المولد النبوي في الميزان

الخطبة بعنوان المولد النبوي في الميزان، والتي كانت بدار الحديث بالفيوش 11 ربيع الأول 1444هـ الموافق 7 أكتوبر 2022م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تحذير النبي من الغلو في الاحتفال بمولده

يُنبه الخطيب إلى أن الاحتفال بالمولد النبوي بدعة أحدثها الفاطميون العبيديون، ويحذر من الغلو في النبي صلى الله عليه وسلم. نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الغلو فيه.

الاحتفال بالمولد النبوي وأثر البدعة

الاحتفال بالمولد النبوي بدعة تشبها بالنصارى ويصاحبه مخالفات وبدع وضلالات وشركيات. يُظهر أهمية اتباع الدليل الشرعي ورفض البدع.

التمييز بين أهل السنة وأهل البدع

يتم التمييز بين أهل السنة الذين يتبعون السنة ويحبون النبي، وبين أهل البدع الذين يبتدعون ويضلون. يُبرز أهمية اتباع سنة النبي للصلاح.

الدعاء بالصلاح والإيمان

يُدعى بالغيث والإيمان للقلوب والبلاد، ويطلب الصلاح في الدنيا والآخرة، ويُختم بالصلاة على النبي وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

المولد النبوي في الميزان فإن نبينا صلى الله عليه وسلم نعمة مهداة، أكمل الله عز وجل به الرسالات، وأتم به الديانات، فكان بمبعثه نعمة عظيمة على الناس أجمعين. ومع ذلك عباد الله، فإن نبينا صلى الله عليه وسلم الذي أوتي ما لم يؤته أحد من الأنبياء والمرسلين، بما أوتي من علم، وما أوتي من دين، وما أوتي من كمال خلق وخلقه، عليه أفضل الصلاة والتسليم. إن نعمة مبعث النبي صلى الله عليه وسلم شيء عظيم، ولكن لا يعني ذلك أيها المسلمون عباد الله أن يغلى في مبعثه ويوم ولادته فيجعل عيدا وموضع احتفال واحتفاء كما يفعله بعض الناس. ولم يكن فعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة ولا التابعون ولا من تبعهم بإحسان من أئمة المسلمين. بل إن ذلك كما ذكر العلماء العارفون الصادقون المخلصون أنه إنما أحدث في دين الله في السنوات المتأخرة. أول من أحدثه هم الفاطميون العبيديون، الذين كما وصفهم غير واحد من أهل العلم أنهم أكفر من اليهود والنصارى، الذين أصولهم كما قال غير واحد من أهل العلم إنما ترجع إلى المجوس أو اليهود، لم يكونوا من أصول مسلمة ولا على طريقة أهل الإسلام الصحيح. أحدث ذلك في دين الله وغيرها من الأعياد والاحتفالات التي لم تكن في دين الله عز وجل، وإنما أتوا بها من أديان أخرى كدين المجوس ودين اليهود ودين النصارى. خطبة لفضيلة شيخنا العلامة أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي العدني حفظه الله، كانت بتاريخ 11 من شهر ربيع الأول لعام 1444 من الهجرة النبوية. إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن الله سبحانه وتعالى أنعم علينا بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، وهو القائل سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾، وهو القائل سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾. وإن من أعظم ما أنعم الله عز وجل به علينا وعلى الناس ما أنعم علينا من نعمة الإيمان والإسلام، والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام، فإن ذلك أعظم ما أنعم الله عز وجل به على الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. إن من أعظم نعم الله عباد الله ما أنعم علينا من نزول قرآنه الكريم، وبعث رسوله الرحيم عليه أفضل الصلاة والتسليم، الذي به سبحانه وتعالى أخرج الناس من الظلمات إلى النور، أخرجهم من طرق الإعوجاج إلى طريق الاستقامة، من طرق الخوف والخسارة إلى طريق الأمن والفوز والربح والحصول على خير الدنيا والآخرة. عباد الله، أكرمنا الله عز وجل بهذا الدين، وبما أنزل من قرآنه الكريم، وبعث نبيه الرحيم عليه أفضل الصلاة والتسليم، هذا النبي الذي جعله الله عز وجل خاتما للأنبياء والرسل أجمعين، وأرسل معه دينا لا يقبل من الناس دينا سواه، ختم برسالته الرسالات، وبنبوته النبوات، فلم ولن يقبل بعد رسالته ونبوته من أحد دينا ولا