الدرس في شرح كتاب تقريب التدمرية للشيخ العثيمين 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يُبرز أهمية العلم والدورات العلمية في نشر الخير وإصلاح الفرد والمجتمع، ويُبين أن الجهاد بالحجة والبرهان هو أعظم الجهاد وأنه مستمر إلى قيام الساعة. يُشدد على دور العلم في معرفة الله وحقوقه وإصلاح النفس والأسر والمجتمعات.
الرسالة التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية تُعد خلاصة علمه ودعوته، وقد تم اختصارها في "تقريب التدمرية" للشيخ محمد بن صالح العثيمين. تتناول الرسالة أسس العقيدة والتوحيد وأهمية الدليل في الدعوة إلى الله.
يتناول نشأة البدع وتطورها عبر التاريخ الإسلامي، حيث بدأت في الظهور بعد عصر الخلفاء الراشدين وتطورت عبر العصور التالية. يشرح كيف سار التابعون ومن بعدهم على نهج الصحابة في نفي الشرك بينما ظهرت بدع مثل الخوارج والرافضة.
يُبرز أهمية السلف الصالح في حفظ الدين وتأثيرهم العظيم، ويشير إلى تدهور الأمور مع مرور الوقت بموت النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين. يذكر بعض أحاديث النبي التي تبين فضل أصحابه وأهميتهم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فنحمد الله عز وجل حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى. نحمد سبحانه الذي أنعم علينا بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، ونخصه سبحانه وتعالى بالحمد والثناء عليه بما هو أهله، على ما خصنا من نعمة الإيمان والإسلام، والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام. وذلك عظيم ما أنعم الله عز وجل به علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. كما نحمد سبحانه الذي يسر لنا بزيارة آبائنا وإخواننا وأبنائنا في هذه البلاد الطيبة المباركة، وفي هذه المدينة مدينة ماكاسر، وفي هذا المسجد على وجه أخص مسجد السنة في هذه المدينة الطيبة المباركة. وأن نجتمع في هذه الدورة المباركة التي يشرف عليها إخواننا في هذا المركز الطيب المبارك مركز السنة ومسجد السنة في هذه المدينة. فبادئ ذي بدء أقول: جزى الله خيرًا كل من سعى في إقامة هذه الدورة المباركة، ومن شارك فيها بعلمه أو جهده أو جاهه أو ماله بقليل أو كثير. إن هذه الدورات العلمية تعتبر بفضل الله سبحانه وتعالى مفتاحًا عظيمًا من مفاتح الخير التي ينفع الله عز وجل بها الفرد والمجتمع الصغير والكبير، والذكر والأنثى. فإن بث العلم للناس من أعظم ما يحيي الله عز وجل به العبادة والبلاد. وتعرفون أن هذا الدين إنما هو العلم الذي بعث به الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وختمت به رسالة نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. إن من أول ما أنزل عليه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. فبالعلم يكون مفتاح كل خير لهذا الإنسان، فبه يعرف ربه وحقوقه سبحانه وتعالى، ويعرف حقوق المخلوقين، ويعرف حقوق نفسه، فيصلح الله عز وجل به نفسه وأسرته وذريته، وهكذا مجتمعه. فيكون هذا الإنسان إنسانًا صالحًا مصلحًا بهذا العلم والإيمان والسنة والقرآن التي بُعث بها نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولهذا كان الجهاد