الدرس الثالث والتسعون:(الحديث السادس والعشرون بعد المائة.عن سمي مولى أبي بكر...6-مشروعية هذا الذكر بعد الصلوات المكتوبات..من جميع كلمات التسبيح والتحميد والتكبير).
أرشد النبي صلى الله عليه وسلم فقراء المهاجرين إلى التسبيح والتحميد والتكبير ثلاثًا وثلاثين مرة بعد كل صلاة، فكان ذلك سببًا في نيلهم الأجر العظيم. هذا الفعل ساعد في تقليص الفارق بينهم وبين الأغنياء في الأعمال الصالحة.
يُظهر المقطع أن الأغنياء يمتازون في العبادات المالية بسبب غناهم، بينما يبذل الفقراء جهودًا كبيرة في العبادات القلبية والبدنية. النية الصادقة في فعل الخير تكتب الأجر حتى لو لم يتمكن الشخص من تنفيذه.
تم التأكيد على أهمية الذكر بعد الصلوات وتأثيره على حياة المسلم، مع الإشارة إلى مشروعية الذكر بصيغ مختلفة. كما تم الإعلان عن الاكتفاء بما تمت مناقشته.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنه محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الحديث الماضي حديث المغير بن شعبة، ومر معنا أنه جاء اختلاف في بعض النسخ في قوله فيه: «العمل عندي بالحظ المعروف»، وفي بعض النسخ: «بالخط المعروف»، والصواب: «بالخط المعروف»، لأنه أراد أنه كتاب من المغير بن شعبة إلى معاوية رضي الله عنه، فيكون خط فيه العمل بخط من عرف خطه، مع ما تقدم من الأخذ بخبر الأحد، فيصوب هذا من في نسخته «بالحظ» مثل الذي عندي، يكتب صوابه «بالخط». قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: «الحديث السادس والعشرون بعد المئة»، قال عن سمي مولى أبي بكر: «أبي بكر عندكم؟ أبي بكر ماذا؟ أبن عبد الرحمن»، طيب. أنا عندي خطأ: «أبي بكر الرحمن»، أيوة. «أبي بكر عبد الرحمن»، ما في «عبد»، أيوة. «أبي بكر عبد الرحمن بن الحارث بن هشام»، أيوة. لا، أبدًا. «عبد الرحمن بن الحارث بن هشام». قال ابن أبي صالح السمان عن أبي هريرة رضي الله عنه: «أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم. قال: وما ذاك؟ قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفلا أعلمكم شيئًا تدركون به من سبقكم وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين مرة». قال أبو صالح: «فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء». قال سمي: «فحدثت بعض أهلي بهذا الحديث، فقال: وهمت، إنما قال: تسبح الله ثلاثًا وثلاثين، وتكبر الله ثلاثًا وثلاثين، وتحمد الله ثلاثًا وثلاثين. فرجعت إلى أبي صالح، فذكرت له ذلك، فقال: قل: الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، حتى تبلغ من جميعهن ثلاثًا وثلاثين». رواه مسلم. أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى هذا الحديث في سياق ذكره للأذكار عقب الصلاة. وكما رأينا هذا لفظ الإمام مسلم، فقد أخرجه في صحيحه، فقال: حدثنا عاصم بن النضر التيمي، قال: حدثنا المعتمر، قال: حدثنا عبيد الله. وحدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا ليث عن ابن عجلان، كلاهما عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. وهذا حديث قتيبة، فذكر الحديث بلفظه إلى أن قال: «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء». قال مسلم: «وزاد غير قتيبة في هذا الحديث عن ابن عجلان، قال سمي: فحدثت بعض أهلي، فذكره إلى آخره، إلى قوله: ثلاثًا وثلاثين. ثم