الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 20، الدرس العشرون:من( باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما ... أنه أخبر أن طلبهم كطلب بني إسرائيل لما قالوا لموسى اجعل لنا إلها ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح حديث أبي واقد الليثي وتحذير النبي من اتباع سنن الجاهلية، وتناول مسألة سد الذرائع والتحذير من التشبه بأهل الجاهلية.
يتناول حكم التبرك بالشجر والحجر ونحوهما، ويعتبر التبرك بغير ما أذن به الله شركًا، إما أكبر أو أصغر، حسب اعتقاد المتبرك.
يناقش أهمية تبرؤ المسلمين من المشركين وتحذيرهم من الوقوع في بقايا الشرك، ويبين أن المقاصد الحسنة لا تنفع إذا كانت الأفعال شركًا وكفرًا.
يبين أسلوب الداعية في إقناع المستمع بالانتقال من ضرب الأمثال إلى تقديم الدليل والتعليل، ويظهر تدرجه في العرض حتى يصل إلى النقطة الرئيسية.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه "كتاب التوحيد": باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما. وقول الله تعالى: ﴿فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ الآيات. قال عن أبي واقد الليثي: قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم. "يعكفون" يعني يجلسون على وجه الاعتكاف قليلًا أو كثيرًا، ولو كان دقائق يسمى اعتكافًا لغة وعرفًا. وقوله: "ينوطون" أن يعلقوا. قال: وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط. فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الله أكبر، إنها السنن". وقرئ كذلك "السنن"، يجوز هذا وهذا. قال: "قلتم -والذي نفسي بيده- كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة. قال: إنكم قوم تجهلون. لتركبن سنن من كان قبلكم". أي طرق، وقرئ كذلك "سنن". قال: "من كان قبلكم". رواه الترمذي وصححه. قال فيه مسائل: الأولى تفسير آية النجم، الثانية معرفة صورة الأمر الذي طلبوا، الثالثة كونهم لم يفعلوا، الرابع كونهم قصدوا التقرب إلى الله بذلك لظنهم أنه يحبه، الخامسة أنهم إذا جهلوا هذا فغيرهم أولى بالجهل، السادسة أن لهم من الحسنات والوعد بالمغفرة ما ليس لغيرهم، السابعة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعدرهم بل رد عليهم بقوله: "الله أكبر، إنها السنن" لتتبعن سنن من كان قبلكم، فغلظ الأمر بهذه الثلاث. قال: الثامنة الأمر الكبير، وهو المقصود أنه أخبر أن طلبهم كطلب بني إسرائيل لما قالوا لموسى: اجعل لنا إلها. التاسعة أن نفي هذا من معنى "لا إله إلا الله" مع دقته وخفائه على أولئك. العاشرة أنه حلف على الفتية، وهو لا يحلف إلا لمصلحة أي عظيمة. قال: الحادي عشر أن الشرك فيه أكبر وأصغر، لأنهم لم يرتدوا بهذا. الثانية عشر قولهم: "ونحن حدثاء عهد بكفر" فيه أن غيرهم لا يجهل ذلك. قال: الثالثة عشر التكبير عند التعجب، خلافًا لمن كرهه. الرابعة عشر سد الذرائع. الخامسة عشر أنهي عن التشبه بأهل الجاهلية. السادسة عشر الغضب عند التعليم. السابعة عشر القاعدة الكلية لقوله: "إنها السنن". قال: الثامنة عشر أن هذا علم من أعلام النبوة، لكونه وقع كما أخبر. التاسعة عشر أن كل ما