بالإسلام جهادان: جهاد بالسيف والسنان، وجهاد بالحجة والبرهان. وهذا الثاني أعظم من الأول، وهو الذي لم يزل ولا يزال إلى قيام الساعة، وهو الذي يكون به الظهور بفضل الله سبحانه وتعالى. لم يزل ولا يزال به ظهور هذه الأمة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في مجاب الصيحين من حديث ثوبان، ومعناه من حديث معاوية في البخاري، بقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك». رجح كثير من المحققين من أهل العلم أن هذا الظهور هو ظهور الحجة والبرهان الذي لم يزل ولا يزال إلى قيام الساعة. من لدن مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، وهو واحد وحيد مستضعف في مكة بين المشركين، لكنه كان ظاهرًا بالعلم والإيمان والحجة والبرهان الذي آتاه الله عز وجل. ولم يزل كذلك في العهد المكي، ثم مكنه الله في العهد المدني. ومع ذلك لم تزل هذه الجملة، وهذه العبارة هي صفة هذه الفرقة الناجية والطائفة المنصورة. ومر في تاريخ المسلمين ارتفاع وانخفاض من ناحية التمكن العسكري والسياسي، وفي الملك، ولكنه لم يكن كذلك أبدًا من ناحية العلم والحجة والبرهان. فلا تزال حجة وبرهان أهل الحق ظاهرة بفضل الله سبحانه وتعالى، بل وتزداد، بل وتزداد. فإذا رأيت عدد المسلمين الذين أقبلوا على دين الله عز وجل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فابتدأ بشخصين ثم أربعة ثم ازدادوا. واليوم انظروا بفضل الله سبحانه وتعالى أين وصل هذا الدين بالحجة والبرهان، وصل إلى بلاد الدنيا شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا بفضل الله سبحانه وتعالى. ثم ببث العلم بهذا نعرف أيها الدعاة ومعاشر طلبة العلم أهمية ومنزلة العلم والاعتناء به. ومن ذلك هذه الدورات الطيبة، وجلبهم العباد والبلاد، ويكونون بإذن الله سبحانه وتعالى مفاتيح خير. ولهذا أكرر الشكر لكل من كان سببًا في هذا الخير، وبذل من جهده وعلمه وجاهه وماله قليلًا أو كثيرًا. نسأل الله عز وجل أن يبارك للجميع في جهودهم وعلومهم، وفي كذلك أهلهم وأنفسهم وأزواجهم وذرياتهم وأموالهم. وأن يجعلنا وإياكم مفاتيح خير مغالقة شر. وهذه الدورة كما أعلن عنها ستكون من هذا اليوم يوم السابع عشر حتى الثاني والعشرين من شهر محرم في هذه السنة، لسنة سبع وأربعين وأربعمائة وألف للهجرة. وجدولها كما قد أعلن عنها في هذه الدورة دورة تتناول كتابين مهمين من كتب أهل العلم، وتتخللها بعض المجالس العلمية والمذاكرات والمجالس كذلك الآداب والتربوية التي قد أعلن عنها. واليوم إن شاء الله نبتدئ في رسالة عظيمة، وكذلك مدون من مدونات أهل العلم المهمة التي تعتبر من أهم كتب أهل الإسلام وأهل العلم على وجه الخصوص، وأهل السنة على وجه أخص. وهو كتاب تقريب التدمرية، هذا الكتاب أصله كتاب لشيخ الإسلام تقريب التدمرية، كتاب أختصر من كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى المسمى بالرسالة التدمرية. هذه الرسالة ألفها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كجواب لسؤال ممن لازمه كثيرًا، فألف هذه الرسالة جوابًا لسؤالهم. فقد جالسوه كثيرًا وسمعوا منه من القواعد والضوابط، وكذلك المسائل العلمية الكثيرة المفيدة النافعة، وخصوصًا فيما