كتاب الصلاة  61

كتاب الصلاة 61

الدرس في كتاب الصلاة 61، الدرس الحادي والستون:من( الحديث التسعون:عن أبي مسلمة سعيد بن يزيد ... فإن الشرع يكون حيث توجد المصلحة الخالصة أو الراجحة على المفسدة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

الصلاة بالنعال وأدلتها

تناول المقطع الأول الصلاة بالنعال مستدلاً بحديث أنس بن مالك، وأوضح أن الصلاة بالنعال مستحبة إذا كانت نظيفة. يُشدد على عدم الصلاة بالنعال مباشرة على الفرش في المساجد خشية الإفساد.

آداب وتفاصيل الصلاة بالنعال

ناقش المقطع الثاني آداب الصلاة بالنعال، مشيراً إلى ضرورة التأكد من نظافة النعال وخلعها إذا كانت تحتوي على أذى أو نجاسة. يشرح كيفية التعامل مع النعال أثناء الصلاة.

مراعاة المصالح والمفاسد في تطبيق السنة النبوية

يناقش المقطع الثالث أهمية مراعاة المصالح والمفاسد عند تطبيق السنة، ويشير إلى ضرورة التدرج في تعليم الناس ونشر السنة لتجنب الفتنة.

ختام الوصية وأهمية مراعاة القواعد الدينية

ختمت الوصية بالتأكيد على أهمية مراعاة القواعد والثوابت الدينية، مع التأكيد على علم الله تعالى والصلاة على النبي وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: قال الحديث التسعون، عن أبي مسلمة سعيد بن يزيد، قال: سألت أنس بن مالك رضي الله عنه: أكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في نعليه؟ قال: نعم. أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى هذا الحديث في سياق ذكره لصفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وأقرب الألفاظ إليه. ولفظ الإمام البخاري رحمه الله فقد ذكره في باب الصلاة في النعال، فقال: حدثنا آدم بن أبي إياس قال: حدثنا شعبة قال: أخبرنا سعيد بن يزيد الأسدي، فذكر الحديث. أبو مسلمة وهكذا أورده كذلك بنفس اللفظ في باب النعال السبتية، من طريق سليمان بن حرب عن حماد به. ومسلم رواه نحوه. قال الشارح رحمه الله: المعنى الإجمالي، سأل سعيد بن يزيد أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: أكان يصلي في نعليه؟ ليكون له قدوة فيه، فأجابه أنس: نعم، كان يصلي في نعليه، وأن ذلك من سنته المطهرة. قال: ما يؤخذ من الحديث: أولًا، استحباب الصلاة في النعلين حيث كان من فعل النبي صلى الله عليه وسلم. ثانيًا، جواز دخول المسجد بهما بعد تنظيفهما من الأقذار والأنجاس. ثالثًا، أن غالبية الظن في نجاستهما لا تخرجهما عن أصل الطهارة فيهما. والصلاة في النعلين من المستحبات، وهو من الأعمال التي دلت الأدلة الشرعية على التنوع في الصلاة فيها، فيستحب أن يصلي بالنعلين، ويستحب كذلك أحيانًا أن يصلي بغير النعلين، وكله فعله النبي صلى الله عليه وسلم. هذه مسألة، ومسألة ثانية: أن الصلاة بالنعلين استحبابهما يكون على الوصف الذي فعله النبي عليه الصلاة والسلام، فليس من استحبابهما الصلاة بهما على الفرش مثل مساجدنا اليوم التي فيها فرش، إلا أن تدرأ به المفسدة. ولهذا أفتى كثير من مشايخنا أنه لا يصلى بالنعال مباشرة على مثل هذه المساجد التي فيها فرش، منهم شيخنا الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله، وشيخنا الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله، وهكذا شيخنا الشيخ عبد الله الغديان رحمه الله، وهكذا كذلك من الأحياء شيخنا ربيع بن هادي المدخلي حفظه الله، وشيخنا عبيد بن عبد الله الجابري حفظه الله، وغيرهم كثير. فإن عمومات الأدلة تدل على هذا المعنى، فإن الصلاة بالنعال في مثل هذه المساجد المفروشة بهذه الفرش الثمينة إفساد لها، وهذا لا يجوز؛ لأنه من الإسراف والتبذير، ومن تلويث المساجد. ومما يدل على ذلك أنه لا يفعله أحد في بيته، كذلك ما في أحد منا يأتي من عالي من الشارع ويدخل إلى الفرش الذي هو مثل فرش المسجد فيصلي عليه بنعليه، ما أحد يفعل هذا، بل كل أحد تجده يحرص أن لا يفعل هذا. وقد يقول قائل: إذن ماذا؟ هل تعطل السنة؟ الجواب: لا، السنة باقية، لكن كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام، إذا صليت في الصحراء أو الفضاء أو في موضع ليس فيه ما يفسد من فرش أو غيره، أو صليت في مسجد من الحصى، فصلي بنعليك. وهكذا صلى النبي عليه الصلاة والسلام وصحابته رضي الله عنهم. أو هناك معنى آخر: إذا احتيج للصلاة في النعلين أن تجعل هناك أكياس خاصة في أبواب المساجد يلبسها المسلم فوق نعليه حتى لا يلوث المساجد، يعني لا يفسد الفرش. ليس التلويث بالنجاسة، ولكن التلويث بما تحمل النعال من أتربة وغيرها فيفسد الفرش. ولهذا رأيت في بعض المساجد في أرض الحرمين في نجد وغيرها يصلى فيها بالنعال، خصوص المساجد التي يكون فيها بعض الدوائر الحكومية أو المعسكرات، يشق على أهل المعسكر والجيش أن يخلعوا نعالهم، فهيئت لهم في أبواب المساجد أكياسًا طويلة يلبسها على نعليه مثل الجورب، لكنها كبيرة تسع لأي نعل ولأي مقاس، يلبسها الإنسان قبل أن يدخل إلى المسجد، وهي نظيفة، ويدخل ويصلي بنعليه، لكن لا تباشر النعل فرش المسجد فيفسد. فمن أراد أن يفعل هذه السنة يفعل مثل هذا، يجعل عند باب المسجد أكياسًا يلبسها المصلي الذي معه نعال قبل أن يدخل إلى المسجد، ويعتنى بهذه الأكياس تغسل في الأسبوع مرة أو مرتين، وتبدل حتى تكون دائمًا نظيفة. ويحرص الذي يلبسها ألا يلبسها وفي رجله شيء من البلل؛ لأن البلل يضر، وسيخرج أثر البلل إلى خارج هذا الكيس. فالمهم إذا حصل مثل هذا جمع الإنسان بين المصلحتين: عدم تلويث المسجد، والصلاة بالنعال والأخذ بهذه السنة والرخصة. ومسألة أخرى كذلك قد يقول قائل: هذه النعال تمر على شوارع ونجاسات وغير ذلك، فماذا يصنع الإنسان؟ وكيف يعرف أن نعاله قد تطهرت؟ الجواب: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن معنى ذلك، فأخبر أنه يطهره ما بعده. فالنعل له طهارة مخففة. وبهذا الحديث استدل كثير من أهل العلم أن النجاسات إزالتها من باب الترويق، فإذا زال عين النجاسة زال حكمها؛ فالحكم يدور مع علة وجودًا وعدمًا. واستدل بهذا المعنى كذلك عدد من أهل العلم أنه لا يشترط في إزالة النجاسة الماء، والأفضل والأولى والأكمل أن يكون بالماء، وهو الأحوط. لكن إذا لم يكن الماء وأزيلت النجاسة بغير الماء، هل يصح؟ الصحيح أنه يصح إذا زال عين النجاسة زالت النجاسة؛ فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. ومنه المسح، يمشي الإنسان على الأرض يدوس النجاسة، ثم يمشي بعده فيمسح النجاسة. فإذا وصل إلى المسجد فعليه أن ينظر في نعليه قبل أن يدخل إلى المسجد. وهذه المسألة الرابعة من المسائل التي ينبه عليها: أنه لا يدخل من يريد أن يصلي بنعليه في الصلاة ولا إلى المسجد حتى ينظر في نعليه هل فيهما أذى أم لا؟ فإن كان فيهما أذى خلعهما، وإن لم يكن فيهما أذى صلى فيهما. وإذا اكتشف أن في نعليه أذى أثناء الصلاة أو أخبره أحد، فليخلع نعليه كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، صلى بنعليه فأخبره جبريل أن بهما أذى، فخلعهما عليه الصلاة والسلام. ومن أحكام ومسائل الصلاة بنعليه كذلك: أنه إذا صلى بنعليه وكان ليس فيهما أذى، لبسهما أو لم يرد أن يصلي بهما أو كان فيهما أذى وخلعهما، فهو بين أحد أمرين: إن لم يكن عن شماله أحد وضعهما عن شماله، يعني يصلي إلى القبلة مثلًا هكذا يضعهما عن شماله يساره. وإن كان عن شماله أحد وضعها بين رجليه، وضعها بين رجليه بين قدميه، وهو أعرف كيف يضعهما، يقدمهما أو يؤخرهما بين رجليه. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بذلك، ونهى أن يضع المصل النعلين عن يمينه وهو يصلي حتى لا يؤذي الملائكة. وهكذا كذلك من مسائل الصلاة بالنعلين، ومما ينبه عليه هنا: أن من صلى في نعليه أو لبس نعليه ثم خلعهما، فعليه أن يراعي في خلعهما هذه الآداب. إن كان فيهما نجاسة لا تلوث النجاسة الأرض، بل يرفعهما. والحركة اليسيرة في مصلحة الصلاة لا تضر بالصلاة، ليس ترميها هكذا تخلع من رجليك، فيكون فيهما أولًا إيذاء لمن حولك، إما خلفك أو عن يمينك أو عن شمالك، ويكون فيه كذلك زيادة تلويث المكان بالنجاسة، وهذا خطأ. لكن اخلعهما ولفهما وضعهما بين قدميك، بين رجليك، اجعل ظهر كل واحدة في الأخرى وضعها بين رجليك. وهذه الحركة اليسيرة لا تضر إن شاء الله بالصلاة ما دامت في مصلحة الصلاة. قال الشارح رحمه الله: فائدة الصلاة في النعال ودخول المسجد فيهما أصبحت مسألة مشكلة، فسنة النبي صلى الله عليه وسلم صريحة بجواز ذلك بل باستحبابه، وأنه من السنة التي ينبغي المحافظة عليها. فقد قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود عن شداد بن أوس: «خالفوا اليهود؛ فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم» والمعنى: صلوا في نعالكم وفي خفافكم. وقال صلى الله عليه وسلم فيما أخرج أبو داود أيضًا عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: «إذا جاء أحدكم المسجد فلينظر، فإن رأى في نعليه قذرًا أو أذى فليمسحه وليصل فيهما» إلى غير ذلك من النصوص الصحيحة الصريحة في مشروعية الصلاة فيهما بعد تنظيفهما من الأنجاس والأقذار. أما العامة وبعض المتعصبين من طلبة العلم فيجادلونك في ذلك، ويرون أن إحياء هذه السنة من الكبائر التي لا يسكت عليها. وإذا أوردت عليهم هذه النصوص قالوا: هذا في وقت دون وقت، وزمن دون زمن، كأن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم أتى بعدها ما نسخها وبدلها. وما دروا أنها شريعة الله إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ومن المناسب أن من أراد اتباع السنة في ذلك وفي غيره مما تركه أو فعله أي النبي عليه الصلاة والسلام، لا يمس جوهر الإسلام أن ينظر، فإن كان في فعله أو تركه يسبب فتنة وشرًا أكبر من مصلحته، فليراعي المصالح. فإن الشرع يكون حيث يوجد المصلحة الخاصة أو الراجحة على المفسدة. وهذا من فقهه رحمه الله تعالى. فقد نبهنا إلى هذه السنة التي جهلها وزهد بها كثير من الناس، وهذا خطأ، بل وعاداها بعض الناس لجهلهم. وزعم آخرون أنها لا تصلح لهذا الزمان، وهذا لجهلهم. وقد بيّن رحمه الله ما يجلي ويوضح ذلك. ومع هذا فينبغي أن تراعى المصالح من المفاسد. ومن ذلك كما تقدم: أن الصلاة في الفرش يفسد هذه الفرش. والله عز وجل ينهى عن الإسراف والتبذير: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾، ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. والأدلة في هذا كثيرة. وهكذا معنى آخر في الفتنة والمفسدة: ما إذا كان القوم من العامة الذين يجهلون مثل هذه السنة، فإنه ينبغي ويحسن أن يربى الناس على السنة. فإذا تربى الناس على السنة، عند ذلك يمكن أن يدخل عليهم السنة قليلًا قليلًا وبما لا تكون فيه مفسدة. ربما ما تستطيع من أول سنة تأمرهم بذلك أو تفعل ذلك فيهم تحصل الفتن، لكن ربما تستطيع بعد سنوات حين يثق الناس فيك في علمك، ويثقون كذلك في فتاويك، فإنه بعد ذلك وعند ذلك تستطيع أن تعمل ما لم تستطع ولن تستطع أن تفعله قبل ذلك. وهذا من التدرج في تعليم الناس ونشر السنة، ومن مراعاة المصالح التي ينبغي أن تراعى والمفاسد التي ينبغي أن تدفع. فلهذا ينصح طلبة العلم أن لا ينظروا إلى هذه السنة بنظرة سطحية يكون حرصهم عليها مسببًا ومثيرًا للفتن التي ربما لأجلها يحرمون من مساجدهم ويحرم الناس من علمهم، وهذا خطأ. بل بقاء علمهم والمحافظة على مساجدهم أهم من تطبيق مثل هذه السنة لا شك. وينبغي أن يكون هذا في الاعتبار على هذه القاعدة، وهذه الوصايا والثوابت التي دل عليها ديننا. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.