الدرس في الرسالة القبرصية 4، الدرس الرابع:(ثم إن الصلاة إلى المشرق لم يأمر بها المسيح ولا الحواريون ابـتـدعها قسطنطين أو غيره...وأنّ المسيح جاء بالأمثال وهذا باب يطول شرحه). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش تأثير بدع النصارى على المسلمين وتأثرهم بألحانهم وطقوسهم. يشير إلى ابتداع قسطنطين للصلاة إلى المشرق وعيد الصليب.
يُنبه إلى خطورة قنوات التنصير مثل SAT7 ويشرح ضلالات النصارى وتفرقهم. يبين أن كتبهم محرفة ولا تعتبر كلام الله أو رسله.
يتناول دعوة الأنبياء والرسل إلى توحيد الله وعبادته وحده. يشير إلى إسلام بعض اليهود والنصارى بعد اطلاعهم على صفات النبي محمد ومعجزاته.
يشرح كيف جعل الله أمته وسطًا معتدلين في أمور الدين. يُظهر أن أهل الإسلام يتبعون ما جاء به الأنبياء دون غلو أو جفاء.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخ الإسلام تيمية رحمه الله تعالى في رسالته المسماة بالقبرصية: «ثم إن الصلاة إلى المشرق لم يأمر بها المسيح ولا الحواريون، ابتدعها قسطنطين أو نحوه، وكذلك الصليب إنما ابتدعه قسطنطين برأيه وبمنام زعم أنه رأى. وأما المسيح والحواريون فلم يأمروا بشيء من ذلك». انتقل رحمه الله تعالى إلى ذكر بعض البدع والمحدثات عند النصارى، وعند هذه الطائفة من النصارى، وهي كما سيأتي إن شاء الله المسماة بالملكية أو الملكانية. فإن هذه الطائفة، وقد عمّ ذلك أكثر النصارى، عندهم من البدع والمحدثات والتغيير والتبديل لدين المسيح عليه الصلاة والسلام ما علمه النصارى فضلًا عما بيّنه لهم علماء الإسلام. فإن الصلاة إلى المشرق مدوّن في كتب النصارى أن أول من أحدثه هو الملك قسطنطين، وهو أحد ملوكهم الذين تولّوا أمبراطورية الرومان والمملكة مملكة الروم النصرانية، وكان هذا في سنة مئتين وثمانين كما ذكروا كانت ولادته، وكان ملكه في ثلاثمائة وأربعة وعشرين. ومعنى الصلاة إلى المشرق أي الصلاة إلى جهة الشمس؛ لأن هذا الملك كانت أصوله من بلاد اليونان، وكانت أمه نصرانية. وكان علماء النصارى في ذاك الزمان وفي تلك البلاد قد خلطوا بين دين الموحدين الذي جاء به الأنبياء ودين المشركين الذي عليه عبدة الأوثان من أهل اليونان وغيرهم. فلما كان أهل اليونان يسجدون للكواكب، ومن ذلك الشمس فيعبدونها، خلط هؤلاء بين ما كان من سجود لهذه الكواكب وهو من شرك الوثنيين مع ما هي صلاة لله، فجعلوا القبلة في صلاتهم -كما يزعمون لله- إلى جهة الشمس، فخلطوا دينا بين دين الموحدين ودين المشركين. وهذا كثير عند هذه الطائفة، وهم أكثر النصارى، والذين يسمون اليوم بالكاتوليك. فمن بدعهم تشبههم بالوثنيين في بناء الأصنام المنحوتة المصورة التي لها ظل؛ فإنهم صوروها وعظموها وعبدوها. هؤلاء هم الوثنيون من فلاسفة اليونان وغيرهم، فتشبه بهم هؤلاء النصارى، فأكثر من التصاوير، لكن كان في أول أمرهم على الحيطان يصورونها على الجدران من غير ظل، وهذا هو الغالب على النصارى في أول الأمر، ولكن تمادى بهم الأمر حتى صاروا مثل الوثنيين يصورون التصاوير المجسمة التي لها ظل، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه «مجموع الفتاوى» وفي «منهاج السنة» وغيره في حال هذه الفرقة والطائفة، وكيف أحدثوا في دين الله من البدع الشيء الكثير. وقد ابتدأ الشيخ رحمه الله بذكر هذا وأكثره، وأكثره -كما سيأتي- هو عن هذه الطائفة