يتعلق بباب الإيمان والأسماء والصفات والقدر. فاختصر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ما سمعوه منه في مجالسه الكثيرة، فكأن لسان حالهم يقول كما سيأتي معنا إن شاء الله: «إننا سمعنا منك شيئًا كثيرًا مفيدًا نافعًا، فهل جعلت لنا هذا المفيد النافع في قواعد ومسائل وضوابط نستفيدها ويسهل علينا الرجوع إليها؟». فألف لهم هذه الرسالة المختصرة. وكما ذكر بعض الشراح أن هذا كان في نفس الشيخ رحمه الله، فكان سبب تأليف هذه الرسالة هو سببان: سبب في نفس الشيخ وهو اختصار ما قد بسطه في كتبه الكثيرة، وسبب آخر إجابة لسؤال خواص طلابه الذين لازموه كثيرًا. فلم يجد بدًا من أن يجيبهم فيما سألوه مع شيء كان في نفسه، ولكنه لكثرة شواغله لم يتفرغ لما كان في نفسه، فساعد هذا السؤال أن يتفرغ لإخراج ما في نفسه في هذه الرسالة. ولهذا قالوا عن كتب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أن كتب شيخ الإسلام متينة فيها من الفوائد العلمية والتحقيقات الدقيقة العميقة ما لا يجدها الإنسان في كتب غيره من أهل العلم. وذلك لما حباه ربنا سبحانه وتعالى من قوة الاطلاع لكتب أهل العلم قديمًا وحديثًا، فيما عصر رحمه الله تعالى. وكذلك لما حباه من قوة الحافظة وقوة الذاكرة مع ما عنده من الذكاء والزكاء. فكل هذه الأمور جمعت لشيخ الإسلام ابن تيمية من المعارف والعلوم، وكذلك التحقيقات ما لا تجدها في كتب غيره من أهل العلم. ولذلك تجد أنه ربما أملى كما حصل ذلك في فترات دخوله السجن حين ابتلي عدة مرات، كتبًا بالمجلدات من حافظته رحمه الله تعالى. وخلاصة كتبه كما ذكر بعضهم: لو جمعت في ألف مجلد فاختصرت في مجلدات واختصرت هذه المجلدات في مجلد لقلنا: هذا المجلد الذي حاوى علم الشيخ هو هذه الرسالة التدمرية. فالرسالة التدمرية تعتبر خلاصة خلاصة خلاصة ما كتبه الشيخ في حياته العلمية، وكذلك سيره الدعوي رحمه الله رحمة واسعة. فيعتبر هذه الرسالة من أهم رسائل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، لما حوته من الدقة العلمية والقواعد والضوابط المهمة التي لا تكاد تجدها في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. وممكن نختصر كتب شيخ الإسلام تسير في مسارين: أحدهما الردود التي كتبها على المخالفين، وهذه الردود كانت متنوعة بعضها يرد على الرافضة مثل «منهاج السنة»، وبعضها يرد على الفلاسفة مثل «نقض التأسيس على الرازي»، وبعضها يرد كذلك على من ظل في باب الأسماء والصفات على اختلاف فرقهم. والمسار الآخر هو عرض دعوة أهل السنة والجماعة والإسلام الصحيح الذي غير وبدل من قبل الكثير من الناس في زمانه وما سبق زمانه رحمه الله تعالى. فلذلك كانت كتب الشيخ الإسلام تسير في هذين المسارين. وهذين المساران على كثرة تأليفاته رحمه الله وأجوبته ومسائله ممكن أن نختصرها في مجموعة رسائل، ونختصر هذه الرسائل المجموعة في هذه الرسالة العظيمة التي هي رسالة التدمرية. ولأن هذه الرسالة فيها من الألفاظ العميقة والعبارات الدقيقة والمسائل كذلك التي تحتاج إلى بسط وتسهيل، اختصر شيخنا العلامة محمد بن صالح عثيمين رحمه الله تعالى هذه الرسالة في هذا التقريب الذي سماه «تقريب التدمرية». فهو يعتبر سلمًا للوصول إلى