قال بعده: قال ابن عجلان، فحدثت بهذا الحديث رجاء بن حيوة، فحدثني بمثله عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم». هذا الحديث بتمامه وكماله كما رواه مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه. ورواه الإمام البخاري رحمه الله على وجه مختصر، فهو نحوه، ليس بمثله. وقد جاء هذا الحديث كذلك في صحيح مسلم من أفراد ابن مسعود، مختصرًا ممن فرد به الإمام مسلم عن ابن مسعود. قال الشارح رحمه الله: المعنى الإجمالي: معنى هذا الحديث الجليل هو أن فقراء الصحابة رضي الله عنهم شعروا بسبق إخوانهم الأغنياء بالأعمال الصالحة، بفضل قيامهم بحقوق أموالهم الشرعية، فغبطوهم وتمنوا لو كان لهم من العمل مثل ما لأولئك الأغنياء؛ يعني من الصدقة والإحسان والنفق وغير ذلك من أبواب الخير والبر. قال: فجاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكون مصيبتهم في قل الأجر، وانظروا إلى مصائب الصحابة رضي الله عنهم، يشكون نقصان أبواب الأجر ويريدون أبوابًا أخرى. قال: فأرشدهم إلى هذا الذكر الذي ينالون به أكثر مما فاتهم من العبادات المالية. فلما قاموا بهذا الذكر سمعهم الأغنياء ففعلوا مثلهم، فجاء الفقراء مرة أخرى يشكون حالهم بأن الفضيلة التي اختصوا بها وأرادوا أن يعوضوا بها نقص العبادات المالية، فعلها الأغنياء، فأصبحوا يشاركونهم في العبادات القليلة أو في العبادات القلبية والبدنية -هكذا عندي- القلبية، نعم. في العبادات القلبية والبدنية، ويمتازون عليهم في العبادات المالية. القلبية والبدنية؛ يعني ما يكون في القلب من عقيدة، ومن أقوال وأفعال يتعبدون الله بها، وبدنية مما يكون من أقوال وأفعال ظاهرة، كالقول الطيب والصدقة بالقوة، وكذلك سائر أبواب الطاعات من صلاة وصيام وغيرها. وأما امتياز العبادات المالية؛ لأنهم أغنياء، وأولًا فقراء. قال: فقال صلى الله عليه وسلم: «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء»، فهو الذي يقسم الأرزاق والهداية حسب حكمته، وهو الحكيم العليم. قال: ما يأخذ من الحديث رغبة الصحابة رضي الله عنهم الشديدة في الخير، وتنافسهم بالأعمال الصالحة. فالفقراء شق عليهم حرمان من العبادات المالية، وهي كثيرة ليست تنحصر بالزكاة والصدقة، بل منها طعام الطعام، ومنها كذلك إيقاف الأوقاف، ومنها كفالة اليتيم، وغيرها من أبواب الخير. وكان الصحابة على شدتهم وفقرهم يبذلون البذل الكثير، فأبو بكر أنفق كل ماله، وعمر رضي الله عنه نصف ماله، وعثمان جهز جيش العسرة، وحفر بئر رومة، وغير ذلك، على ما لا يخفى من أن غناهم غنى نسبي، غنى الصحابة غنى نسبي، ليس مثل غنى اليوم، غنى الناس اليوم؛ يعني تجد بعض الناس ربما عنده ما يفوق أغنياء الصحابة، ومع ذلك يبخل على نفسه وأهله، فضلًا أن يتصدق أو يبذل في أبواب الخير. ربما بعضهم عنده ألف من الإبل، وكذا وكذا ألف من الغنم، ثم بعد ذلك يبخل على نفسه وعلى أهله، فضلًا أن ينفق في سبيل الله ويجاهد ويجتهد في أبواب العبادات المالية، فضلًا عن غيرهم ممن هم فوق هذا بكثير. فنسأل الله التوفيق والسداد. قال رحمه الله: والأغنياء لم يكتفوا بغناهم عن مشاركة الفقراء في كل أبواب الخير. ولعل الله يعطي الفقراء بفضله وكرمه من الأجر على قدر نيتهم الطيبة. وهذا باب من أبواب الأجر إذا صدق من عنده نية صادقة على العمل الصالح، كتب الله عز وجل