الصحيح المسند من دلائل النبوة  114

الصحيح المسند من دلائل النبوة 114

الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 114، الدرس الرابع عشر بعد المائة:من( قال البخاري رحمه الله:حدثنا عبيد بن إسماعيل ... قالت:فكان بطحان يجري نجلاً تعني ماء آجناً ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

دعاء النبي لتحويل الوباء والصحابة في المدينة

بعد وصول النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، دعا الله لتحويل الوباء إلى الجحفة، وكان أبو بكر وبلال من بين من أصابهم المرض. استجاب الله لدعائه ونُقل الوباء كما طلب.

فضل الهجرة والصبر على البلاء واستجابة الدعاء

أظهر المقطع استجابة الله لدعاء النبي، مما يدل على نبوته، ويبرز فضل الصحابة في صبرهم على البلاء. يشير إلى أهمية الدعاء والصبر والرضا بالقضاء.

حكمة الله في الابتلاء وفضل المدينة المنورة

يشرح المقطع حكمة الله في ابتلاء المؤمنين لرفع درجاتهم وتكفير سيئاتهم، ويبين فضل المدينة ومميزاتها، مثل جعلها حرمًا وبركة في مختلف نواحي الحياة.

أهمية الأخذ بالأسباب للصحة وتكثير الأشجار

يشير المقطع إلى أهمية تكثير الأشجار كأحد أسباب الصحة، ويحث على الزرع لما فيه من نفع وتطييب للهواء، ويبين حكمة الله في الحفاظ على صحة الأبدان.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال البخاري رحمه الله: حدثنا عبيد بن إسماعيل، قال: حدثنا أبو أسامة عن هشام عن أبيه، أبو أسامة حمد والشام عن أبيه عروة عن عائشة رضي الله عنها، قالت: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وعكّ أبو بكر وبلال، فكان أبو بكر إذا خذته الحمى يقول: كل مرء مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله. يعني من شدة الحمى التي أصيب بها رضي الله عنه، كأنه يقول لأهله: إن أصابني شيء فلا تفجعوا، فما من إنسان إلا وسيصبح أهله بخبر موته، ومهما طال عمر الإنسان فالموت أدنى من شراك نعله، يعني قريب. وكان بلال إذا أقلع عنه الحمى يرفع عقيرته يقول: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد بوادي وحول إذخر وجليل، وهل أردن يومًا مياه مجنة، وهل يبدون لي شامة وطفيل. والمعنى يذكر نفسه بمكة وبعض ما فيها من الإذخر وجليل وادي جليل معروف في مكة، ومياه مجنة كذلك، فكأنه يقول: ابتلينا بعد أن خرجنا من مكة؛ لأن المدينة كان فيها وباء وحمى، خصوصًا لمن يدخل إليها وهو ليس من أهلها. قال: وقال: «اللهم العن شيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة وأمية بن خلف كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء». ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، اللهم بارك لنا في صاعنا وفي مدنا، وصححها لنا»، يعني اجعلها بلد صحة. وانقوا الحمى إلى الجحفة، والجحفة أرض خربة كان فيها اليهود ولم تسكن بعد خرابها، فدعا النبي عليه الصلاة والسلام أن تنتقل الحمى من المدينة إلى الجحفة، أي في هذه القرية الخربة التي ليس فيها أحد. قالت: وقدمنا المدينة وهي أوبى أرض الله، ومعنى ذلك أنها سبب للأمراض، فمن دخلها ابتلي بأمراض. قالت: فكان بطحان يجري نَجَلًا، تعني ماءً آجنًا، وهذا من سبب الوباء، يعني وجود الماء الراكد الذي تتجمع فيه القاذورات. والشاهد أن هذا الحديث فيه أن الله استجاب لنبينا عليه الصلاة والسلام، فنقلت حمى المدينة إلى الجحفة، فصارت المدينة بعد ذلك أرضًا صحيحة، لا يدخلها إنسان إلا ويصح، ولا يجد الوباء الذي كان يجده من دخلها قبل، وهذا علم من أعلام نبوته ودليل من دلائل صدق رسالته، إذ استجاب الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام في هذا الأمر، وهو أمر عظيم. كون أن الأرض تعرف بأرض وباء سنين طويلة، ثم يأتي النبي عليه الصلاة والسلام فيدعو فيستجيب الله دعاءه، فينتقل الوباء منها إلى الجحفة، فهذا إن دل على شيء دل أنه رسول الله حقًا وصدقًا عليه الصلاة والسلام. وفي الحديث مسائل أخرى من أهمها: فيه من المسائل كذلك صبر الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وشيء من فضائلهم؛ فإن ما وصلوا إليه من الفضل لم يكن براحة الجسد، بل بذلوا الكثير، ومن ذلك أمر الهجرة، فالهجرة ليس أمرها بالسهل، كما أن أجرها عظيم كذلك، والبلاء بها شديد؛ كون الإنسان يخرج من بلده الذي تربى وولد فيه، وهكذا كذلك إلى أرض الغربة. والله أعلم بما يبتلي به هذا وحده كاف في إعظام الأجر، فكيف إذا كان قد لقي شدة في هجرته، فهو سبب آخر