الرسالة الأصل وهي التدمرية. فلذلك كان من الصواب ومن كذلك التدرج الصحيح لمن يريد أن يقرأ التدمرية أن يقرأ قبل ذلك تقريب التدمرية، لأن تقريب التدمرية سلم يقرب لك الوصول إلى الأصل. فإذا رقيت هذا السلم سهل عليك بعد ذلك القراءة في الأصل، وفهم ما ذكره صاحب الأصل رحمه الله تعالى في هذه الرسالة العظيمة النافعة التي سمعنا شيئًا من أهميتها. وهذه الرسالة تقريب التدمرية وشرحها وجد له شروحات كثيرة، ولعلكم تجدون في الشبكة وفي المكتبات من هذه الشروحات الشيء الكثير. ومن أهم هذه الشروحات التي اعتنت بالأصل والتقريب شرحان لشيخنا محمد بن صالح عثيمين رحمه الله تعالى، فقد شرح التقريب بشرح له لنفسه رحمه الله، وشرح الأصل كذلك بشرح لنفسه رحمه الله تعالى. وهكذا كذلك هناك شروح أخرى كثيرة مثل شرح شيخنا الشيخ عبد الرحمن البراك، وهو يعتبر من أحسن الشروح للأصل. وهكذا كذلك هناك شرح لشيخنا الجامي رحمه الله تعالى، ويعتبر كذلك من الشروح المهمة. وهناك شروح أخرى لعدد من المشايخ والعلماء كثيرة، لكن أذكر لكم أهم هذه الشروح. وإن شاء الله تعالى سيكون من هيئة القراءة في هذه الرسالة هو القراءة والتعليق بما يظن أنه مهم، بما يناسب حال الحاضرين والزمان والمكان، لأننا في دورة مختصرة. فلذلك نحاول قدر المستطاع أن نقف وقفات يسيرة فيما يظن أنه مهم، ويحتاج إلى ذكره بإذن الله سبحانه وتعالى. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد. قال الشيخ العلامة محمد بن صالح بن الثيمين رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله تعالى بالهدى ودين الحق، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وترك أمته على محجة بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك. فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه وأئمة الهدى من بعدهم، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيّن للناس ما نزل إليهم من وحي ربهم بيانًا كاملًا شاملًا في دقيق أمورهم وجليلها، وظاهرها وخفيها، حتى علمهم ما يحتاجون إليه في مأكلهم ومشربهم وملبسهم، والصلاة والزكاة والصوم والحج وغير ذلك. وما يحتاجون إليه في معاملة الخلق من بر الوالدين وصلة الأرحام، وحسن الصحبة والجوار وغير ذلك. وعلمهم كيف يتعاملون بينهم في البيع والشراء والرهن والارتهان والتأجير والاستئجار والهبة والاهتباه وغير ذلك. قال: حتى قال أبو ذر رضي الله عنه: «لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علمًا». وفي صحيح مسلم عن سلمان رضي الله عنه: «أنه وكلا له قد أعلمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة». قال: «أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة ببول أو غائط». هذا فضلًا عن أسس هذه العبادات والأخلاق والمعاملات. وهو ما يعتقده العباد في إلههم ومعبودهم في ذاته وأسمائه وصفاته وفعله، وما ينشأ عن ذلك من أحكامه الكونية والشرعية المبنية على بالغ الحكمة وغاية الرحمة. فأخذ عنه ذلك الصحابة معينًا صافيا نقيا مبنيا على التوحيد الكامل المتضمن لركنين أساسيين: نفي وإثبات. قوله رحمه الله تعالى: حتى قال أبو ذر إلى آخره، أراد الشيخ رحمه الله أن يدلل لأن هذا الدين دين المسائل