وهذه الفرقة من فرق النصارى؛ لأن أكثر النصارى على هذا المذهب وعلى هذا المنهج من مذاهب ومناهج النصارى. وقوله: «وكذلك الصليب إنما ابتدعه قسطنطين برأيه» يعني عيد الصليب؛ فإنه زعم أنه رأى رؤية بالمنام، فأخبر أمه هيلانة الحرانية القندقانية -هي أم قسطنطين، وكانت متدينة بدين النصارى، ويقال أنها السبب في دفع ابنها إلى دخوله في دين النصارى وانتصاره لهم- فكانت هي أول من ابتدع عيد الصليب، وكان ذلك بعد موت المسيح -بعد رفع المسيح- ويزعمون أنه مات بعد رفع المسيح بأكثر من ثلاثمائة سنة، وهو من البدع المتأخرة عند النصارى. وقد علم ذلك النصارى، فأحدث قسطنطين بدعًا كثيرًا، ومن هذه البدع ما يسمى عند النصارى «بعقيدة الأمانة» -عقيدة تدعوها- جمعها قافلة من أكابرهم كانوا قرابة ثلاثمائة وثمانية عشر من أكابر النصارى اجتمعوا وأخرجوا هذه العقيدة المسماة بالأمانة، وفيها من التغيير والتبديل والتحليل والتحريم الشيء الكثير. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه العظيم «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح»، وهكذا كذلك تلميذ ابن القيم في كتابه «هداية الحيارى» شيئًا كثيرًا من ذاك التغيير والتبديل، مثل تركهم للطهارة من الأحداث والأخباث، وتركهم للغسل من الجنابة والوضوء، وكذلك تغييرهم في اتجاه القبلة؛ فبدل من أن يتجه إلى بيت المقدس اتجه إلى جهة مشرق الشمس. وهكذا كذلك تحليلهم أنواعًا من المحرمات كالخمر والخنزير وغير ذلك مما أشاروا إليه؛ فإنهم غيروا وبدلوا، أحدثوا في دين الله عز وجل شيئًا كثيرًا. ومن ذلك تلاعبهم بالصيام؛ زادوا فيه حتى أوصلوه إلى خمسين يومًا، وتلاعبوا في مكانه وفي زمانه؛ قدموا وأخروا. وهكذا كثرت الأعياد التي عندهم: عيد الميلاد، وعيد الغطاس، وعيد الصليب، وغير ذلك من أعيادهم المشهورة التي أكثرها أحدث بعد الحواريين. ولهذا قال رحمه الله: «أن المسيح والحواريين لم يأمروا بشيء من ذلك» يعني ليس هناك شيء من قول عن المسيح وعن الحواريين -وهم أخلص الناس وأتبعهم للمسيح كما تقدم- قال رحمه الله تعالى: «والدين الذي يتقرب العباد به إلى الله تعالى لا بد أن يكون الله أمر به وشرعه على ألسنة رسله وأنبيائه، وإلا فالبدع كلها ضلالة، وما عبدت الأوثان إلا بالبدع». وهذا ظاهر كما قد تقدم في خبر الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، كقوم نوح ومن بعده من أقوام دخل عليهم الشرك بالبدع والإحداث في دين الله. قال: «وكذلك إدخال الألحان في الصلوات لم يأمر بها المسيح ولا الحواريون». وهذا كثير جدًا عند النصارى: الألحان في الصلوات، بل وفي غير الصلوات، وعندهم ألحان كثيرة معروفة عند النصارى: ألحان «الصوم الكبير»، وألحان «صوم يونان» وغير ذلك من الألحان. وللأسف نحن نهين عن التشبه بهم، فصار بعض ضلال المسلمين من أهل الأهواء والبدعة -الرافضة والصوفية- يتشبهون بهم في هذه الألحان. انظروا إلى «حسينيات» الرافضة، فما أشبهها بألحان النصارى، و«موالد» الصوفية وغيرها من الأشعار، وكذلك المجالس التي فيها من جنس ألحان النصارى. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عند قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من لم يتغنى بالقرآن» قال: «فدل هذا على أن التغني لا يكون إلا في القرآن، لا يجوز في غيره، وأن التغني في غير القرآن مذموم، بل هو من جنس ألحان النصارى، وقد نهين عن التشبه بهم». ومما يناسب التنبيه عليه أنه قد ظهرت قنوات وإذاعات فيها من ألحان النصارى -فضلا عن من يتشبه بهم- ما كان سببًا في دخول بعض المسلمين في هذا النسق، فصار بعض أطفال المسلمين -وللأسف- يحفظون هذه الألحان: ألحان النصارى. فقد أخبرني بعض العوام في بلاد مصر أنه فوجئ بولده وهو يحفظ ألحان النصارى بسبب متابعته لقناة «MBC3» التي فيها مسلسل يسمى «يوغي» للأطفال، وهكذا قنوات أخرى مثل قناة «SAT7» للأطفال. وأذكر هذا لأجل الحذر من أن يترك الأبناء فلا يدرون إلا وهم يرددون عقائد وألحان النصارى من خلال هذه القنوات. وهذا قليل من كثير من شر هذه القنوات ودخولها إلى بيوت المسلمين. فهذه القناة المسماة بـ«SAT7» بجميع فروعها قناة تدعو إلى التنصير، ومن أعظم فروعها فتنة للأطفال «SAT7 كيدز»، فإنها قد تغلغلت في أوساط بعض المسلمين من حيث لم يشعروا، فالواجب الحذر من مثل هذا. فإن قد حذرنا من الأخذ بطريق اليهود والنصارى، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «من تشبه بقوم فهو منهم». وقال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه». قالوا: «آل يهود والنصارى؟» قال: «فمن؟» قال رحمه الله: «بالجملة فعامة أنواع العبادات والأعياد التي هم عليها لم ينزل الله بها كتابًا ولا بعث بها رسولا». والنصارى من أشهر الطوائف بكثرة الأعياد، فأعيادهم كثيرة، وكلها من البدع والمحدثات التي لم تعلم عن المسيح عليه الصلاة والسلام ولا عن الحواريين. قال رحمه الله: «لكن فيهم رأفة ورحمة، وهذا من دين الله، بخلاف الأولين» يعني اليهود؛ فعندهم من الرأفة والرحمة ما يفضلون اليهود. وهذه الرأفة والرحمة من دين الله الذي بعث به عيسى عليه الصلاة والسلام، كما تقدم في بعض نصوص النصارى، لكن خلطوا معه -كما تقدم- من البدع والخرافات والشعوذة والسحر والكذب والدجل ما كان سببًا في تغيير دين الله، بل وبغض الكثير من العقلاء لهذا الدين بسبب هذا التحريف والكذب والدجل. قال رحمه الله: «فإن فيهم قسوة ومقتًا، وهذا مما حرمه الله تعالى» يعني اليهود. قال: «لكن الأولون لهم تمييز وعقل مع العناد والكبر والآخرون فيهم ضلال عن الحق». قال: «ثم إن هاتين الأمتين تفرقتا أحزابًا كثيرة في أصل دينهم واعتقادهم في معبودهم ورسولهم» يعني اليهود والنصارى، كما هو معلوم عندهم، وما نقله أهل المعرفة بالملل والنحل كثير. قال: «هذا يقول: إن جوهر اللاهوت والناسوت صار جوهرًا واحدًا وطبيعة واحدة وأقنومًا واحدًا، وهم يعقوبية» -يقال لهم يعقوبية، ويعاقبة- نسبة إلى يعقوب البراجعي، وهو ممن أحدث هذه المقولة، وكان ذلك في سنة خمسمائة ميلادية. وهؤلاء يقولون بالأقانيم الثلاثة كما تقدم، لكن هم مختلفون في تفسير الأقانيم؛ فزعم اليعقوبية أن الكلمة انقلبت لحمًا ودمًا، فصار الإله هو المسيح؛ فهو الظاهر بجسده، وهو هو الله -هكذا زعموا- وقد ذكر الله عز وجل هذه الفرقة في كتابه بقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ فهذا هو قول اليعقوبية، والذين هم اليوم يسمون بالأرثوذكس؛ فهؤلاء هم اليعقوبية اليوم، وأكثر نصارى العرب من القبط، وفي الشام والأردن وطوائف حول ذلك الموضع هم من الأرثوذكس، وقد يسمون من قبل بالسريانية والمنوفيزية المصرية؛ فكلها مسميات لهذه الفرقة اليعقوبية. وهذه مقولتهم في الأقانيم؛ يقولون: «إن الكلمة