رسالة، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. بعثه بأكمل الأديان، أكمل الله عز وجل له هذا الدين العظيم بما يكون سببا لنفع الناس والانتفاع به إلى أن يرث الله عز وجل الناس من هذه الدنيا. بعثه الله عز وجل بدين أكمل الله فيه ما كان من تحريف أو نقص في سائر الأديان، كما قال الله سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. فأكمل الله لنا الدين ببعث نبيه الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم، أكمل الله عز وجل علينا هذا الدين بما أنزل من قرآنه، وما بعث من نبيه، وما جرى على لسانه من وحي الله سبحانه وتعالى، الذي قال الله عنه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. ولذلك عباد الله، لا يسمع بالنبي صلى الله عليه وسلم يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن به إلا دخل النار. وبهذا نعلم أنه بُعث للناس أجمعين، بُعث للناس أجمعين عربهم وعجمهم، بُعث للناس أجمعين أسودهم وأبيضهم، أحمرهم وأصفرهم، بُعث للناس أجمعين من كان في زمانه ومن جاء بعد زمانه، فهو رسول عليه الصلاة والسلام للناس أجمعين إلى أن يرث الله عز وجل الأرض ومن عليها. وبعث الله عز وجل نبيه بأوضح الرسالات وأظهر الدلالات، بما يكون به الحجة الدامغة، وما يكون به كذلك الدليل الظاهر، كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيد،﴾. الله عز وجل أرسل رسوله بالحجة الظاهرة والدليل الواضح، أرسله سبحانه بالعلم النافع والعمل الصالح، الذي به يخرج الناس مما فيه خسارتهم في هذه الدنيا إلى ما فيه الربح لهم في هذه الدنيا وفي الدار الآخرة. فإن نبينا صلى الله عليه وسلم نعمة مهداة، أكمل الله عز وجل به الرسالات، وأتم به الديانات، فكان بمبعثه نعمة عظيمة على الناس أجمعين. ومع ذلك عباد الله، فإن نبينا صلى الله عليه وسلم الذي أوتي ما لم يؤته أحد من الأنبياء والمرسلين، فيما أوتي من علم، وما أوتي من دين، وما أوتي من كمال خلق وخلقه، عليه أفضل الصلاة والتسليم. والله عز وجل قال فيه عليه الصلاة والسلام: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، والله سبحانه وتعالى وصفه بقوله: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾، وغير ذلك من الآيات الكثيرة التي تدل على ما خص به عليه الصلاة والسلام. ومع ذلك عباد الله، فإن نبينا صلى الله عليه وسلم كان يحذر أمته من الغلو فيه وإطرائه بما يكون به الوقوع في الفتنة التي وقعت في الأمم السابقة، كما ثبت بالصحيح من حديث ابن عمر قال عليه الصلاة والسلام: «لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم، فإنما أنا عبد الله ورسوله». فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يغلو فيه ويطروه، أن يكنوا عليه ثناء يصل بهم إلى الغلو فيه عليه الصلاة والسلام، سدا لذريعة الشرك وحماية لحمى التوحيد، حتى لا تعاد الوثنية في هذه الأمة مرة أخرى. وقد صحت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن الغلو فيه، والنهي عن الغلو في الصالحين، وهكذا عن سد كل أبواب الغلو الذي به وقعت الفتنة في الأمم السابقة. وللأسف فإنما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم أعاده بعض الناس وفعله بعض الناس، مخالفة لسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، بل للأدلة الظاهرة في كتاب الله، وأكثر منها في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. إن نعمة مبعث النبي صلى الله عليه وسلم شيء عظيم، ولكن لا يعني ذلك أيها المسلمون عباد الله أن يغلى في مبعثه ويوم ولادته فيجعل عيدا وموضع احتفال واحتفاء كما يفعله بعض الناس. ولم يكن فعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة ولا التابعون ولا من تبعهم بإحسان من أئمة المسلمين. بل إن ذلك كما ذكر العلماء العارفون الصادقون المخلصون أنه إنما أحدث في دين الله في السنوات المتأخرة. أول من أحدثه هم الفاطميون العبيديون، الذين كما وصفهم غير واحد من أهل العلم أنهم أكفر من اليهود والنصارى، الذين أصولهم كما قال غير واحد من أهل