التأني من الرحمن والعجلة من الشيطان

الخطبة بعنوان التأني من الرحمن والعجلة من الشيطان، والتي كانت بدار الحديث بالفيوش 25 محرم 1443هـ الموافق 3 سبتمبر 2021م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

التأني والعجلة في الإسلام

يُناقش أهمية التأني وخطورة العجلة في حياة المسلم، ويشير إلى أن التأني من صفات الرحمن بينما العجلة من الشيطان. يُوضح المواضع التي يُستحب فيها كلٌ منهما مستندًا إلى القرآن والأحاديث.

أهمية التثبت ومواجهة الأخبار الكاذبة

يؤكد على أهمية التثبت من الأخبار قبل قبولها، ويشير إلى خطورة الأخبار الكاذبة في تفرقة الجماعات. يشدد على ضرورة التمسك بخلق التأنّي والحلم في مواجهة الفتن.

التأني في الحكم والإقدام على الأعمال

يُنبه إلى أهمية التأني في الحكم بين الناس وعدم العجلة في اتخاذ القرارات، ويحذر من العجلة في الإقدام على الأعمال دون التخطيط. يشير إلى ضرورة الاستماع إلى جميع الأطراف قبل إصدار الحكم.

التفريغ النصي الكامل

إِنَ الْحَمْدَ لِلَّهِ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا. أَمَّا بَعْدُ، عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيدِ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى، وَخَيْرَ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ. عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْزَلَ إِلَيْنَا هَذَا الْكِتَابَ الْعَظِيمَ، قُرْآنَهُ الَّذِي يَهْدِي بِهِ النَّاسَ إِلَى مَا فِيهِ الْخَيْرُ لَهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا وَفِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، وَبَعَثَ لَنَا رَسُولَهُ الْكَرِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ لِيَهْدِيَ النَّاسَ لِمَا فِيهِ الْخَيْرُ لَهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ بِالدَّارِ الْآخِرَةِ. كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، وَكَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. فَهَدَانَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَذَا الدِّينِ لِأَكْمَلِ الْعَقَائِدِ، وَأَكْمَلِ الْعِبَادَاتِ، وَأَكْمَلِ الْمُعَامَلَاتِ، وَأَكْمَلِ الْأَخْلَاقِ، وَدَلَّنَا بِمَا بَعَثَ بِهِ رَسُولَهُ وَأَرْسَلَ بِهِ كِتَابَهُ إِلَى مَا فِيهِ الْخَيْرُ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ بِالدَّارِ الْآخِرَةِ. حَتَّى إِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمْ يَدَعْ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً مِمَّا يَحْتَاجُهُ النَّاسُ إِلَّا وَقَدْ جَعَلَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِنَبِيِّهِ عَلَمًا فِي دِينِهِ وَشَرْعِهِ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾. فَلِذَلِكَ، عِبَادَ اللَّهِ، إِذَا أَرَدْتَ الْكَمَالَ فِي دُنْيَاكَ وَالْكَمَالَ فِي آخِرَتِكَ، فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا أَنْ تَأْخُذَ الْهُدَى مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ، وَمِمَّا بَعَثَ بِهِ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. الَّذِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهُ: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. فَمَا كَانَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلٍ وَفِعْلٍ وَهَدْيٍ وَسَمْتٍ وَإِقْرَارٍ وَتَقْرِيرٍ، كُلُّ ذَلِكَ بِوَحْيٍ مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْحَكِيمِ الْعَلِيمِ. عِبَادَ اللَّهِ، نَحْنُ بِحَاجَةٍ مَاسَّةٍ أَنْ نَهْتَدِيَ بِهَدْيِ هَذَا الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَأَنْ نَهْتَدِيَ كَذَلِكَ بِهَدْيِ الرَّسُولِ الْكَرِيمِ فِي جَمِيعِ جَوَانِبِ حَيَاتِنَا، لِيَكُونَ لَنَا