انقلبت إلى لحم ودم، فصار الإله هو المسيح -تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا- وتارة يقولون: «ظهر اللاهوت بالناسوت»؛ فيزعمون أن اللاهوت ظهر بصورة الناسوت، كما يظهر الملك بصورة الإنسان، وكما يظهر الشيطان بصورة الحيوان، فهم يزعمون أن المسيح جوهر من جوهرين؛ فهو إنسان صار إلهًا، لا عكس: ليس إله صار إنسانًا، بل هو إنسان صار إلهًا لتحول الكلمة التي يزعمون أنها الله إلى لحم ودم. قالوا: «كالفحم يصير نارًا؛ لأن نارًا تصير فحمًا» -هكذا قاسوا بالأقيسة العقلية- وهو مما يظهر بطلانه وفحشه كما لا يخفى. قال رحمه الله تعالى: «وهذا يقول: بل هما جوهران وطبيعتان وأقنومان، وهم النصطورية» -والنصطورية نسبة إلى نصطور الحكيم- وكل واحد من هؤلاء لهم في التصرف في دين النصارى والتغيير والتبديل ما جعل كل فرقة لها منهجها وديانتها بما يختلف عن الفرقة الأخرى، حتى صار بينهم من الحروب والقتال ما لا يخفى في تاريخ النصارى. فهؤلاء زعموا أن الكلمة والإنسان اجتمعا، فهم جوهران وطبيعتان، فكونتا اليسوع عيسى عليه الصلاة والسلام، وهم يزعمون أن الله واحد ذو أقانيم ثلاثة: الوجود والعلم والحياة، وهي ليست زائدة عن الذات؛ فيجعلونها الصفات. وعند ذلك يقولون: «بأن جوهرين اجتمعا فكونتا الإله عيسى كما زعموا؛ فالكلمة تجسدت في جسد عيسى». وأخذ منهم طوائف ممن ينتسب للمسلمين هذا المذهب الرديء، مثل «أحوال» بهاشم المعتزلي؛ فإنها مأخوذة من دين هذه الطائفة. وهذه الطائفة هي التي تسمى اليوم بالبروستانت؛ فإنها فرقة من فرق النصارى. قال: «وهذا يقول بالاتحاد من وجه دون وجه، وهم الملكانية» أي الذين يقولون بالتدرع التي سبقت الإشارة إليها: تدرع اللاهوت بالناسوت، أي عقيدة الحلول والاتحاد. وتشبه بهم -كما لا يخفى علينا- طوائف من ضلال المسلمين من الباطنية: باطنية الرافضة والصوفية، الذين أخذوا هذه العقيدة عن هذه الفرقة من فرق النصارى المسماة بالملكانية، والملكانية أخذتها من فلاسفة الهند واليونان القائلين بالحلول والاتحاد وتناسخ الأرواح؛ فأخذوا هذه العقيدة، فمزجوها بعقيدة بقايا النصارى، فصار دينًا للنصارى، وهم اليوم أكثر النصارى الذين يسمون بالكاتوليك؛ فالكاتوليك هم الملكانية، وهم أكثر النصارى اليوم. قال رحمه الله: «وقد آمن جماعات من علماء أهل الكتاب قديمًا وحديثًا، وهاجروا إلى الله ورسوله، ووصفوا ما في كتب الله من دلالات نبوة النبي خاتم المرسلين، وما ذكرته الأنبياء في نبواتهم من أعلامه» كما وصفه «إشعيا» و«أرميا» و«دانيال»، وفي التوراة والزبور والإنجيل مواضع لمن يتدبرها. وكذلك الحواريون. وها هنا تنبيه: كتب ما في أيدي أهل الكتاب مما ينسبونه إلى الله فيها من التحريف ما لا يخفى. فمثلًا ونحن في صدد الكلام على النصارى: للنصارى أربعة أناجيل: إنجيل متى، ويوحنا، ومرقص، ولوقا. والنصارى متفقون أن «لوقا» و«مرقص» لم يريا المسيح، إنما رآه «متى» و«يوحنا». فإذا كان كذلك، علم أنه ليس بكلام الله -بكلام الله- ولا بكلام رسوله عيسى عليه الصلاة والسلام، بل هو معنى منقول، ولهذا فيه من التغيير والتبديل ما لا يخفى. وكذلك «متى» و«يوحنا» اللذان رآيا المسيح عليه الصلاة والسلام، إنما كتبا هذه الأناجيل التي تسمى عند النصارى بأناجيل بعد رفع المسيح -بعد رفع المسيح- وهم يقرون بذلك؛ فإنما كتبت بعد رفع المسيح، وهم يزعمون بعد