العلم إنما ترجع إلى المجوس أو اليهود، لم يكونوا من أصول مسلمة ولا على طريقة أهل الإسلام الصحيح. أحدث ذلك في دين الله وغيرها من الأعياد والاحتفالات التي لم تكن في دين الله عز وجل، وإنما أتوا بها من أديان أخرى كدين المجوس ودين اليهود ودين النصارى. وذكر غير واحد من أهل العلم، ومنهم السخاوي رحمه الله تعالى، أن بدعة الاحتفال بالمولد إنما دخلت على المسلمين تشبها بالنصارى باحتفالهم بمولد المسيح عيسى عليه الصلاة والسلام، فتشبه بهم بعض المسلمين فاحتفلوا كما احتفل النصارى بمولد عيسى عليه الصلاة والسلام. ولا يخفى أن احتفال النصارى فيه من الغلو والإطراء والشركيات والبدع والمخالفات ما يعلم كل أحد عرف حقيقة دين الإسلام أن الإسلام بريء من ذلك. فكيف بعد ذلك يدعى أن من حب النبي صلى الله عليه وسلم وحب هذا الدين وحب الله الاحتفال والاحتفاء بيوم مولده صلى الله عليه وسلم؟ ولم يكن ذلك في زمان عليه الصلاة والسلام ولا في زمان الصحابة ولا التابعين ولا أتباع التابعين، ولا نقل عن أحد من أئمة الدين. وإنما كما سمعنا اتفق العلماء أنه أول ما أحدث إنما أحدث في السنوات الأخيرة في عهد الفاطميين العبيديين. فإذا كان كذلك فلنعلم أنه لم يترك إلا لأنه ليس من دين الله عز وجل في شيء. فكيف إذا علمنا أنه يصاحبه من أنواع المخالفات والبدع والضلالات والشركيات والخرافات ما لا يجوز أن يفعل في دين الإسلام؟ فإنه يكون فيه من القصائد والثناء ما فيه الغلو والشرك، كما هو في البردة التي تقرأ في كل مولد، وفي كل مجلس يحتفل فيه بهذا المولد، وغير ذلك من القصائد وأنواع الثناء الذي فيه من الشركيات فضلا عما يصاحب ذلك من أنواع المنكرات: دفوف تضرب، واختلاط بين الرجال والنساء، وأنواع من الضلالات والمنكرات، وأشياء لا يرتضيها كل من عنده غيرة لدين الله، فضلا أن ينسب أنه من دين الله أو أنه علامة على حب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم ليعلم عباد الله أن مولد النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن معلوما بعينه في زمن الصحابة ولا التابعين ولا أتباع التابعين. فقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم ولد يوم الاثنين، كما صح عنه عليه الصلاة والسلام من قوله، وأنه ولد في عام الفيل، ولكن لم يذكر أنه ولد في الثاني عشر منه. بل كما تتبع أهل التاريخ والحساب أن يوم الاثنين في عام الفيل في شهر ربيع لم يكن أبدا في الثاني عشر، وإنما كان في أيام أخرى. وهذا إذا رجعوا إلى الحساب، فكيف إذا انضاف إلى ذلك أنه لم يذكر في حديث واحد أنه ذكر أنه في يوم الثاني عشر؟ ولا كذلك احتفى به أحد من الصحابة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أحد من التابعين، ولا أتباع التابعين، ولا أحد من أئمة الدين، لأجل أن يعلم أنه من البدع المنكرة التي أحدثت في دين الله عز وجل، فضلا عما يصاحب ذلك من الشركيات والوثنيات والبدع والخرافات والضلالات وأنواع المنكرات. بل صار أعداء هذا الدين يزينون للناس تعظيم هذا اليوم، لأجل أن تدخل في هذه الأمة أنواع البدع والضلالات، وإشغال هذه الأمة بصنوف المنكرات والمحدثات، ما يصرفهم ويبعدهم عن حقيقة دعوة النبي عليه الصلاة والسلام: دعوة العلم والإيمان والتوحيد والقرآن، وما دعا إليه في سنته عليه الصلاة والسلام. ولذلك نجد أن مما يغلب على من يشغل بمثل هذه الأعياد تلك الوثنيات والخرافات والبدع والضلالات والمنكرات، لأجل أن نعلم أنه لا تحدث بدعة ومحدثة في دين الله إلا وكان معها من صنوف المنكرات ما هو أضعاف تلك البدعة. ولهذا حذر أمته وعلماؤنا من هذه البدع والضلالات، بل نبينا صلى الله عليه وسلم قبل ذلك. فقد ثبت بالسنن من حديث العرباض قال: «تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها»، وقال: «فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجد، وإياكم ومحدثات الأمور». فإذا نظرت بميزان الشرعي والعقل، لعلمت أن هذا من أعظم محدثات الأمور التي أحدثت في هذه الأمة. والناس في هذا المولد طرفان ووسط. فإن من الناس من