والدلائل، دين العلم بالحجة والبرهان. ذكر الشيخ شيئًا من الأمور العلمية الكثيرة، ولابد أن يدلل أن هذا الكلام له أصل. وهكذا ينبغي أن يكون سير الدعاة إلى الله يعتني بمعرفة المسائل ومعرفة الدلائل. وهذا هو الفقه بالدين أن يجمع بين المسائل والدلائل، وهو الذي تكون به قوة الإقناع. حين تكلم إنسان وتريد تقنعه بكلام دون دليل ما يقتنع، وإذا أتيت بدليل دون توضيح لما يحتوي هذا الدليل من مسائل ما انتفع. لكنه ينتفع بذكر المسائل وذكر الدلائل. وبهذا الدليل الواحد يصل الإنسان إلى قناعة فعلًا أن هذا الدين دين شامل لكل شيء. قال رحمه الله تعالى: «وهو ما يعتقده العباد في إلههم ومعبودهم في ذاته وأسمائه وصفاته وفعله، وما ينشأ عن ذلك من أحكامه الكونية والشرعية المبنية على بالغ الحكمة وغاية الرحمة». هذا كله تأكيد أن الإسلام قد اعتنى بهذا، وأن نبينا عليه الصلاة والسلام اعتنى بهذا أعظم من اعتناه بأداب التخلي وغيرها. وأن الصحابة قد نقلوا هذا بتفصيل وتبيين أكثر مما سبق. ثم قال: «فأخذ عنه ذلك الصحابة معينًا صافيا نقيا مبنيا على التوحيد الكامل المتضمن لركنين أساسيين: نفي وإثبات». وسيأتي الكلام على النفي والإثبات. ثم قال: «فأما الإثبات فهو إثبات ما يجب لله تعالى من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات والأفعال». وأما النفي فهو نفي مشاركة غير الله تعالى لله فيما يجب له. ومضى عليه التابعون لهم بإحسان ممن أدركوا زمن الصحابة أو جاءوا بعدهم من أئمة الهدى المستحقين لرضى الله عز وجل. حيث يقول الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. فأحدثوا في دين الله تعالى ما ليس منه في العقيدة والعبادة والسلوك، وحرفوا من أجل ذلك نصوص الكتاب والسنة أو كذبوها. إن أمكنهم ذلك. قال الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «وعلم أن عامة البدع المتعلقة بالعلوم والعبادة إنما وقع في الأمة في أواخر خلافة الخلفاء الراشدين». كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: «من يعش منكم بعد فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنة وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي». فلما ذهبت دولة الخلفاء الراشدين فصار ملكًا ظهر النقص في الأمة، فلابد أن يظهر أيضًا في أهل العلم والدين. فحدث في آخر خلافة علي رضي الله عنه بدعة الخوارج والرافضة، إذ هي متعلقة بالإمامة والخلافة وتوابع ذلك من الأعمال والأحكام الشرعية. وكان ملك معاوية رضي الله عنه ملكًا ورحمة. فلما ذهب واجتاحت إمارة يزيد وجرت فيها فتنة قتل الحسين رضي الله عنه، وفتنة أهل الحرات بالمدينة، وحصروا مكة لما قوم عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما. ثم مات يزيد وتفرقت الأمة: ابن الزبير بالحجاز، وبن الحكم بالشام، ووثاب المختار بن أبي عبيد وغيره بالعراق، وذلك في أواخر عصر الصحابة. وقد بقي فيه مثل عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وأبي سعيد بن الخضري وغيرهم رضي الله عنهم. حدثت بدعة القدرية والمرجئة، فردها بقوة الصحابة مع ما كانوا يردونها، وهم وغيرهم من بدعة الخوارج والرافضة. وعامة ما كانت القدرية إذ ذاك يتكلمون في أعمال العباد كما يتكلم