قتل المسيح -وهو رفع عليه الصلاة والسلام- فصارت كل أناجيل النصارى بمثابة السير والمغازي والأخبار عند المسلمين؛ ليست فيها من كلام الله ولا من كلام رسوله، إنما أخبار وقصص ومعجزات ونصائح منقولة. فإذا علمنا هذا، علمنا ضعف ما يستند عليه النصارى مما ينسبونه إلى الله أو إلى رسوله عيسى عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك ما ينسب للحواريين. قال رحمه الله: «في التوراة والزبور والإنجيل مواضع لمن يتدبرها، وكذلك الحواريون» يعني في كلام الحواريين، وفي الكتب السابقة مواضع بما فيه دلالة على صدق ما جاء به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وما عليه النصارى اليوم من تخلفهم عما يجب. ولهذا آمن من آمن من أهل الكتاب وأسلم. ومن أشهرهم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم: «عبد الله بن سلام» من اليهود، و«عدي بن حاتم» من النصارى. وكذلك من البلاد: يهود اليمن، وكانوا أهل كتاب، وفيهم نصارى، ونصارى البحرين، وهم ممن أسلم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. ولم يسلموا إلا أنهم رأوا من الآيات والمعجزات ودلائل صدق النبوة والرسالة ما دعاهم أن يدخلوا في دين الإسلام بغير حرب، وإنما عن طوع. وهذا معلوم عند كل من أنصف: أنه لا يمكن لطوائف كبيرة مثل هذه أن تسلم من دون حجة ولا برهان، ولكنه الحجة والبرهان. قال رحمه الله تعالى: «فلما اختلف الأحزاب من بينهم هدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، فبعث الله النبي الذي بشر به المسيح» ومعنى أن مبعث النبي صلى الله عليه وسلم كان بعد ضلال اليهود والنصارى؛ فلما لم يبق في اليهود والنصارى دين الله الذي يحبه لخلقه، بعث نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم ليدعوهم إلى توحيد الله وعبادته. كما صحت به الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن الله نظر إلى أهل الأرض عجمهم وعربهم، فمقتهم جميعًا، فلم يبق فيهم إلا أفرادًا قلة، أحد ممن بقى على دين الله سبحانه وتعالى». ومع ذلك عندهم من الخطأ ما عندهم، وعندهم من حسن الظن وإرادة الخير ما عندهم؛ لأن الدين قد غير وبدل حتى لم يعرف أهل الكتاب -فضلا عن غيرهم- ما هو الدين الحق الذي بعث الله عز وجل به رسله جملة وتفصيلا. قال رحمه الله تعالى: «فبعث الله النبي الذي بشر به المسيح ومن قبله من الأنبياء». وهذا معلوم عند اليهود والنصارى؛ فإن من سبب إسلام الأوس والخزرج ما كانت تحدث به اليهود من أنه «هذا أوان خروج نبي، وأنه إذا خرج سيقاتلون معه المشركين، ويرون أنهم أهل توحيد وأهل دين، ويرون العرب أهل شرك، وصدقوا في ذلك، وإن كان دينهم مغير ومبدل، لكن كان العرب على شرك». فلما سمع أهل المدينة بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم سارعوا باللقاء به والدخول في دينه، قالوا: «لا تسبقكم إليه يهود». وكانوا قد سمعوا من اليهود ما سمعوا، كما صحت به الأحاديث الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم عن الصحابة فيما كان من إيمانهم بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولقائهم به في العقبة الأولى والثانية وغير ذلك مما كان بعد. وهكذا كذلك النصارى علم النصارى ما أخبر به من صفات النبي صلى الله عليه وسلم، وبهذا آمن «عدي بن حاتم»، وكذلك من اليهود «عبد الله بن سلام»، وهكذا «سلمان الفارسي»؛ وقد دار على أديان أهل الكتاب جميعًا، وكان عنده من صفات النبي صلى الله عليه وسلم -كما جاء في قصة إسلامه- ما كان دليلًا وبرهانًا على صحة ما ذكر. قال رحمه الله تعالى: «قال: بشر به المسيح من قبله من الأنبياء داعيًا إلى ملة إبراهيم ودين المرسلين قبله وبعده، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وإخلاص الدين كله لله، وطهر الأرض من عبادة الأوثان، ونزه الدين عن الشرك دقه وجله» يعني قليله وكثيره، وصغيره وكبيره، بما لا يخفى لمن عرف تفاصيل مسائل العقيدة والتوحيد في دين الإسلام. فإن دين الإسلام دين عظيم جاء لحماية وحفظ التوحيد من جميع وسائل وذرائع الشرك، فضلا عن الشرك. ولهذا لا ينظر أحد من العقلاء -ولو كان كافرًا- بل قد شهد -كما نقل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مواضع من كتبه- عن عدد من الفلاسفة ممن اطلعوا ووقفوا على دين الإسلام: أنه دين حق، وأنه لا يوجد في الأرض دين هو أحسن أو أفضل منه، بل هو أفضل وأحسن الأديان في الإحكام والإتقان الذي فيه، والفضائل والكمال الذي يدعو إليه. قال رحمه الله تعالى: «قال: بعدما كانت الأصنام تعبد في أرض الشام وغيرها في دولة بني إسرائيل، ودولة الذين قالوا: «إن نصارى» يعني دولة اليهود، وهكذا دولة النصارى أي الروم. ولا يخفى ما كان يقع بين اليهود والنصارى في ذلك» يعني من الحروب والاقتتال، وما هم عليه من الشرك والتغيير والتبديل. قال: «وأمر بالإيمان بجميع كتب الله المنزلة: كالتوراة والإنجيل والزبور والفرقان، وبجميع أنبياء الله من آدم إلى محمد صلى الله عليه وسلم». قال الله تعالى في تنزيله: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ وأمر الله ذلك الرسول بدعوة الخلق إلى توحيده بالعدل، فقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ فالنبي صلى الله عليه وسلم بعث بدعوة التوحيد التي كانت دعوة الأنبياء والرسل من قبله، ومن إنصاف وعدل ما جاء به. وكمال أهل هذا الدين: أنهم يدعون للإيمان بكل الرسل، وبكل الكتب التي صحت عن الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، بخلاف اليهود والنصارى كما أخبر الله عز وجل عنهم. وهذا هو واقعهم إلى يومنا هذا، كما قال سبحانه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم، ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ وهذا هو واقع أمرهم وحالهم؛ يكذب بعضهم بعضًا مع علمهم ووقوفهم على ما يجب من الإيمان بالأنبياء والرسل، وما أنزل عليهم من كتب جميعًا. فهم يعلمون -اليهود والنصارى- أن أمة الإسلام: الأمة التي أنصفت جميع الرسل، وآمنت بكل الكتب، فكانوا أحق الناس بالحق. وهذا لمن كان منصفًا وعالمًا منهم، ولكن -كما تقدم- الكثير منهم إما من أهل الجهل، وإما من أهل الدنيا أو الكبر والعناد؛ فهم ثلاث طوائف. قال: «وأمره أن تكون صلاته وحجه إلى بيت الله الحرام الذي بناه خليل إبراهيم أبو الأنبياء وإمام الحنفاء». وجعل أمته وسطًا معتدلين لا ينحرفون إلى الأطراف؛ فلم يغلوا في الأنبياء والصديقين غلوًا عدلهم -يعني من ظلمهم- فالعدل ها هنا الظلم، أما العادلون فكانوا الجهنم حطبًا -يعني الظالمون- قال: «غلوًا عدلهم بالله أو سواهم بالله» يجوز هذا وهذا. قال: «وجعل فيهم شيئًا من الإلهية وعبدهم، وجعلهم شفعاء، ولم يجفو جفاء من آداهم». وهؤلاء الطائفة