الدرس في كتاب الصلاة 14، الدرس الرابع عشر:من( الحديث الثالث والخمسون:عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ... أما كونها بأيدي طغاة مستعمرين فستكون أداة تخريب ودمار للعالم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي ينهى عن الصلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس وبعد العصر حتى تغيب الشمس. وتناول الفروق في روايات الحديث وأقوال العلماء في تفسير النهي وتأويل أوقات الكراهة.
يناقش أسباب النهي عن الصلاة في أوقات معينة مثل التشبه بالكفار وتسجير جهنم، ويشرح الأحكام المتعلقة بهذه الأوقات. ويتناول النهي عن الصلاة بعد الفجر والعصر وتحريم الصلاة في أوقات معينة.
التشبه بالكفار يدل على ضعف شخصية المسلم ومعنوياته، ويؤدي إلى إدخال الباطل على دين المسلمين. والواجب على المسلم اجتناب التشبه بأعداء الدين فيما هو من خصائصهم.
يُنتقد إهمال العلوم وعدم الاهتمام بها، بينما يُلاحظ تنافس شديد على الأمور التافهة. هذا يدل على خلل في الأولويات لدى الأفراد والمجتمعات.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: الحديث الثالث والخمسون، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس». أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى هذا الحديث بسياق ذكره إلى أوقات النهي، وأقرب الألفاظ إليه. ولفظ الإمام البخاري: حديث خمس ألاف أو خمسمائة، خمسمائة وستة وثمانين، قال: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد عن صالح عن ابن شهاب، قال: أخبرني عطاء بن يزيد الخزاعي أنه سمع أبا سعيد الخدري فذكر الحديث. ورواه مسلم كذلك نحوه بهذا اللفظ. ومر معنا أن هذا الحديث جاء بلفظ: «لا صلاة بعد صلاة الصبح»، وفي رواية: «بعد صلاة الفجر»، وجاء بلفظ: «لا صلاة بعد الصبح». وهذا لفظه في الصحيحين جاء بهذا اللفظ وبهذا اللفظ. وجاء كذلك عند أحمد والنسائي بهذا اللفظ: «لا صلاة بعد الفجر». وعند مسلم: «لا صلاة بعد الفجر». وحديث ابن عباس رواية كذلك: «نهى عن الصلاة بعد الصبح»، وفي رواية: «عن الصلاة بعد صلاة الصبح». كلتا الروايتين صحت. قال رحمه الله: قال المصنف: وفي الباب عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر بن العاص، وأبي هريرة، وسمورة بن جندب، وسلمة بن الأكوع، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وكعب بن مالك، وأبي أمامة الباهلي، وعمر بن عبسة، وعائشة رضي الله عنهم. وصنا بحيي، ولم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم، فحديثه مرسل. وهؤلاء جماعة من الصحابة رووا معنى هذا النهي، وسيأتي الإشارة إلى بعض هذه الأحاديث، فبعضها بالصحيحين، وبعضها في أحدهما، وبعضها خارج الصحيحين، وكلها فيها المعنى الذي أشار إليه رحمه الله مما فيه النهي عن الصلاة في أوقات النهي. طيب، تتمة للشرح، قال رحمه الله تعالى: ما يأخذ من الحديث أولاً: النهي عن نوافل الصلاة المطلقة بعد صلاة الصبح حتى تشرق الشمس وترتفع ما يقرب من رمح. وقلنا هذا لفعل النبي عليه الصلاة والسلام في صلاة