ذم الله به اليهود والنصارى في القرآن أنه لنا. العشرون أنه مقرر عندهم أن العبادات مبناها على الأمر، فصار فيه التنبيه على مسائل القبر. وأما من ربك فواضح، وأما من نبيك فمن إخباره بأنباء الغيب، وأما ما دينك فمن قولهم: "اجعل لنا إلها" إلى آخره. قال: الحادية والعشرون أن سنة أهل الكتاب مذمومة كسنة المشركين. الثانية والعشرون أن المنتقل من الباطل الذي اعتاده قلبه لا يؤمن أن يكون في قلبه بقية من تلك العادة، لقوله: "ونحن حدثاء عهد بكفر". أورد الشيخ، رحمه الله تعالى، هذا الباب، وكما نرى مناسبته بعد ذكره باب ما جاء في الرقى والتمائم، وما قبله، فإنه مناسب جدًا، فإنه بعد أن ذكر أمر النهي عن التعلق بأي شيء من لبس الحلقة والخيط ونحوهما، وهكذا كذلك ما يتعلق بالرقى والتمائم وتفصيل حكمهما، ناسب أن يذكر كذلك مسألة التبرك. فالأولى التعلق بتلك الذوات الحسية أو الأمور المعنوية، وهذا معنى آخر من ذاك التعلق، وهو أخص، وهي قضية التبرك أن يظن شيئًا فيه البركة. وقوله: "باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما" ولم يذكر الحكم. قال العلماء: جواب الحكم معروف بما ذكر من الأدلة، فتقديره شرك وكفر، أي حكمه الشرك أو الكفر، وقد يكون شركًا أكبر أو شركًا أصغر. وأصل التبرك طلب كثرة الخير بفعل يفعله أو بذات يتقرب بها، فقد يكون بذات، وقد يكون بوصف. وليس شيء يتبرك به إلا ما جعله الله عز وجل مباركًا. قال الله عز وجل: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ فليس الماء بذاته مباركًا، ولكن بآثاره، فإنه سبب لحصول النبات والثمر والخير للناس. وقوله: "وقول الله تعالى: ﴿فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ الآية" يشير، رحمه الله تعالى، إلى ما كان عليه أهل الجاهلية من التبرك باللات وبالعزى، فإنهم كانوا يتبركون بهذه الأوثان، ويدل عليه قصة خالد بن الوليد التي ذكرها الشراح. فالشاهد كانوا يتبركون بالأوثان، فهو من فعل أهل الجاهلية، إذن من التبرك ما هو الشرك الأكبر وكفر، ومنه ما هو شرك أصغر. فالشرك الأكبر هو أن يعتقد النفع والضر في ذاتي المتبرك به، فهذا الشرك الأكبر. والشرك الأصغر أن يظن أن الله عز وجل جعل شيئًا ما سببًا للبركة وأذن بالتبرك به، وهذا فيما لم يأذن به الله يعتبر شركًا، أو فيما أذن الله به فيعتقد التبرك بذاتي المتبرك، فهو كذلك شرك. ومثاله -مثلا- ماء زمزم، ثبت أنه ماء مبارك من جهة الأحاديث الكثير المروية في ذلك، فمن شربه وطمع في بركة هذا الماء أن يشفيه الله عز وجل وغير ذلك، وهو يطلب من الله سبحانه وتعالى، ففعل المأذون فيه. ومن شربه وظن أنه ينفع ويضر بذاته، فهو وقع في الممنوع. وقوله عن أبي واقد الليثي، هذه القصة قصة عظيمة، وهي في هذا الحديث الصحيح الذي صححه عدد من الأئمة، ومنهم شيخنا في "الصحيح المسند"، وهكذا العلامة الألباني، رحمه الله، في مواضع من كتبه. وقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث: "الله أكبر، إنها السنن" فيه بيان أنه لا يجوز الأخذ بطرق الكافرين والمشركين والتتبع لذلك. وهذا هو السبب الذي لأجله دخلت هذه الخصلة أو كادت أن تدخل على هؤلاء الصحابة الذين هم