودين الله تعالى، ودرك من جهة المسلمين، ومعنى ذلك أنه يلحقه من التبع في الدنيا وفي الآخرة ما يكون به حصول الخسارة والضرر للملك ولرعيته. قال رحمه الله تعالى: وفي المعاونة على الخلاص حسنة له في دينه ودين الله تعالى، وعند المسلمين، وكان المسيح من أعظم الناس توصية بذلك؛ يعني الإحسان، توصية بالإحسان كما تقدم معنا. قال: ومن العجب كل العجب أن يأسر النصارى قوما غدرا أو غير غدر، ولم يقاتلوهم، والمسيح يقول: «ملطمك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر، ومن أخذ رداءك فاعطه قميصك»، وهذا مما هو مذكور عندهم كما أشير في إنجيل متى الإصحاح الخامس. قال: ولما كثر الأسرى عندكم، كان أعظم لغضب الله وغضب عباده المؤمنين، وأنت تعلم أننا إذا كنا نسعى في تخليص أسرى النصارى من أيدي التتار. قال: وإنما دين الإسلام يأمرنا أن نعين الفقير والضعيف، فالملك أحق أن يساعد على ذلك من وجوه كثيرة، لا سيما والمسيح يوصي بذلك في الإنجيل. قال: والملك وأصحابه إذا عاونوا على تخليص الأسرى والإحسان إليهم، كان الحظ الأوفر لهم في ذلك في الآخرة والدينا. قال رحمه الله تعالى: لا سيما من أخذ غدرا، والله تعالى لم يأمر ولا المسيح أمر ولا أحد من الحواريين ولا من اتبع المسيح على دينه؛ يعني الدين الحق، لا بأسر أهل ملة إبراهيم ولا بقتلهم. قال: فكيف يجوز أن يقاتل أهل دين الله الذين اتبعوا رسولهم؟ فإن قال قائل: هم قاتلون أول مرة، قيل: هذا باطل، فمن غدر به ومن بدأتموه بالقتال. قال: ولا يستوي من عمل بطاعة الله ورسله ودعا إلى عبادته ودينه وقرب جميع الكتب والرسل وقاتل لتكون كلمة الله العليا وليكون الدين كله لله، ومن قاتل في هوى نفسه وطاعة شيطانه على خلاف أمر الله ورسله. قال: وما زال في النصارى من الملوك والقسيسين والرهبان والعام من له مزية على غيره في المعرفة والدين، فيعرف بعض الحق وينقاد لكثير منه، ويعرف من قدر الإسلام وأهله ما يجهله غيره، فيعاملهم معاملة تكون نافعة له في الدنيا والآخرة؛ يعني من الإحسان بما علم من خير عند المسلمين. نقف هنا إن شاء الله، ونكمل الباقي في درس لاحق.