العيد، وفي كذلك غيره. وقوله بمعنى: وأما ذوات الأسباب فإنها تصلى ما لم يكن وقت الشروق، فإنه وقت الكراهة الشديدة. فذهب بعض العلماء لأنه يمنع، ورخص فيه بعضهم، والأمر في هذا واسع. قال: الثاني: النهي عن نوافل الصلاة المطلقة بعد صلاة العصر حتى تغيب الشمس، وهذا مثله، فوقت المغيب ووقت الكراهة الشديدة. وذهب بعض أهل العلم إلى تحريم الصلاة فيه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قرنه بفعل الكفار والمشركين، كما جاء في حديث عمر بن عبسة: «فإنها تشرق وتغرب بين قرني شيطان»، وعند ذلك يسجد لها الكفار. وجاء معناه كذلك من حديث عبد الله بن عمر: «أنها تطلع وتشرق بين قرني شيطان». واختلفوا ما معنى قرني شيطان؟ قال بعضهم: قرن حقيقي، أو قرنان حقيقيان للشيطان يكون متمثلاً عند الشروق والغروب، وعند ذلك يسجد الكفار. وقال بعضهم: بل المراد انتشار شره. وقال بعضهم: إنما هو فعل المشركين في ذلك الوقت، فعند ذلك يبرز الشيطان. وكل المعاني محتملة، والله أعلم بالصواب. قال رحمه الله: ثالثاً: يؤخذ من حديث أبي سعيد: «لا صلاة بعد صلاة الصبح» أن النفي هنا للجنس، وهذا مقتضى اللغة. لكن صيغة النفي إذا دخلت على الفعل في ألفاظ الشارع -يعني النبي عليه الصلاة والسلام- فالأولى حملها على نفي الفعل الشرعي. لأن جنس الصلاة لا يمكن نفيه، فالشارع يطلق ألفاظه على عرفه وهو الشرعي، يعني: «لا صلاة» مشروعة، ليس «لا صلاة» موجودة. وفرق بين المسألتين. لأن المشروع المنهي عنه باتفاق: النفل المطلق، وباختلاف: ذوات الأسباب. والجائز بلا خلاف: الفريضة. واضح، فالفريضة جائز بلا خلاف، والنفل المطلق لا يجوز بلا خلاف، وذوات الأسباب فيها خلاف. فإذا قوله: «لا صلاة بعد صلاة الفجر»، هذا النفي للصلاة الشرعية المشروعة. فخرج بذلك الذي أذن الشرع به، وخرج بذلك معنى الصلاة باللغة، أو نقول: بأحد معانيه في الشرع، وهو الدعاء، فيجوز أن يدعو الإنسان بعد صلاة الفجر وبعد صلاة العصر. فإن الإنسان لا يزال في صلاة ما دام في مصلاة، أو كان ينتظر الصلاة. قال رحمه الله تعالى: الرابع: يؤخذ من بعض الأحاديث أن علة النهي هي خشية مشابهة الكفار، فيؤخذ من هذا تحريم التشبه بهم وتقليدهم في عباداتهم ومعاداتهم وتقاليدهم. ومراد حديث عمر بن عبسة في مسلم الذي مضى معنا، وحديث عبد الله بن عمر في صحيح مسلم، وحديث عبد الله بن عمر في الصحيحين وله ألفاظ كثيرة، ففيها هذا المعنى، وغيرها من الأحاديث الأخرى. لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهانا أن نتشبه بهم في عباداتهم، ومن ذلك الصلاة في هذا الوقت، فدل ذلك على أن التشبه بهم منهي عنه، ويؤكده عمومات كثيرة: «من تشبه بقوم فهو منهم»، رواه أحمد عن ابن عمر بإسناد صحيح. وهكذا: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة»، وغيرها من الأحاديث: حديث أبي هريرة وأبي سعيد في الصحيح. قال: فائدة، المؤلف لم يتعرض للثالث من أوقات النهي مع ثبوته في الأحاديث، ومنها حديث عمر بن عبسة كما سيأتي وغيره، قال: مع ثبوته في الأحاديث، وهو وقت ضئيل قليل، يبتدئ حين