فيها المرجئة. فصوروا كلامهم في الطاعة والمعصية والمؤمن والفاسق. في الدولة الأموية هنا شرع القرن الثالث، تابعوا التابعين ينقرضوا أكثرهم. فإن الاعتبار بالقرون الثلاثة بجمهور أهل القرن وهم وسطه. وجمهور الصحابة قضوا بانقراض خلافة الخلفاء الأربعة، حتى إنه لم يكن باقيًا من أهل بدر إلا نفر قليل. وجمهور التابعين بإحسان انقرضوا في أواخر عصر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، في إمارة ابن الزبير وعبد الملك. وجمهور التابعين في أواخر دولة الأمويين وأوائل الدولة العباسية. وصار في ولاة الأمور كثير من الأعاجم، وخرج كثير من الأمور عن ولاية العرب. وعربت بعد ذلك الكتب العجمية من كتب الفرس والهند والروم. وظهر ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم: «ثم يفش الكذب حتى يشهد الرجل ولا يستشهد، ويحلف ولا يستحلف». وحدثت ثلاثة أشياء: الرأي والكلام والتصوف. وحدث تجاههم وهو نفي الصفات، وبإزائه التمثيل. إلا أن معرفة أصول الأشياء ومبادئها، ومعرفة الدين وأصله وأصل ما يتولد فيه من أعظم العلوم نفعًا. إذ المرء ما لم يحت علم بحقائق الأشياء التي يحتاج إليها يبق في قلبه حسرة. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «بِدْعَةُ الْقَدَرِيَّةِ أَدْرَكَتْ آخِرَ عَصْرِ الصَّحَابَةِ فَأَنْكَرُوهَا، مِنْهُمْ مَنْ كَانَ حَيًّا كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَمْثَالِهِمَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. ثُمَّ حَدَثَتْ بِدْعَةُ الْإِرْجَاءِ بِأَوَاخِرِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ فَتَكَلَّمَ فِيهَا كِبَارُ التَّابِعِينَ الَّذِينَ أَدْرَكُوهَا. ثُمَّ حَدَثَتْ بِدْعَةُ التَّجْهِيلِ بِأَوَاخِرِ عَصْرِ التَّابِعِينَ وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُهَا وَاسْتَطَالَ شَرُّهَا فِي زَمَنِ الْأَئِمَّةِ كَالْإِمَامِ أَحْمَدَ وَذَوِيهِ. ثُمَّ حَدَثَتْ بِأَوَاخِرِ ذَلِكَ بِدْعَةُ الْحُلُولِ وَظَهَرَ أَمْرُهَا فِي زَمَنِ الْحُسَيْنِ الْحَلَّاجِ. وَكُلَّمَا أَظْهَرَ الشَّيْطَانُ بِدْعَةً مِنْ هَذِهِ الْبِدَعِ وَغَيْرِهَا أَقَامَ اللَّهُ لَهَا مِنْ حِزْبِهِ وَجُنْدِهِ مَنْ يُرَدُّهَا وَيُحَذِّرُ الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا نَصِيحَةً لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَهْلِ الْإِسْلَامِ». وقال ابن حجر رحمه الله تعالى في «شرح البخاري»: «فَمِمَّا حَدَثَ تَدْوِينُ الْحَدِيثِ، ثُمَّ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ، ثُمَّ تَدْوِينُ الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَةِ الْمُوَلَّدَاتِ مِنْ الرَّأْيِ الْمَحْضِ. ثُمَّ تَدْوِينُ مَا يَتَعَلَّقُ بِأَعْمَالِ الْقُلُوبِ. فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَأَنْكَرَهُ عُمَرُ وَأَبُو مُوسَى وَطَائِفَةٌ، وَرَخَّصَ فِيهِ الْأَكْثَرُونَ. وَأَمَّا ثَانِي فَأَنْكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ كَالشَّعْبِيِّ. وَأَمَّا ثَالِثٌ فَأَنْكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَطَائِفَةٌ يَسِيرَةٌ، وَكَذَا اشْتَدَّ إِنْكَارُ أَحْمَدَ لِلَّذِي بَعْدَهُ. وَمِمَّا حَدَثَ أَيْضًا تَدْوِينُ الْقَوْلِ فِي أُصُولِ الدِّيَانَاتِ، فَتَصَدَّى لَهَا الْمُثْبِتَةُ وَالنُّفَاةُ. فَبَلَغَ الْأَوَّلُ حَتَّى شَبَّهُوا، وَبَلَغَ الثَّانِي حَتَّى عَطَّلُوا. وَاشْتَدَّ إِنْكَارُ السَّلَفِ لِذَلِكَ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَالشَّافِعِيِّ. وَكَلَامُهُمْ فِي ذَمِّ أَهْلِ الْكَلَامِ مَشْهُورٌ. وَسَبَبُهُ أَنَّهُمْ تَكَلَّمُوا فِي مَسَائِلَ عَنْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ وَالتَّابِعُونَ. بَلْ تَمَزَّقُوا مَسَائِلَ الدِّينِ بِكَلَامِ الْيُونَانِ، وَجَعَلُوا كَلَامَ الْفَلَاسِفَةِ أَصْلًا يَرُدُّونَ إِلَيْهِ مَا خَالَفَهُ مِنْ الْآثَارِ بِالتَّأْوِيلِ وَلَوْ مُسْتَكْرَهًا. ثُمَّ لَمْ يَقْتَصِرُوا بِذَلِكَ حَتَّى زَعَمُوا أَنَّ الَّذِي رَتَّبُوهُ هُوَ أَشْرَفُ الْعُلُومِ وَأَوْلَاهَا بِالتَّحْصِيلِ. وَأَنَّ مَا لَمْ يَسْتَعْمِلْ مُصْطَلَحَهُمْ فَهُوَ عَامِيٌّ جَاهِلٌ. فَالسَّعِيدُ مَنْ تَمَسَّكَ بِمَذْهَبِ السَّلَفِ وَاجْتَنَبَ مَا أَحْدَثَهُ الْخَلَفُ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْهُ بُدٌّ فَلْيَكْتَفِ مِنْهُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ وَيَجْعَلِ الْأَوَّلَ الْمَقْصُودَ بِالْأَصُولِ». ولما كان من حكمة الله البالغة أن يجعل للحق معارضين يتبين بمعارضتهم صواب الحق وظهوره على الباطل، فإنه خالص الذهب لا يظهر إلا بعرضه على النار. قيض الله جل وعلا بقدرته التامة وبرهانه القاطع من يدحض حجج المعارضين ويبين زيف شبههم. قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى في «خطبة كتاب الرد على الجهمية»: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي كُلِّ زَمَانٍ فَتْرَةٍ مِنْ الرُّسُلِ بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَدْعُونَ مَنْ ضَلَّ إِلَى الْهُدَى وَيَصْبِرُونَ مِنْهُمْ عَلَى الْأَذَى يُحْيُونَ بِكِتَابِ اللَّهِ الْمَوْتَى وَيُبَصِّرُونَ بِنُورِ اللَّهِ أَهْلَ الْعَمَى. فَكَمْ مِنْ قَتِيلٍ لِإِبْلِيسَ قَدْ أَحْيَوْهُ وَكَمْ مِنْ ضَالٍّ تَائِهِ هَدَوْهُ. فَمَا أَحْسَنَ أَثَارَهُمْ عَلَى النَّاسِ وَمَا أَقْبَحَ أَثَرَ النَّاسِ عَلَيْهِمْ. يَنْفُونَ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ وَالطَّاغِينَ. وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ وَفِي اللَّهِ وَفِي كِتَابِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ. يَتَكَلَّمُونَ بِالْمُتَشَابِهِ مِنْ الْكَلَامِ وَيَصْمُتُونَ عَنْ وَاضِحِ الْبَيَانِ. قَيَّضَ اللَّهُ مِنْ قَيَّضَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى لِنُصْرَةِ دِينِهِ وَالدِّفاعِ عَنْهُ بِاللِّسَانِ وَالْبَنَانِ وَالسِّنَانِ». شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية رضي الله عنه، المولود في حران يوم الاثنين العاشر من شهر ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة، المتوفى محبوسًا ظلمًا في قلعة دمشق ليلة الاثنين