غلا في النبي صلى الله عليه وسلم فجعل عيدا في الإسلام، وليس بالإسلام عيد إلا عيد الأضحى وعيد الفطر، كما هو متقرر معلوم من الأحاديث الكثيرة عن نبينا صلى الله عليه وسلم، فضلا عن تلك الخرافات والوثنيات والضلالات والمنكرات التي تصاحب تلك الاحتفالات والأعياد التي يحلثونها. ولم يقف عند هذا بل أتبعوا ذلك بأنواع من الأعياد والاحتفالات التي ملأوا بها أشهر العام وأيامه كلها: خرافات وبدع وضلالات، وأنواع من المنكرات، كما عليه الكثير من الباطنية والصوفية القبورية والرافضة، وغير ذلك من الفرق الضالة التي انحرفت عن دين الله عز وجل. ثم زعموا أن ذلك حبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وحبا لآل بيت النبوة. وما كان ذلك بالحقيقة إلا إحداثا في دين الله، ومحادة لما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم أرضاهم، وخدمة لأعداء الدين في تشويه جمال هذا الدين بهذه الاحتفالات المنكرة، وتلك التجمعات الضالة، وأنواع ما يصاحبها من الضلالات والخرافات والوثنيات والخزعبلات، مما يشوه جمال هذا الدين، فيكون ذريعة لأعداء هذا الدين في الطعن في هذا الدين وأهله. وصنف آخر في مقابل هؤلاء، قابلوا هذه البدع ببدعة أعظم منها، فجعلوا كل شيء في دين الله عز وجل هو من البدع والضلالات، حتى لم يتركوا شيئا إلا وجعله بدعة وضلالة، فكفروا المجتمعات، وظللوا العلماء والأمراء، واستحلوا الدماء والأموال، وغير ذلك مما كان في طرف آخر ونقيض آخر. وهؤلاء لا شك أنهم على بدعة أخرى وضلالة أخرى. وأما أهل السنة والجماعة، فإنهم يحبون النبي صلى الله عليه وسلم الحب الشرعي الذي أمر الله عز وجل به، والذي كان عليه الصحابة والتابعون وأتباع التابعين وأئمة الدين، ومن تبعهم بإحسان من الصالحين من عباد الله المؤمنين. وذلك بأخذ أوامر الله بكتابه، وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم بسنته. فالحق ما حقه الله، والباطل ما أبطله الله، والحلال ما حله الله، والحرام ما حرمه الله، يدورون مع الدليل حيث دار، ويقفون مع النصوص حيث وقفت. وبذلك عظموا حرمات الله، ويفرحون بما أمر الله بالفرح به: الفرح الشرعي، الفرح بالإيمان والإسلام والقرآن وسنة النبي عليه الصلاة والسلام. هذا هو الفهم الصحيح. ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾، ليس الفرح بهذه الاحتفالات البدعية، ولا الاجتماعات الشركية والوثنية، كما أنه ليس الفرح بتدمير المجتمعات بسفك الدماء، وبذلك إدارة الفتن، واستحلال دماء العلماء والمراء، وإثارة الفوضى، كل هذا ليس من دين الله عز وجل. بل الفرح بالعلم النافع والعمل الصالح، وإصلاح المجتمعات على ما فيه الهداية والصلاح لها في دينها، وفي أخلاقها، وفي سيرها إلى ربها، بما يكون به صلاح الفرد والمجتمع. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يلهمنا رشدنا، وأن يجعلنا هداة مهتدين، وأن لا يجعل فينا ضالا ولا مضلين، وأن يجعلنا ممن يحسن اتباع النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم. والحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم الصادق الأمين. عباد الله، إن الله عز وجل أكرمنا بهذا الدين العظيم: دين السماحة والعدل، دين الإحسان والفضل، هذا الدين العظيم الذي به يضع كل إنسان نفسه في الموضع الذي يكون به كماله وتمامه، بما يكون بامتثال أوامر الله وأوامر رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد جاء في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه، أن الله ما بعث من نبي إلا وكان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمها لها، وأن يحذرها من شر ما يعلمها لها. وقد فعل صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وإن من أعظم ما حذرنا منه عليه الصلاة والسلام ما حذرنا من البدع والضلالات والوقوع في المحدثات، في أحاديث كثيرة. ففي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها وارضاها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وفي رواية لمسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». وهكذا بخطبة الحاجة كان يكرر النبي صلى الله عليه وسلم ويقرر التحذير من البدع والضلالات بقوله في أي خطبه عليه الصلاة والسلام: «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار». وقد كان الصحابة من بعده رضي الله عنهم أرضاهم يحذرون من البدع والضلالات، وهكذا التابعون من بعدهم، وهكذا إمة الدين من بعدهم، كل ذلك حماية لحمى الدين، وحياطة أن يدخل في هذا الدين ما ليس منه. فإن الدين الحق هو باتباع سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والأمر كما قال الإمام مالك رحمه الله: «السنة كسفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تركها غرق». فلذلك عباد الله الحذر الحذر من أن يغرق الإنسان بترك سفينة السنة، ألا يركبها، وألا يتابعها، وألا يغتر بكثرة من يقع في هذه البدع والمخالفات والضلالات، وألا يغتر كذلك بمن يزين ذلك ممن ينتسب إلى العلم كذبا وزورا. فإن الحق يعرفه بدليله وبرهانه، فضلا عما قد سبق. ولا يخفى ما يصاحب هذه الاحتفالات من البدع والمنكرات الكثيرة، وأنواع الضلالات والمخالفات، بل قد يصل الأمر والعياذ بالله إلى استحلال بعض المحرمات والفواحش، كما يقع في بعض البلاد من تلك الاحتفالات المختلقة التي يكون فيها من الفجور والمجون وأنواع الشر والفساد ما لا يخطر ببال. وما ذلك إلا قليل من كثير من آثار البعد عن الحق والهدى الذي أراده الله عز وجل لنا، وبعث به نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهنا وقفة أخرى كذلك أن نعلم أيها الأحبة أن المجتمع بحاجة إلى من يحميه ويحصنه بالعلم النافع والعمل الصالح. ولا أحد يقوم بهذا الواجب بعد توفيق الله عز وجل مثل أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وهم الذين ينفع الله عز وجل بهم في حماية المجتمعات وتوعيتها، بما يكون ردها إلى حياض السنة والسلامة والأمان والاستقامة والإدعان لما فيه الخير للعباد والبلاد. فإن أول الشر شر، وإن بداية الشر شيء يسير، ولكنه بعد ذلك يصير شيئا كبيرا. فإن الكثير من البدع والضلالات تبدأ بهذه المخالفات، ثم بعد ذلك يحصل البراءة من طريق الإسلام والسنة، واستحلال دماء من المخالفين، كما هو حال أهل البدع والضلال. فإنكم ترون من يستحل دماء أهل الإسلام بحجج واهية، وأشياء كذلك ضالة. وكان من أسباب ذلك تجمع الكثير أو اجتماع الكثير من الضلالات والبدع التي بها جعلوها دينا، ومن خالفها فقد خاف الدين. وإنما الدين بامتثال أمر الله وأمر رسوله، إنما التدين بالأخذ بما في كتاب الله، واتباع ما في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما التدين بلزوم العقيدة الصحيحة، والعبادة الصادقة، والأخلاق الكريمة التي هي حقيقة هذا الدين. ليس التدين أن يكون المرء بعيدا عن دين الله عز وجل طوال العام، ثم يوم واحد يحتفل بمثل هذه الاحتفالات، يجعل ذلك علامة على التدين وحب هذا الدين وحب النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم. وهذا هو حال الوثنيين من قديم الزمان، فإنهم يشركون بالله ويفعلون ما يفعلون من المعاصي، ثم يأتون كما يزعمون فيحتفون بتلك الأعياد الجاهلية والعبادات الوثنية، زعما منهم أنهم يحبون الله. وإنما حب الله بعبادته والاستقامة لأمره ونهيه. وهكذا كذلك أهل البدع والضلال يسنون ويعودون إلى ما كان عليه أهل الجاهلية. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا بأمور شرعنا، وأن يبصرنا بأمور ديننا، وأن يجعلنا هداة مهتدين. اللهم اصرف حوالنا وحوال المسلمين بكل مكان يا رب العالمين. اللهم اصرف حوالنا وحوال المسلمين في اليمن وفي سوريا والعراق وليبيا ولبنان وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين. اللهم يا ربنا أغثنا غيثا مغيثا غدقا طبقا نافعا غير ضار يا رب العالمين. اللهم وأغثنا، اللهم أغث قلوبنا بغيث الإيمان، وأغث بلادنا بالخير والبر والأمان، وأغث عبادك يا ربنا بما فيه صلاح هذه الدنيا وصلاح الآخرة يا رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.