له الأجر ولو لم يوفق له، كما قال عليه الصلاة والسلام: «إن أقوامًا بالمدينة ما سلكتم شعبًا ولا واديًا إلا كانوا معكم، شاركوكم في الأجر، ما منعهم إلا العذر». ما منعهم إلا العذر. فإذا صدقت في النية لك الأجر. وفي حديث ابن عباس في الرجل الذي قال: «لو أن لي مثل مال فلان فأتصدق مثل ما تصدق»، قال: «فهما في الأجر سواء». هما في الأجر سواء، لم يمنعه من فعل الخير لشدة عزيمته وصدقه إلا أنه لم يملك المال، فمثل هذا يكتب الله عز وجل له الأجر. فإذا احتسب أعمالك الصالحة ما عملتها وما نويتها وصدقت وعزمت، فالله عز وجل لا يضيع أجرك ولا يحرمك من نيتك. قال: الحديث يدل على فضل الغني الشاكر على الفقير الصابر؛ لما له من الأعمال. وهذه مسألة طويلة الخلاف بين العلماء؛ يعني العلماء اختلفوا أيهما أفضل: الغني الشاكر أو الفقير الصابر؟ وأطال العلماء في هذا البحث. وقد رجح الإمام ابن القيم رحمه الله في مواضع من كتبه فضل الغني الشاكر على الفقير الصابر، من أوجه كثيرة. من أهم هذه الأوجه كون الغني الشاكر بلاؤه أشد من بلاء الفقير الصابر. فالفقير الصابر ليس له خيار ثالث، وأما الغني الشاكر له خيار، فلذلك كان الامتحان والابتلاء حقه أشد، كان أشد. ثم كذلك عمله أكثر، عمله أكثر، والفقير الصابر عمله أقل. والغني الشاكر يحتاج منه أن يتعب لأجل أن يضع نعمة الله في الموضع الذي يحب الله، ولا يصل إلى ذلك إلا بتعب ونصر، إلا بتعب ونصر، ولابد أن يجد ويجتهد. والموفق من وفقه الله. ولذلك تجده قد بذل عمره في أبواب الخير والبر، يريد بذلك ما عند الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: ثالثًا: أن الإنفاق في سبيل الخير سبب رفع الدرجات. قال ابن القيم: فالغني إذا اتقى الله في ماله وأنفقه في وجوهه -وليس مقصورًا على الزكاة- بل مما حقه إشباع الجائع، وكسوة العار، وإغاثة الملهوف، ورعاية المحتاج والمضطر، فطريقه طريق الغنيمة. وأبواب الخير كثيرة لا تعد ولا تحصى؛ فقد يحفر بئرًا، ويسوي طريقًا، ويكفل يتيمًا، وكذلك يقوم على أرملة أو غير ذلك من أبواب الخير. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «الساعي على الأرملة والمسكين كالقائم لا يفتر، والصائم لا يفتر، وكالمجاهد في سبيل الله». فهذا كله يدلك على عظيم أجر هذه الأعمال الصالحة إن صدق فيها. قال رحمه الله تعالى: وهي فوق السلامة. فالنبي صلى الله عليه وسلم قر الفقراء على مال الأغنياء من هذه الرفعة بسبب إنفاقهم. وهذا فضل الله كما قال عليه الصلاة والسلام: «يؤتيه من يشاء». والصحابة مع فقرهم كانوا يجتهدون على الصدقة بالإنفاق؛ ليس الصدقة بالجهد والقوة فقط، بل بالإنفاق، فيتحاملون ثم يجمعون المال ثم يتصدقون؛ يعني يعمل كما يعمل لما يكسب لنفسه ولأسرته، كذلك يجعل وقتًا يكتسب فيه لأجل صدقته، لأجل صدقته. ولهذا استنبط بعض العلماء من حديث النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الرجل من بني إسرائيل صاحب السحابة -والحديث في الصحيح- فإن تلك السحابة سخرها الله له لما كان من قيامه بحق الله وحق عباد الله وحق نفسه وأهله، فكان يقسم ما يخرج من أرضه ثلاثة أقسام: قسم يرده فيها، وقسم له ولعياله، وقسم يتصدق به؛ ثلاثة أثلاث. قال بعض العلماء: في هذا دليل على استحباب أن يقسم المسلم ما يدخل عليه من مال ورزق ثلاثة أقسام؛ يعني أن هذا من أوجه