تنتهي الشمس بالارتفاع حتى تزول. وغلب تحريم الصلاة فيه بأحاديث، منها ما رواه مسلم عن عقبة بن عامر: «ثلاث ساعات نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا»، إحداها: «حين يقوم قائم الظهيرة»، وذكر أولها: «حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع»، وثانيها: «حين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس»، وثالثها: «حين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب». هذه ثلاثة أوقات، وفيه زيادة حكم مع زيادة حكم النهي في الظهر، زيادة النهي عن دفن الموتى في هذه الأوقات الثلاثة. ويدل ذلك كذلك على النهي عن الصلاة على الجنائز في هذه الأوقات الثلاثة، كذلك: أنه يكره الصلاة على الجنائز في هذه الأوقات الثلاثة. ولاحظ في حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه: تضييق الوقت حين تطلع الشمس، يعني: وقت الكراهة الشديدة، وحين تضيف الشمس للغروب تتهيأ للغروب قدر عشر دقائق تقريباً. فهذه الأوقات الثلاثة نهانا النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فيها، ومنها: صلاة الجنائز، ومنها: دفن الموتى. قال: ومنها ما رواه مسلم أيضاً عن عمر بن عبسة: «ثم صلي حتى يستقل الظل بالرمح، ثم أقصر عن الصلاة، فإنه حينئذ تسجر جهنم»، يعني: إذا جاء وقت الزوال تسجر جهنم. هذه علة. وفي حديث عقبة: علة ظاهرها النهي عن ذلك للتشبه بالكفار. ولا مانع أن تكون علتان. ومعنى: «حين تسجر جهنم»، يعني: يزداد حرها. وهذا الحر الذي نراه في الظهر من أثره هكذا ظاهره. ولا مانع أن يكون معه ميلان الشمس إلى الزوال فيما نرى. فإن لله عز وجل حكمة في سير هذه الكواكب، فإن سير هذه الكواكب قد يوافق أشياء أخفى منها فيما يتعلق بحر جهنم. فإن لجهنم كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «نفسان، نفس في الصيف ونفس في الشتاء»، وذلك حين تجدون أشد ما تجدون -أي من الحر- وأشد ما نجد من البرد. قال: فائدة ثانية: كثير من أحكام الشريعة بنيت على البعد عن مشابهة المشركين، لأن في تقليدهم والتشبه بهم تأثيراً على النفس يتدرج ويمتد حتى يصل إلى استحسان أعمالهم واحتذائهم فيها، حتى يزول مال المسلمين من عزة ووحدة واستقلال، ويصبحوا تبعاً لهم. فقد ذابت شخصيتهم ومعنويتهم فيهم، وبهذا يدالون على المسلمين. وهكذا كذلك فيه معنى آخر، وهو أنه يدخل على المسلمين باطل هؤلاء الكفار، فإن الكثير من أقوالهم وأفعالهم بسبب تحريفهم لدينهم هي من الأقوال والأفعال الباطلة. كما قال بعضهم: حرف اليهود دين النصارى -يعني أعانوا على تحريفه- وهكذا حاول النصارى واليهود تحريف دين المسلمين، فمن استجاب لهم من المسلمين فإنه صار على دين مغير ومبدل ومحرف. مثل من هؤلاء من المسلمين طوائف كثيرة كالرافضة، فإن أصول الرافضة وضعت كما قيل بأيدي يهودية، فواضعها عبد الله بن سبأ. قال رحمه الله تعالى: والإسلام يريد من المسلمين العزة والوحدة في عباداتهم وعاداتهم وتقاليدهم وحوالهم، ويريد منهم أن يكون أمة مستقلة لها صفتها الخاصة وميزتها المعروفة. ومع الأسف الشديد نجد