لإعظام الأجر. فالصحابة رضي الله تعالى عنهم تركوا ديارهم وأموالهم، بل وربما تركوا نساءهم وأولادهم، وفارقوا جميع أهاليهم طمعًا فيما عند الله سبحانه وتعالى. فالهجرة أمرها عظيم، فلذلك كان لهم ذلكم الفضل، فكيف وقد ابتلوا بشيء آخر وهو أن الأرض التي انتقلوا إليها كانت أرضًا موبئة. وفيه من المسائل كذلك أن الإنسان ينظر إلى كمال الدين وسلامته، ولو نقصت الدنيا؛ فالعبرة بكمال وسلامة الدين. فأنت إذا أردت السكنى في أرض فاسأل عن الدين، ولا تسأل عن الدنيا، اجعل الدنيا تبعًا؛ الأصل أنك تسأل أي أرض الله الدين فيها ممكن فهي محلك وبلدك الذي ينبغي أن تحرص على السكنى فيها، ثم بعد ذلك إن كان في الدنيا شيء من الشدة أو نوع من أنواع البلاء، فادع الله عز وجل أن يخفف عنك وأن يذهبه وأن يزيله وأن يعينك عليه. وهذا الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم، بل قال عليه الصلاة والسلام: «اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة وأشد»، فإن كنت تحب مكة مثلًا وحبها لله، وكان الصلاح لك في سكن بلد غيرها، فادع الله أن يحببها لك ويسر لك العيش فيها. وفيه من المسائل كذلك فضل الدعاء وأهميته؛ فهو سلاح المؤمن الذي لا يستغني عنه. وهكذا كذلك فيه من المسائل ما يجب على المسلم من الصبر على البلاء والرضا بالقضاء؛ فإن ذلك مما ينبغي أن يتخلق به المؤمن، وهو به حري أن يظفر بخير الدنيا والآخرة. فنهاية الصبر خير؛ فإن مع الصبر النصر، وهكذا كذلك الثبات عند البلاء عاقبته خير، فلا يكون إلا الرفع في الدنيا وفي الآخرة. وهكذا فعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فكان ذلك سببًا لتمكين الله عز وجل لهم وعيانته سبحانه وتعالى إياهم. ولله حكمة في ابتلاء المؤمنين؛ فهو يبتلي سبحانه وتعالى من يشاء بما يشاء لحكم عظيمة، ومن ذلك الحكم: مع ما فيه من إعظام الأجر وتكفير السيئات ورفع الدرجات، فيه تربية لأهل الإيمان أن يتزكى أهل الإيمان في دينهم. وهكذا كذلك حتى في الدنيا؛ كون الإنسان تمر به الشدائد، هذه الشدائد تربيه تربية خاصة، فيكون مهيئًا لتحمل ما قد يعرض عليه في الغد من الأمور العظيمة، فإذا مر عليه شيء فهو بالنسبة لما قد مر به من بلاء يكون ليس بشيء. فكان من حكمة الله عز وجل مرور بعض البلاء على بعض عباده سبحانه وتعالى لحكمة منه، وهذا من بعض الحكم في ذلك. وفيه فضل المدينة؛ فالمدينة فيها فضائل كثيرة، ومن فضائلها أن الله جعل لها حرمًا كحرم مكة، وجعل فيها بركة كبركة مكة. فقد استجاب الله عز وجل لدعاء نبيه عليه الصلاة والسلام، وقد قال عليه الصلاة والسلام كما في الأحاديث الأخرى: وهو يدعو ربه أن يستجيب له كما استجاب لإبراهيم في مكة، فاستجاب الله لنبيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام فبارك في مكة وجعل لها حرما، وهكذا كذلك استجاب الله لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام فجعل للمدينة حرما، وجعل كذلك فيها البركة. ولا يزال بركة صاع ومد المدينة إلى يومنا هذا يتناقله الناس ويتعارفون عليه، ومعناه بركة في البيع والشراء؛ فلا يتجر إنسان فيها إلا ويبارك الله عز وجل له فيها بإذن الله، وهكذا بركة في القوت؛ الشيء اليسير يكفي الوقت الكثير، بركة من الله عز وجل لأهل المدينة، فبورك لهم في صاعهم وفي مدهم، وكذلك الصحة؛ فهي أرض صحة، يعني قليلة الأوبئة، لا تقع فيها الأوبئة كما يقع في غيرها. فاستجاب الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام. وفيه من المسائل كذلك الأمر بالأخذ بالأسباب؛ فكما أن الصحة لها أسباب، فالوباء له أسباب، فلذلك ينبغي للمسلم أن يأخذ بأسباب الصحة، أي القدرية الكونية، ويبتعد عن أسباب الأوبئة القدرية الكونية. فمن أسباب الأوبئة كثرة الماء العفن؛ فالماء المتعفن سبب لكثرة الأوبئة، فلذلك ينبغي التخلص منه، ولا ينبغي أن يترك، وهكذا كل ما كان بمعناه مما علم بالتجربة وعند أهل المعرفة أنه سبب للأوبئة، ينبغي على أهل الإسلام أن يتعاونوا على إزالته. وما كان من أسباب الصحة ينبغي على أهل الإسلام أن يتعاونوا على اجتلابه، ومن ذلك تكثير الأشجار؛ ولهذا حتى الإسلام حث على الزرع؛ لأن في ذلك سببًا كما أنه نفع وثمر، فهو كذلك سبب للصحة بتطييب الهواء، وكذلك غير ذلك مما عرف عند أهل المعرفة أنه سبب لذلك. ومن حكمة الله عز وجل أنه حتى ديننا يحث على ذلك، وما كان بمعناه مما يجتلب به المصالح للناس وتكون به صحة أبدانهم، فإنه ينبغي أن يحرص عليه. نكتفي بهذا والله تعالى أعلم.