الأولى: النصارى، ومن تشبه بهم، ولم يجفو جفاء من آداهم: استخف بحرماتهم وأعرض عن طاعتهم، بل عزروا الأنبياء. وهؤلاء الفرقة الثانية: هم اليهود؛ استخفوا بالحرمات، بل استحلوا دماءهم، فقتلوا من قتلوا من الأنبياء والرسل. قال: «بل عزروا الأنبياء» أي أهل الإسلام؛ أي عظموهم ونصروهم وآمنوا بما جاءوا به وأطاعوهم واتبعوهم وأتموا بهم وأحبوهم وأجلوهم، ولم يعبدوا إلا الله، كما قال الله عز وجل بعد أن ذكر عددًا من أنبيائه ورسله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهْ﴾ وكما تقدم في الآيات السابقات. قال: «ولم يعبدوا إلا الله؛ فلم يتوكلوا إلا عليه، ولم يستعينوا إلا به». في نسخة: «يتكلوا يتكلوا» بدل «يتوكلوا»، وهي بمعناها؛ ما في فرق. قال: «مخلصين له الدين حنفاء». وكذلك في الشرائع كلها؛ قالوا: «ما أمرنا الله به طعناه، وما نهانا عنه انتهينا». وإذا نهانا عما كان أحله -كما نهى بني إسرائيل عما كان أباحه ليعقوب كما أخبرنا الله في سورة «آل عمران»- أو أباح لنا ما كان حرامًا -كما أباح المسيح بعض الذي حرم الله على بني إسرائيل- سمعنا وأطعنا. يعني ما حرم على اليهود كما أخبرنا الله عز وجل بذلك في سورة «النساء» و«المائدة» وآيات كثيرة مما أسقط الله عز وجل من الأغلال والآصار مما كان على بني إسرائيل بمبعث عيسى عليه الصلاة والسلام. قال: «وأما غير رسل الله وأنبيائه، فليس له من يبدل دين الله، ولا يبتدع في الدين ما لم يأذن به الله والرسل؛ إنما قالوه تبليغًا عن الله» يعني لا يظن الظان أن التغيير والتبديل يجوز لكل أحد. فإن من شبه النصارى في تحليلهم التغيير والتبديل: أنهم يفعلون ذلك مخالفة لأعدائهم؛ مخالفة لأعدائهم، فجعلوا ما يفعلون من التوجه إلى بيت المشرق -إلى جهة المشرق- مخالفة لليهود إذا اتجهوا إلى بيت المقدس، وللمسلمين إذ يتجهون إلى الكعبة؛ فقالوا: «نحن نخالف هؤلاء» فاتخذوا لأنفسهم -كما زعموا- دينًا. وهذا كثير من الشبه التي يستدلون بها؛ فيزين لهم الشيطان هذا التغيير والتبديل، حتى التحليل والتحريم يزعمون أنه مخالفة لأعدائهم. وهذا لا يجوز؛ فهم يعلمون -لو أنصفوا- أن هذا حق لله خالص، لا يجوز لأحد أن يحلل ويحرم، حتى الرسل إنما تحدث الناس بما أوحاه الله عز وجل إليهم؛ فهم مبلغون عن الله، كما قال رحمه الله. قال: «فإنه سبحانه وتعالى له الخلق والأمر؛ فكما لا يخلق غيره، لا يأمر غيره» يعني كما أنه المتفرد بالخلق، فهو المتفرد بالأمر: أمره الشرعي والكوني؛ فوجب أن يطاع فيما أمر، ويجتنب ما نهى عنه وزجر. قال: «قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وأما أهل الكتاب، فكما أخبر الله عز وجل عنهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وفي حديث «عدي بن حاتم» -حين استشكل الآية- بيّن له النبي صلى الله عليه وسلم: «أن تحليلهم وتحريمهم لما حرم وأحل الله مخالفة لما أنزل الله، هذا من معنى الربوبية، واتخاذهم أربابًا». قال: «وتوسطت هذه الأمة في الطهار والنجاس، وفي الحلال والحرام، وفي الأخلاق». ولم يجردوا الشدة كما فعله الأولون -يعني اليهود- ولم يجردوا الرأفة كما فعله الآخرون -بل عاملوا أعداء الله بالشدة، وعاملوا أولياء الله بالرأفة والرحمة- وقالوا في المسيح ما قاله الله، وأنبياؤه، وما قاله المسيح والحواريون، لا ما ابتدعه الغالون والجافون. وهكذا هم أهل الإسلام في جميع