المسلمين في عصرنا يجرون خلفهم بلا روية ولا بصيرة. والواجب على المسلم اجتناب التشبه بأعداء الدين -يعني مما هو من خصائصهم- فلا يجوز للمسلم التشبه بهم. ولأن هذا له أثر على حب القلب وثبات المسلم على الحق، كما مر معنا من حديث حذيفة قال: «لا يشبه الزي الزي حتى تشبه القلوب القلوب». ومعناه عن ابن مسعود قال: «وكل ما ورد من الغرب فهو الحسن، وكل عمل يأتون به فهو الجميل ولو خالف الدين والخلق». فإن لله إنا إليه راجعون. وهذا وقع في نفوس بعض الضعفة من المسلمين يستحسن كل شيء يأتي من هناك ولو خالف العقل والدين والفطرة والخلق. وكل شيء أهم شيء يأتي من هناك يصير طيب. وتتعجب من أحوال الناس في ذلك، فمثلاً في الألبسة تجد الناس يستنكفون لبس المرقع ولبس القديم، ما مرت الأيام إلا صارت موضة وصرخة من صرخات الكفار، فصار المسلمون يلبسون المرقع، واشتغلت المصانع بقايا الملابس تخيط وتجعل ملابس ويلبسها المسلمون صرخة جديدة. وهكذا القماش القديم يخيط ويلبس وصرخة جديدة. وهكذا صار الناس زبالة ما يأتي ويخلف يأخذه. قال: اللهم أيقظ المسلمين من رقدتهم، منبههم من غفلتهم، واجمع على الحق والهدى كلمتهم، إنك سميع مجيب. وليس المراد ألا نتعلم ما علموه من صناعة واختراع، فهذه علوم مشاعة لكل أحد، ونحن أولى بها منهم، لأننا حين نتعلمها نستعملها فيما يأمر به ديننا من استتباب الأمن والسلام وإسعاد البشرية. أما كونها بأيدي طغاة مستعمرين فستكون أداة تخريب ودمار للعالم. يعني الحضارة، الحضارة في أيدي الكافر سبب للدمار، وكم في هذا شواهد ووقائع يثبتها التاريخ. وأما في يد المسلم فهو العادل الذي هو أرحم الناس للناس، فسيضعها في موضعها العادل الذي يحبه الله ويرضاه، ولو خالف ذلك شهوة نفسه لأنه مسلم ينقاد بأمر الله سبحانه وتعالى. وبهذا تعرف أن أخذ هذه الحضارة ليس بالتشبه بهم بالزيت، بل فعل هذا من الحمق الأحمق، هو الذي يفعل هذا الفعل. لو أن رجلاً لبس لبسة الطبيب يريد بذلك أن يكون طبيباً، هذا ماذا يعد؟ مجنون، الذي يلبس لبسة الطبيب يريد أن يكون طبيب مجنون. تريد تكون مثله طبيب، ليس تلبس لبسة الطبيب، لكن تعلم العلم الذي تعلمه الطبيب. كان عندنا واحد مجنون في عدن كل يوم يلبس لبسة من لبسات الناس، مرة يلبس لبسة للطبيب، وإذا ناديته: يا فلاني، يقول: لا، لا تناديني فلان، اليوم أنا دكتور، الدكتور فلان وخلاص، كيف حالك دكتور فلان؟ ثاني يوم يأتينا بلبسه لبس الضابط، يلبس لبسه عسكرية، وإذا ناديته: يا فلان، ما يرضى، لا، لا تناديني، ناديني الضابط فلان. وتناديه: الضابط فلان. وهكذا هذا المجنون الذي يفعل هذا الفعل الناس يرحمون ويعرفون أنه نقص وحمق. فكذلك ما يفعله بعض الناس في التشبه بالكفار يظنون أن معناها الحضارة والوصول إليها، ما أن هذا ما يفعله إلا سفهاء الناس، وإلا العاقل يعرف أن الوصول للحضارة بتعلم تلك العلوم والأخذ بها. لكن للأسف نجد العكس من ذلك، إهمال شديد لأخذ العلوم، وكسل وتضييع لما فيه منفعة للمجتمعات. وأما الأشياء الساقطة فمتنافس عجيب عليها ومسابقة شديدة. طيب، لهنا والله تعالى أعلم.