الدرس في كتاب الصلاة 30، الدرس الثلاثون:من( 6-أن الحكم لا يلزم المكلف إلا بعد بلوغه ... وعن ابن تيمية في مثل هذا قولان:أحدهما موافق لما ذكر ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول بداية سريان الأحكام الشرعية على المكلفين ومسألة العمل بخبر الواحد الثقة وتأثيره على الأحكام المتواترة. يشير إلى أن الحكم لا يلزم المكلف إلا بعد بلوغه.
يشرح بعض الأحكام المستفادة من حديث تحويل القبلة، منها قبول خبر الواحد ونسخه للمتواتر، والعذر بالجهل في عدم العلم بالفرض الشرعي. كما يتناول استخدام الوسائل الحديثة في نقل الأخبار الشرعية.
يناقش مسألة فهم الحجة كشرط للتكليف، ويُفصّل في قضية جهل الإعراض، ويُبرز أن قيام الحجة على الشخص لا يشترط فيه فهمها، معتمدًا على أدلة من الكتاب والسنة وآراء أهل العلم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشارح رحمه الله تعالى: قال السادس، أن الحكم لا يلزم المكلف إلا بعد بلوغه، فإن القبلة حولت، فبعد التحويل وقبل أن يبلغ أهل قباء الخبر صلوا إلى بيت المقدس، فلم يعيدوا صلاتهم. ومعناه أن ثبوت الأحكام هو بالبلوغ لا بالنزول. وهل هذا على إطلاقه؟ الصحيح فيه تفصيل، فيفصل بين الأحكام الشرعية التي هي لله، وبين ما تتعلق به حقوق الآدميين. فما كان من حق الله عز وجل، فهو كما قال المؤلف رحمه الله، يثبت الحكم بعد بلوغه. فهؤلاء الذين صلوا إلى غير القبلة من بعد نزول حكم تحويل القبلة، صلاتهم صحيحة. بينما من بلغه الحكم ولم يصل إلى القبلة بعد العلم به، صلاته باطلة. ووقت الصلاة ما بين نزول الحكم إلى بلوغ الحكم، هذا معفو عنه، وهو صحيح لعموم الأدلة من الكتاب والسنة. ولعين هذا الدليل في هذا الحديث، قال الله عز وجل: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. وهكذا كذلك في هذا الحديث، أقر النبي صلى الله عليه وسلم صلاتهم التي صلوها، وبعضها إلى القبلة وبعضها إلى غير القبلة. ومن باب أولى الصلاة التي قبل بلوغ الحكم. كما سمعنا أنزل الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي صلاتكم. وقاس عليه العلماء كل ما يتعلق بذلك من الأحكام التي تعلق بحق الله. رجل كان يجهل أحكام الزكاة، ليس بتفريط، ثم بلغه الحكم، فهل يزكي عن جميع السنوات التي مضت أو من حين بلغه الحكم؟ الجواب: إن كان مفرطا فمن حين ملك المال، وإن كان غير مفرط فمن حين بلغه الحكم. إمرأة عندها ذهب، ما كانت تعلم أن الذهب الملبوس فيه زكاة، تظن أنه ليس فيه زكاة، فعلمت بعد ذلك أن فيه الزكاة، هل يلزمها أن تزكي عن جميع السنوات من حين ملكت هذا الذهب أو فقط من حين علمت الحكم؟ الجواب: الثاني، من حين علمت الحكم. وهذا هو قوله رحمه الله: أن الحكم لا يلزم المكلف إلا بعد بلوغه. وقلنا أن هذا فيما هو حق لله، أما ما كان من حقوق الآدميين، فالأمر يختلف، لأن حقوق الآدميين قائمة على المشاحة، فيثبت الحكم من حين وقوعه. فلو أن وكيلا موكلا عزل وكيله، فبلغه الحكم متأخرا، فهل تصح تصرفاته قبل ذلك؟ الصحيح: لا تصح. وهكذا لو أن امرأة طلقت أو مات زوجها، وكان بين الموت والطلاق وبلوغ الخبر وقت، فهل تحتسب العدة من حين بلوغ الخبر أو من حين حصول الطلاق ووقوع الوفاة؟ الصحيح: الثاني، من حين حصول الطلاق والوفاة. وهكذا قل في سائر الحقوق التي تتعلق بالآدميين. فما كان من الحقوق متعلقا بالآدميين، فهو على المشاحة، وما كان من حق لله سبحانه وتعالى، فهو على العفو. وهذا هو أقرب الأقوال. ورب تفاصيل يكون لها استثناءات باعتبارات وأدلة خاصة، لكن على وجه الإجمال هذا هو ما يمكن أن يقال أنه قاعدة في هذا المقام. قال رحمه الله تعالى: سابعا، أن خبر الواحد الثقة إذا حفت به قرائن القبول يصدق ويعمل به، وإن أبطل ما هو متقرر بطريق العلم. يعني أن هذا الحديث فيه دليل على العمل وقبول خبر الواحد الثقة، بل أن خبر الواحد الثقة ينسخ اليقين المتواتر. ففيه دليل على أن أخبار الآحاد تنسخ المتواتر. فثبوت القبلة إلى بيت المقدس كان متواترا، لأنه ثبت من غير نظر واستدلال، بل ثبت بماذا؟ بتواتر تواتر قول وفعل واتفاق. ومع ذلك كان متقررا عند الصحابة أن خبر الواحد ينسخ مثل هذا المتواتر. فلما جاءهم من يعرفوه ممن هو ثقة، فأخبرهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أنزل عليه قرآن وحولت القبلة، سرعان ما استجابوا وامتثلوا. ما قالوا كما قال أولئك المتحذلقون الذين يتحذلقون في رد الشريعة بحجة أن هذا خبر آحاد، وخبر الآحاد ظني الثبوت وظني الدلالة كما زعموا. بل سرعان ما قبلوا وامتثلوا، ففي هذا رد على هؤلاء، وهو دليل من مئات الأدلة التي تدل على قبول خبر الواحد وأنه يعمل به، وأنه كذلك ينسخ المتواتر. قال ثامنا: وفيه أن العمل ولو كثيرا في الصلاة إذا كان لمصلحتها مشروع. ومر معنا مسائل ومواضع في دروس سابقة يدل على هذه المسألة، فيجوز العمل ولو كثر إذا كان لمصلحة الصلاة. فتحولهم إلى القبلة لن يكون بثلاث حركات كما يقول بعض الفقهاء: ما زاد عن ثلاث حركات بطلت الصلاة، هذه قاعدة ليست صحيحة. بل الظابط في ذلك أن الحركة التي من جنس الصلاة وفي مصلحة الصلاة لا تضر ولو كثرت. والمصلحة التي ليست من جنس الصلاة ولا في مصلحة الصلاة وتخرج المصلي عن كونه مصليا تبطل الصلاة ولو كانت حركة واحدة. ولو كانت حركة واحدة، حتى لو حركة واحدة تخرج المصلي عن كونه مصليا يبطل، تبطل بذلك صلاته. قال تاسعا: وفي دليل على قبول خبر الهاتف واللاسلكي في دخول شهر رمضان أو خروجه، وغير ذلك من الأخبار المتعلقة بالأحكام الشرعية. لأنه وإن كان نقل الخبر من فرد إلى فرد، إلا أنه قد حف به من قرائن الصدق ما يجعل النفس تطمئن ولا ترتاب في صدق الخبر. والتجربة المتكررة أيدت ذلك قصصا، إذا كان هاتف من جهة موثوقة، ورسالة لاسلكية من جهة موثوقة، فمثل هذا تثبت به الأحكام. فمثلا تثبت به أحكام دخول الشهر وخروجه في رمضان، وفي الأعياد وأشهر الحج، وغير ذلك. فلو أن مكتب الإرشاد كان يأتيه مثل هذه الأحكام بأجهزة الناسخ أو كذلك الهاتف أو ما كان بمعناه من الأجهزة الحديثة من جهة موثوقة معتبرة، صح قبول مثل هذا الخبر، خصوصا وأن الناس قد توسعوا في السكنة وتوسع الناس في البلاد بما يحتاج معه إلى سرعة نقل الأخبار، فاستعمال هذه الوسائل جائز ما دام من جهة موثوقة، لأن العمل بخبر الواحد دل هذا الحديث على صحته. قال عاشرا: قال الطحاوي، في الحديث دليل على أن من لم يعلم بفرض الله تعالى ولم تبلغه الدعوة، فالفرض غير لازم له، والحجة غير قائمة عليه انتهى. وزاد الأصوليون أن الفهم شرط التكليف. وعن ابن تيمية في مثل هذا قولان، أحدهما موافق لما ذكر. هاتان مسألتان في مسألة العذر بالجهل، ومسائل العذر بالجهل كثيرة، ولكن ذكر رحمه الله ما يناسب هذا الحديث. أولهما أن من لم يعلم بالفرض الشرعي ولم تبلغه الدعوة، فالفرض غير لازم له، والحجة غير قائمة عليه. وهذا تقدم، فإنه لا يلزم المكلف الحكم إلا بعد بلوغه إياه. ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. فإذا جاءت الحجة، فإنه عند ذلك يلزم العبد ما يلزمه تجاه ما بلغه من العلم. وإذا لم تبلغه الحجة، فهو معذور. وهذا هو قوله: قال الطحاوي، في الحديث دليل على أن من لم يعلم بفرض الله تعالى ولم تبلغه الدعوة، فالفرض غير لازم، والحجة غير قائمة عليه. وهو كما قال. وأما قوله: وزاد الأصوليون، وهذه المسألة الثانية، أن الفهم شرط التكليف. نزيد في الأول أن يقال: هذا إذا لم يكن بتفريط، إذا لم يكن بتفريط. لأن إنسانا قد يدعي أنه لم يبلغه الفرض ولم يعلم بالدعوة، فهل هو معذور؟ الجواب: لا، ليس بمعذور إذا حصل منه تفريط. فهذا يسمى جهل الإعراض، وجهل الإعراض لا يُعذر صاحبه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار». فقوله: «لا يسمع بي» معناه أن مجرد السماع، ما عدم بلوغ الحجة، نوع من التفريط، نوع من التفريط، لأنه علم في دينه هذا اليهودي والنصراني أن هناك نبي يأتي بعد عيسى وموسى عليهم الصلاة والسلام، وغير ذلك مما يلزمه معه عدم التفريط في مثل هذا الخبر. وبه نعرف كذلك التفصيل في قضية جهل الإعراض، وقضية فهم الحجة. وهذه المسألة الثانية، قال: وزاد الأصوليون أن الفهم شرط التكليف. وعن ابن تيمية في مثل هذا قولان، أحدهما موافق لما ذكر. هذه المسألة تحتها خلاف كبير، والتفاصيل كثيرة. خلاصتها على وجه الاختصار: أنه يفصل في هذه المسألة، وهي مسألة: هل يلزم من بلغته الحجة فهمها أم لا يلزم؟ والصحيح: أنه في مواضع يلزم، وفي مواضع لا يلزم. فمن المواضع التي لا يلزم ما هو معلوم من الدين بالضرورة، وهو يختلف باختلاف المسائل والأشخاص والأحوال. فكما سمعنا قبل قليل: سماع اليهودي والنصراني بالنبي صلى الله عليه وسلم وتفريطه في السؤال والبحث عن الحق، يدخله النار. ومع ذلك لا نستطيع أن نقول: كل كافر سمع بالنبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمن به فهو في النار. لماذا؟ لأن منهم من قد يكون له العذر. ولهذا ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى في «مفتاح دار السعادة» حين ذكر طبقات المكلفين: أن من طبقات المكلفين طبقة نعاملهم في الدنيا معاملة الكافرين، وهم في الآخرة يمتحنون، لأنهم لم تقم عليهم الحجة. نحن ما نعرف في هذه الدنيا من الذي قامت عليه الحجة ومن الذي لم تقم عليه الحجة، لكننا نعامل كل الكفار بمعاملة الكافرين، وفي الآخرة أمرهم إلى الله سبحانه وتعالى. ومن هؤلاء: أولاد المشركين على الصحيح من أقوال أهل العلم، فإنهم يمتحنون يوم القيامة. فإذن قد يكون في مواضع فهم الحجة لا بد منه، وفي مواضع لا يلزم فهم الحجة. فكل من بلغته الحجة قامت عليه الحجة. وهذا كما قال العلماء: ما هو معلوم من الدين بالضرورة، وما لا يمكن ولا يسع مثله جهله، ما لا يسع مثله جهله. وعلى هذا يكون معنى ما ورد من الأدلة من الكتاب ومن السنة مما ظاهرها عدم العذر بالجهل، مما ظاهرها عدم العذر بالجهل، فيحمل أنه لا عذر بالجهل فيما لا يسع الإنسان جهل مثله. فمثلا: قتل النفس، أضرب مثالا في قتل النفس، وما كان بمعنى قتل النفس بغير حق، هل يوجد إنسان عاقل يجهل أن هذا مما لا يجوز وأنه من الإثم؟ ما أحد يجهل هذا، لا مسلم ولا كافر. فكل إنسان عنده العقل يدرك أن مثل هذا الفعل لا يجوز فعله. وهكذا كذلك قس عليه قضايا في أمور العقائد وما كان بمعناها، فإن الإنسان بفطرته وبما أعطاه الله عز وجل من العقل، وبما جعل من دلائل الشرع والدلائل الكونية تقوم على الناس الحجة في ذلك، فلا يسع الناس في بعض المسائل جهلها. فمن بلغته الحجة قامت عليه الحجة، ولا يشترط في ذلك فهمها. والناس بهذا يتفاوتون. إلى هنا والله تعالى أعلم. الأسئلة نعجلها لوقت آخر إن شاء الله.