حدثاء عهد بكفر. ومعنى أن المسلم ينبغي أن يتبرأ من المشركين وغيرهم، ولهذا ذكر من المسائل تلك المسألة اللطيفة المهمة التي فيها التنبيه إلى أن من نجاه الله من شر مهما كان هذا الشر، فإنه ينبغي عليه أن يحذر من متعلقاته وبقاياه، فإنه قد يكون له متعلقات وبقايا خفية لا يشعر بها. وقوله: "فيه مسائل" ثم ذكر الأولى تفسير آية النجم، يعني أن من تفسيرها أنه عن عبادة الأوثان والتبرك بها كذلك، لأن هذا كان واقعًا من فعل أهل الجاهلية. وقوله: "معرفة صورة الأمر الذي طلبوا" يعني صورته أنهم طلبوا التبرك، ومع ذلك سماه النبي صلى الله عليه وسلم كفرًا وشركًا، فهم لم يطلبوا عبادة الشجرة -يعني السدرة- لما مروا بالسدرة، ما طلبوا عبادتها ولا طلبوا السجود لها ولا طلبوا الطواف بها وحولها. وقوله: "الثالث كونهم لم يفعلوا" يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم نهاهم عن ذلك، ومع ذلك أنكر عليهم، فكيف إذا فعلوا؟ وقد أنكر عليهم النبي عليه الصلاة والسلام بمثل هذا الإنكار، وهم لم يفعلوا، فكيف إذا فعلوا؟ وقوله: "الرابع كونهم قصدوا التقرب إلى الله بذلك لظنهم أنه يحبه" يعني مع ذلك ما نفعهم هذا القصد الحسن، فهم قصدوا قصدًا حسنًا، وما نفعهم. وكذلك عباد القبور لهم مقاصد حسنة، بعضهم لهم مقاصد حسنة، لكن ما تنفع هذه المقاصد الحسنة إذا كان الفعل يعد شركًا وكفرًا. فالعبرة بحقائق الأعمال والأقوال، وليست العبرة بالمقاصد والنيات. ورحم الله ابن مسعود إذ قال: "وكم من مريد للخير لا يدرك". فليس كل من أراد الخير أدركه. وقوله: "الخامس أنهم إذا جهلوا هذا فغيرهم أولى بالجهل" يشير، رحمه الله تعالى، إلى أن هذه المسألة وقع فيها الجهل من بعض الصحابة، ولو كانوا حدثاء عهد بجاهلية وكفر، إذا وقعت من بعض الصحابة، فغير الصحابة من باب أولى أن يجهل المسائل، ينبغي أن يتعلمها. وقوله: "السادس أن لهم من الحسنات والوعد بالمغفرة ما ليس لغيرهم" يشير أن هذا الإنكار عليهم مع ما لهم من السابقة والوعد بالمغفرة، وفضائل الصحابة أكثر من أن تعد وتحصر، ومع ذلك بيّن النبي عليه الصلاة والسلام أنهم طلبوا ما هو كفر وشرك. وقوله: "الثامنة الأمر الكبير، وهو المقصود أنه أخبر أن طلبهم كطلب بني إسرائيل لما قالوا لموسى: اجعل لنا إلها" قوله: "الأمر الكبير، وهو المقصود" يعني من هذا الباب أن فاعل هذا النوع من التبرك كافر ومشرك إذا فعله على هذا الوصف والقصد، فلا فرق بين من علق بشجر يسمى ذات أنواط وبين من علق بحجر أو بقبر. ولهذا قال: "بشجر أو حجر ونحوهما". وتأمل هذا، وتجد بهذا أن الشيخ، رحمه الله، صدع بالحق، وفي نفس الوقت ترفق به؛ لأنه لم يذكر الحكم مباشرة، ولم يعين المسمى مباشرة، وهذا أدعى لقبول الحق والاطلاع والوقوف عليه. فكذلك أنت قد تحتاج في نقاش بعض عباد القبور أن تقول له: ما رأيك بمن فعل كذا وكذا؟ فأنت لا تحكم، تجعله هو يحكم، تضرب المثل بشجر، تضرب المثل بحجر، ثم تنتقل بعد أن تضرب المثل بالشجر والحجر وتأتي بالدليل والتعليل، تنتقل معه: فما الفرق إذن بين الشجر والقبر؟ ما الفرق إذن بين الحجر والقبر؟ نكتفي بهذا، ون، وترك الباقي لدرس لاحق؛ لانتهاء الوقت، والله تعالى أعلم.