الموافق العشرين من شهر ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة. وسُلِّيَ عَلَيْهِ فِي الْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَلَمْ يَتِمَّ دَفْنُهُ لِكَثْرَةِ الزِّحَامِ إِلَّا قَبْلَ الْعِشَاءِ بِيَسِيرٍ. رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وجمع به معًا من أطاع الله في جنات ونعيم. ولقد كان له رحمه الله مؤلفات كثيرة في مجادلة أهل البدع ومجادلة أفهامهم، بين مطولة ومتوسطة وقصيرة، وحصل بذلك نفع كبير. قال ابن القيم رحمه الله تعالى في «النونية»: «إِذَا أَرَدْتَ تَرَوُّ مَصَارِعَ مَنْ خَلَا مِنْ أُمَّةِ التَّعْطِيلِ وَالْكُفْرَانِ إِلَى أَنْ قَالَ فَاقْرَأْ تَصَانِيفَ الْإِمَامِ حَقِيقَةً شَيْخِ الْوُجُودِ الْعَالِمِ الرَّبَّانِيِ أَعْنِي أَبَا الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ ذَلِكَ الْبَحْرُ الْمُحِيطُ بِسَائِرِ الْخِلْجَانِ وَاقْرَأْ كِتَابَ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ الَّذِي مَا فِي الْوُجُودِ لَهُ نَظِيرٌ ثَانِي وَكَذَلِكَ مِنْ هَاجٍ لَهُ فِي رَدِّهِ قَوْلَ الرَّوَافِضِ شِيَةِ الشَّيْطَانِ ثُمَّ ذَكَرَ عِدَّةً مِنْ كُتُبِهِ وَرِسَائِلِهِ وَقَوْلُهُ هِيَ فِي الْوَرَى مَبْثُوثَةٌ مَعْلُومَةٌ تُبْتَغَى بِالْغَالِ مِنَ الْأَثْمَانِ إِلَى قَوْلِهِ الْمَقَامَاتُ الشَّهِيرَةُ فِي الْوَرَى قَوَرَقَوْمَهَا لِلَّهِ وَغَيْرَ جَبَانِ نَصَرَ الْإِلَهَ وَدِينَهُ وَكِتَابَهُ وَرَسُولَهُ بِالسَّيْفِ وَالْبُرْهَانِ أَبَدًا فَضَائِحَهُمْ وَبَيَّنَ جَهْلَهُمْ وَأَرَاهُمْ نَاقِضَهُمْ بِكُلِّ زَمَانٍ إِلَى أَنْ قَالَ وَمِنَ الْعَجَائِبِ أَنَّهُ بِسِلَاحِهِمْ أَرْدَاهُمْ تَحْتَ الْحَضِيضِ الدَّانِي كَانَتْ نَوَاصِيهِمْ بِأَيْدِيهِمْ فَمَا مَنَّا لَهُمْ إِلَّا أَسِيرٌ عَانٍ فَقَدَتْ نَوَاصِيهِمْ بِأَيْدِينَا فَمَا يَلْقَوْنَنَا إِلَّا بِحَبْلٍ أَمَانٍ إِلَّا بِحَبْلٍ أَمَانٍ وَقَدَتْ مُلُوكُهُمْ مَمَالِيكًا لِأَنْصَارِ الرَّسُولِ بِمِنَّةِ الرَّحْمَانِ». وكان من جملة رسائل الشيخ رحمه الله رسالة تحكيك الإثبات للأسماء والصفات، وحقيقة الجمع بين القدر والشرع، المعرفة باسم التدمرية. ثم قال التدمرية: وظهر أن هذه الرسالة ضمن أجوبة أجاب بها الشيخ أهل تدمر. وكانت هذه الرسالة من أحسن وأجمع ما كتبه في موضوعها على اختصارها. ومن أجل قارئها مع زيادة ما تدعو الحاجة إليه، وحد فيما يمكن الاستغناء عنه على وجه لا يخل بالمقصود. وسميته «تقريب التدمرية». هذا التدمرية، وأسأل الله تعالى أن يجعل عمله خالصًا لوجهه، موافقًا لمرضاته، نافعًا لعباده، إنه جواد كريم. المؤلف رحمه الله هذه المقدمة كما نرى حوت مواضيع عدة، ويمكن اختصارها بخمسة: ما يتعلق بعظيم أثر السلف الصالح في حفظ الدين، مصداقًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». وقوله عليه الصلاة والسلام في أحاديث أخر كثيرة: «أصحابي أمان لأمتي، أنا أمان لأصحابي، وأصحابي أمان لأمتي». وفيه أن الشر يتدرج، فبموت النبي صلى الله عليه وسلم بدأ الشر في الصحابة، وبموت الخلفاء الراشدين بدأ الشر في آخر الصحابة، وفي الجيل الأول من