الْخَيْرُ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ بِالدَّارِ الْآخِرَةِ. وَمِنْ ذَلِكَ، عِبَادَ اللَّهِ، أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَرْشَدَنَا إِلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَأَرْشَدَنَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِلَى مَا فِيهِ الْخَيْرُ لَنَا فِي أَقْوَالِنَا وَفِي أَفْعَالِنَا وَفِي تَصَرُّفَاتِنَا. وَمِنْ تِلْكَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ وَالتَّصَرُّفَاتِ وَالْمَوَاقِفِ الَّتِي قَدْ يَنْصَرِفُ الْإِنْسَانُ فِيهَا عَنْ الصَّوَابِ وَعَمَّا فِيهِ الْخَيْرُ لِنَفْسِهِ فِي دُنْيَاهُ وَفِي آخِرَتِهِ، خُلُقَانِ اثْنَانِ، النَّاسُ فِيهِمَا بَيْنَ إِفْرَاطٍ وَتَفْرِيطٍ، وَقَلِيلٌ مَنْ يُوَفِّقُهُ اللَّهُ لِأَنْ يَسْلُكَ مَسْلَكَ الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي هَذَا الْبَابِ، أَلَا وَهُمَا التَّأَنِّي وَالْعَجَلَةُ. جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «التَّأَنِّي مِنْ الرَّحْمَنِ وَالْعَجَلَةُ مِنْ الشَّيْطَانِ». هَذَا هُوَ الْأَصْلُ فِي هَذَيْنِ الْخُلُقَيْنِ، أَنَّ التَّأَنِّيَ مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُحِبُّهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَأَنَّ الْعَجَلَةَ مِنْ الشَّيْطَانِ. لِمَا فِي التَّأَنِّي مِنْ الْخَيْرِ الْكَثِيرِ لِهَذَا الْإِنْسَانِ فِي أَمْرِ دُنْيَاهُ وَفِي أَمْرِ آخِرَتِهِ، وَلِمَا فِي التَّأَنِّي كَذَلِكَ مِنْ أَبْوَابِ السَّلَامَةِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا مَنْ جَرَّبَ هَذَا الْخُلُقَ الْكَرِيمَ. وَلِذَلِكَ كَانَ هَذَا مِنْ خُلُقِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَمِنْ خُلُقِ أَتْبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. كَمَا أَرْشَدَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ ذَلِكَ فِي عَدَدٍ مِنْ آيَاتِهِ، وَهَكَذَا نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سِيرَتِهِ الْعَطِرَةِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ. وَالْعَجَلَةُ كَذَلِكَ مِنْ خُلُقِ الشَّيْطَانِ الَّذِي يُحِبُّهُ الشَّيْطَانُ، فَيَدْفَعُ الْإِنْسَانَ إِلَى مَا فِيهِ الْخَسَارَةُ لَهُ وَالنَّدَامَةُ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ. وَلَكِنَّ مَعَ ذَلِكَ فَهُنَاكَ مَوَاضِعُ لِلتَّأَنِّي، وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ، وَهُنَاكَ مَوَاضِعُ لِلْعَجَلَةِ وَهِيَ كَذَلِكَ الْأَصْلُ فِي تِلْكَ الْمَوَاضِعِ. فَمِنْ مَوَاضِعِ التَّأَنِّي فِي الْحُكْمِ عَلَى الْأَشْخَاصِ وَعَلَى الْأَقْوَالِ وَعَلَى الْأَفْعَالِ، فَأَنْتَ مَأْمُورٌ أَنْ تَتَأَنَّى وَأَنْ لَا تَسْتَعْجِلَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ. كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾، وَفِي قِرَاءَةٍ سَبْعِيَّةٍ أُخْرَى: ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ «أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ». مَا أَكْثَرَ الْفِتَنَ الَّتِي تَحْصُلُ بَيْنَ الْأَفْرَادِ وَالْجَمَاعَاتِ، فَرَّقَتْ بَيْنَ الْأَبِ وَابْنِهِ، وَبَيْنَ كَذَلِكَ الْأُمِّ وَبِنْتِهَا، وَبَيْنَ الْأُسْرَةِ الْوَاحِدَةِ وَالْجَمَاعَةِ الْوَاحِدَةِ وَالْفِرْقَةِ الْوَاحِدَةِ، بِسَبَبِ سُعَاةِ السُّوءِ وَبِمَا يَكُونُ مِنْ الْأَخْبَارِ الْكَاذِبَةِ وَالنُّقُولَاتِ الزَّائِفَةِ الَّتِي تَكُونُ سَبَبًا فِي تَفْرِيقِ الْجَمَاعَاتِ وَتَقْطِيعِ الْأَرْحَامِ. وَكُلُّ ذَلِكَ بِسَبَبِ الْعَجَلَةِ الَّتِي ذَمَّهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَلِهَذَا كَانَ الْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ الْعَظِيمَةَ، وَهُوَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾، وَفِي قِرَاءَةٍ سَبْعِيَّةٍ: ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾. أَيْ إِن جَاءَكَ خَبَرٌ فَلَا تَسْتَعْجِلْ، وَأَحْسِنْ الظَّنَّ بِإِخْوَانِكَ وَمَنْ مَعَكَ، وَلَا تَقْبَلِ الْخَبَرَ بِمُجَرَّدِ وُصُولِهِ. فَعَلَيْكَ أَنْ تَتَثَبَّتَ مِنْهُ، وَعَلَيْكَ أَنْ تَتَفَحَصَهُ وَتَنْظُرَ. وَإِذَا كَذَلِكَ ثَبَتَ فَاجْعَلِ الْمَعَاذِيرَ، فَلَعَلَّ لَهُ عُذْرًا وَأَنْتَ تَلُومُ. وَكَمْ مِنْ أَخْبَارٍ آفَاتُهَا نَقَلَتْهَا، وَلَكِنْ إِذَا تَأَنَّيْتَ وَإِذَا صَبَرْتَ. بَلْ وَإِنْ وَقَعَ كَذَلِكَ الْخَطَأُ، فَمَا هُوَ الْمَوْقِفُ السَّلِيمُ الْكَامِلُ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ وَالَّذِي كَذَلِكَ يَدْعُوكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ؟ هَلْ هُوَ مُقَابَلَةُ السَّيِّئَةِ بِالسَّيِّئَةِ، أَوْ مُقَابَلَةُ الْحَسَنَةِ لِلسَّيِّئَةِ؟ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. وَلِذَلِكَ، عِبَادَ اللَّهِ، كَانَ مِنْ التَّأَنِّي وَالْحِلْمِ وَالْأَنَاةِ مَا يَكُونُ سَبَبًا فِي الْإِصْلَاحِ الْعَظِيمِ بَيْنَ النَّاسِ. صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَظَرَ إِلَهُ الْحَسَنَ يَوْمًا فَقَالَ: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ». فَكَانَ مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهَذَا عِلْمٌ مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ وَصِدْقِ رِسَالَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ. فَأَصْلَحَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالْحَسَنِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ، فِي وقْتِ وُقُوعِ الْاخْتِلَافِ بَيْنَ مَنْ كَانَ مَعَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، وَبَيْنَ مَنْ كَانَ مَعَ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ. فَلَمَّا حَصَلَ الَّذِي حَصَلَ مِنْ قَتْلِ الْبَغَاةِ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، وَانْتَقَلَتِ الْخِلَافَةُ لِلْحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ. كَانَ مِنْهُ مَا كَانَ بِهِ الْإِصْلَاحُ بَيْنَ تِلْكَ الطَّائِفَتَيْنِ الْعَظِيمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ اقْتَتَلَتَا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ. فَأَصْلَحَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بَيْنَ تِلْكَ الطَّائِفَتَيْنِ بِمَا كَانَ مِنْ تَأَنِّي الْحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَحِلْمِهِ وَأَنَاتِهِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ مِنْ دَفْعِ السَّيِّئَةِ بِالْحَسَنَةِ. فَأَصْلَحَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ. فَاللَّهُ اللَّهُ مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، بِمَا يَكُونُ مِنْ التَّمَسُّكِ بِهَذَا الْخُلُقِ الْعَظِيمِ، يُصْلِحْ لَكُمْ أَمْرَكُمْ، وَيَرْفَعْ قَدْرَكُمْ، وَيَكُونُ بِهِ اجْتِمَاعُ أَهْلِ الْحَقِّ وَأَهْلِ الْفَضْلِ، وَصِلَةُ الْأَرْحَامِ كَذَلِكَ تَقْوَى، وَيَذْهَبْ عَنْكُمْ شَيَاطِينُ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ مِمَّا يَطْمَعُونَ فِي تَفْرِيقِكُمْ بَيْنَ أَهْلِ الْحَقِّ. وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ عَنْ الشَّيْطَانِ، وَهُوَ حَرِيصٌ عَلَى إِضْلَالِ النَّاسِ: قَالَ: «أَيْسَ الشَّيْطَانُ أَنْ يُعْبَدَ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ بِالتَّحْرِيشِ». وَهَذَا هُوَ الشَّاهِدُ. «فَإِنَّ التَّحْرِيشَ هُوَ أَعْظَمُ مَا يَطْمَعُ بِهِ شَيَاطِينُ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ». وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ الصَّحِيحِ: «أَنَّ إِبْلِيسَ نَصَبَ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، وَيَأْتِيهِ الشَّيْطَانُ فَيَقُولُ: مِنْ جُنْدِي مَا زُلْتَ بِفُلَانٍ حَتَّى فَرَّقْتَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ». قَالَ: «أَنْتَ أَنْتَ -أَوْ كَمَا قَالَ-». وَهَذَا يُدَلِّلُ أَنَّ التَّفْرِيقَةَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ أَوْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ بَيْنَ ذَوِي الْأَرْحَامِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِنْ أَعْظَمِ مَا يُفَرِّحُ بِهِ شَيَاطِينُ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ. فَاحْذَرْ يَا أَيُّهَا الْمُسْلِمُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَكَ شَيَاطِينُ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، وَبَيْنَ مَنْ تُحِبُّ مِنْ أَهْلِكَ، وَوَالِدِكَ، مِنْ زَوْجَتِكَ، مِنْ وَالِدَيْكَ، مِنْ أَهْلِكَ، مِنْ ذَوِي قَرَابَتِكَ وَرَحِمِكَ، مِنْ كَذَلِكَ إِخْوَانِكَ مِنْ أَهْلِ هَذَا الدِّينِ الْعَظِيمِ. بَلْ نَحْنُ بِهَذَا الزَّمَانِ أَحْوَجُ مَا نَحْتَاجُ أَنْ نَتَّقِيَ اللَّهَ جَمِيعًا أُمَّةً وَاحِدَةً، نَجْتَمِعُ عَلَى الْحَقِّ لِنُوَاجِهَ الْأَعْدَاءَ بِكَثْرَتِهِمْ. انْظُرُوا كَيْفَ تَكَالَبَ أَعْدَاءُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ جَمِيعِ طَوَائِفِ الْأَرْضِ، أَعْدَاءُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ، اجْتَمَعُوا مِنْ جَمِيعِ طَوَائِفِ أَهْلِ الْأَرْضِ، يَتَكَالَبُونَ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ. فَالْحَذَرُ الْحَذَرُ أَنْ نَكُونَ لُغْمَةً سَائِغَةً بِمَا كَانَ مِنْ تَفَرُّقِ بَعْضِنَا، وَمَا يَكُونُ كَذَلِكَ مِنْ قَبُولِ الْأَخْبَارِ الْكَاذِبَةِ وَالنُّقُولَاتِ الزَّائِفَةِ الَّتِي تَكُونُ سَبَبًا فِي تَفْرِيقِ جَمْعِنَا وَإِضْعَافِ قُوَّتِنَا وَحُصُولِ الشِّتَاتِ بَيْنَنَا. وَعِنْدَ ذَلِكَ نَكُونُ لُغْمَةً سَائِغَةً أَمَامَ هَؤُلَاءِ الْأَعْدَاءِ، مِنْ كُفَّارٍ وَمُشْرِكِينَ وَعَلْمَانِيِّينَ وَمُنَافِقِينَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمُبْتَدِعَةِ الَّذِينَ هُمْ أَذْنَابُ أُولَئِكَ الْكَافِرِينَ. وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كَذَلِكَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ، وَهُوَ يُحَذِّرُنَا مِنْ آثَارِ التَّفَرُّقِ وَشُؤْمِ عَاقِبَتِهِ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. نَسْأَلُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يُلْهِمَنَا رُشْدَنَا، وَأَنْ يَجْعَلَنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، الصَّادِقِ الْأَمِينِ. أَمَّا بَعْدُ، عِبَادَ اللَّهِ، وَإِنَّ مِنْ مَوَاضِعِ التَّأَنِّي كَذَلِكَ التَّأَنِّيَ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ مَوَاضِعِ التَّأَنِّي، وَمِمَّا حَذَّرَ مِنْهُ الْإِنْسَانَ أَنْ يَعْجَلَ. وَقَدْ جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ حِينَ أَرْسَلَ عَلِيًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى الْيَمَنِ، أَوْصَاهُ بِوَصَايَا، وَمِمَّا أَوْصَاهُ أَلَّا يَقْضِيَ بَيْنَ خَصْمَيْنِ حَتَّى يَسْمَعَ مِنَ الْآخَرِ. بَلْ أَخْبَرَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ فِي قِصَّةِ خَصْمَيْنِ اثْنَيْنِ تَسَوَّرَا الْمِحْرَابَ عَلَى نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ، فَكَانَ أَحَدُهُمَا عَجِلَ بِتَقْدِيمِ الشَّكْوَى، فَسَمِعَ مِنْ الْأَوَّلِ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ مِنْ الْآخَرِ، فَقَضَى قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ مِنْ الْآخَرِ، لِمَا كَانَ مِنْ لَحْنِ حُجَّتِهِ. وَعِنْدَ ذَلِكَ وَقَعَ فِي الْعَجَلَةِ الَّذِي حَذَّرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهَا، فَعَلِمَ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي ذَلِكَ، فَخَرَّ رَاكِعًا لِرَبِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَأَنَابَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَنَا فِي تِلْكَ الْقِصَّةِ الْعَظِيمَةِ: ﴿هَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ قَالَ إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾. انْظُرُوا كَيْفَ أَنَّ أَحَدَهُمَا جَعَلَ هَذِهِ الْحُجَّةَ سَبَبًا فِي الْبَغْيِ وَالطُّغْيَانِ عَلَى صَاحِبِهِ. فَقَضَى نَبِيُّ اللَّهِ بِمَا كَانَ مِمَّا سَمِعَ مِنْ الطَّرَفِ الْأَوَّلِ، وَلَمْ يَتَأَنَّ فَيَسْمَعَ مِنْ الطَّرَفِ الْآخَرِ، فَوَقَعَ فِي الْخَطَأِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. فَكَانَ مَا أَخْبَرَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ. وَهَكَذَا كَذَلِكَ أَنْتَ يَا أَيُّهَا الْمُسْلِمُ، إِذَا بَلَغَتْكَ خُصُومَةٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَلَا تَعْجَلْ حَتَّى تَسْمَعَ مِنْ الطَّرَفَيْنِ. وَعَظِّمْ مِنْ هَذَا أَنْ تَقْضِيَ أَوْ تَحْكُمَ أَوْ تُصْلِحَ، فَلَا تَسْتَعْجِلْ حَتَّى تَسْمَعَ مِنْ الْخُصُومِ كُلِّهِمْ، وَمِنْ الْأَطْرَافِ جَمِيعًا، حَتَّى يَكُونَ كَلَامُكَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَيَرْضَاهُ. وَمِنْ تِلْكَ الْمَوَاضِعِ كَذَلِكَ، عِبَادَ اللَّهِ، الْعَجَلَةُ الْمَذْمُومَةُ فِيمَا يَكُونُ كَذَلِكَ فِي الْإِقْدَامِ عَلَى بَعْضِ الْأَعْمَالِ مِنْ أَعْمَالِ الدُّنْيَا. فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يَنْبَغِي عَلَيْهِ أَنْ يَتَأَنَّى قَبْلَ أَنْ يُقْدِمَ عَلَى أَيِّ عَمَلٍ حَتَّى يَطَّلِعَ عَلَيْهِ وَيُحْسِنَهُ. فَإِنَّ الْكَثِيرَ مِنْ النَّاسِ يُقْبِلُونَ عَلَى بَعْضِ الْأَعْمَالِ بِشَيْءٍ مِنْ الْعَجَلَةِ، فَيَكُونُ سَبَبًا لِعَدَمِ إِتْقَانِهِ، حَتَّى وَلَوْ كَانَ هَذَا الْعَمَلُ مِنْ أَعْمَالِ الْخَيْرِ وَالْبِرِّ، إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ تَأَنٍّ يَكُونُ بِإِتْقَانِهِ وَإِحْسَانِهِ، فَإِنَّهُ كَذَلِكَ يَجْرِي عَلَى مَجْرَى الذَّمِّ، كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾. أَيْ عَلَيْكَ أَنْ تَتَأَنَّى حَتَّى تَسْمَعَهُ وَتَعْلَمَهُ، فَتَحْفَظَهُ وَتَفْهَمَهُ. وَكَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾. أَيْ وَإِنْ كَانَ هُوَ قُرْآنًا وَعِلْمًا مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَكَذَلِكَ يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ التَّأَنِّي بِمَا يَكُونُ بِهِ إِتْقَانُهُ، وَبِمَا يَكُونُ بِهِ الْإِحْسَانُ فِيهِ. فَكَيْفَ بِمَا هُوَ دُونَهُ مِنْ أَعْمَالِ الدُّنْيَا؟ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا جَاءَ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «التُّؤَدَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا فِي عَمَلِ الْآخِرَةِ». فَإِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّكَ لَا تَتَأَخَّرُ عَنْ أَعْمَالِ الْآخِرَةِ، وَلَا يَعْنِي ذَلِكَ أَنْ تَعْجَلَ إِلَيْهَا بِغَيْرِ إِتْقَانٍ وَبِغَيْرِ إِحْسَانٍ. فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تُصَلِّيَ تَتَعَلَّمُ أَحْكَامَ الصَّلَاةِ، وَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَصُومَ تَتَعَلَّمُ أَحْكَامَ الصِّيَامِ، وَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَحُجَّ تَحْتَاجُ أَنْ تَتَعَلَّمَ أَحْكَامَ الْحَجِّ. وَلِهَذَا قَالَ النَّ