الصدقة. من أوجه الصدقة أن يجعل ثلثًا له ولأهله، وثلثًا يبقي به تجارته، وثلثًا يجعله في أبواب الصدقة. فلو كان له ربح قسم الربح ثلاثة أقسام، فقسم يجعله للصدقة. وهذا من التنظيم ومن الادخار الحسن الذي علمنا إياه ديننا. قال: رابعًا: فضل هذا الذكر المذكور في هذا الحديث؛ حيث كان سببًا في سبق من يقوله في أدبار الصلوات في الثواب، وأنه لا يلحقه أحد إلا من عمل بمثل عمله؛ لما يحصل لنفسه من تطهير، ولأخلاقه من رياضة. فالذكر سبب كل خير؛ فهو سبب لحياة القلب واللسان والجوارح، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت، كمثل الحي والميت». فذكر الله سبب لحياة القلوب، وحياة اللسان، وحياة الجوارح. وهو كذلك كما قال: يطهر الله عز وجل به من الظاهر والباطن، ويروض ويريض الأخلاق. ولهذا من عود نفسه على ذكر الله عز وجل يجد أثر ذلك في أخلاقه وسكونه وحلمه وغير ذلك من صفات الخير. قال: خامسًا: أن الهداية والرزق بيد الله، فهو الذي يقسمها بين عباده، فينبغي أن يرضى بقسمة الله تعالى. والله عز وجل حكيم سبحانه وتعالى. والمسلم ينبغي عليه أن يرضى بقضاء الله وقدره؛ فالخير ما يختاره الله سبحانه وتعالى له. ولا يمنع ذلك أن يبذل الأسباب ليصل إلى أبواب الخير، كما تقدم؛ ممكن يكتسب ويتصدق. قال: سادسًا: مشروعية هذا الذكر بعد الصلوات المكتوبات، كما ورد في بعض الروايات تقييده بالمكتوبة، وأن يكون بهذه الصيغة. فالتسبيح يتضمن نفي النقائص عن الله تعالى، ثم التحميد المثبت له الكمال، ثم التكبير. ثم التكبير. أو التحميد؟ تكبير قبل التحميد: نفي نقائص أن الله تعالى، ثم التحميد المثبت له الكمال، ثم التكبير المثبت له صفات العظمة؛ يعني لله سبحانه وتعالى. واستظهر ابن القيم أن تكون الثلاث والثلاثون من جميع كلمات التسبيح والتحميد والتكبير؛ يعني يقول: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر. وهذه كيفية قد صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم. والكيفية الثانية ما جاء في رواية سمي أنه يقول: الله أكبر، سبحان الله، والحمد لله. والكيفية الثالثة أن يقول: سبحان الله سبحان الله سبحان الله، يكمل ثلاثًا وثلاثين، ثم الحمد لله الحمد لله الحمد لله، يكمل ثلاثًا وثلاثين، ثم الله أكبر الله أكبر الله أكبر، يكمل ثلاثًا وثلاثين. هذه ثلاث كيفيات لهذا الذكر، كلها صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيجوز هذا ويجوز هذا ويجوز هذا. وأيها الأكثر؟ الأكثر هو الأول. الأكثر هو الأول: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر. هذا هو الأكثر الذي جاء في أكثر الروايات وصحت عن النبي صلى الله عليه وسلم. ويجوز هذا الذي ذكر: الله أكبر، سبحان الله، والحمد لله. وبه نعلم أن لفظ التكبير في الروايتين يكون إما في أول هذا الذكر وإما يكون في آخر هذا الذكر. فإذا كان كذلك علمنا أن ما جاء في حديث ابن عباس من ذكر التكبير يحمل على هذا التكبير المذكور في هذا الحديث؛ لما تقدم من أنه ليس هناك شيء صحيح صريح يدل على إتباع التسليم بتكبير منفرد يعد، فمثل هذا ليس فيه نص صحيح صريح. ومن قال به أخذًا بعموم حديث ابن عباس، فهو مجتهد. وقد قال به جماعة من أهل العلم. فهذا مما يسع فيه الخلاف، والأمر واسع، والله أعلم. طيب. نعلن نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.