الخطبة بعنوان من مكائد الكفار على أهل الإسلام، وكانت بتاريخ 21 محرم 1433هـ . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل عداء الكفار واليهود والنصارى للمسلمين منذ بداية الدعوة الإسلامية، ويشرح الوسائل المختلفة التي يستخدمونها لمحاربة الإسلام وأهله. يحذر المسلمين من الوقوع في فخ أعدائهم والانسياق وراء مخططاتهم التي تهدف إلى إضعافهم وتسليط الكافرين عليهم.
يُحذر هذا الفصل من مكر الأعداء واستخدامهم لبعض المسلمين في إفساد دينهم، ويؤكد أن النصر الحقيقي يكون بالتمسك بالدين الصحيح والعلم النافع والعمل الصالح. يُبين أن الله تعالى تكفل بنصر من يتمسك بهداه وحبله.
يُبين هذا الفصل أن اليمن لعبت دورًا تاريخيًا في نصرة الإسلام، وأن أعداء الدين يحاولون إضعاف دورها الدعوي والعلمي. يُشدد على أهمية التمسك بالعلم والإيمان لتحقيق النصر والعزة.
يتضمن هذا الفصل دعاءً للمسلمين بتحقيق الخير لهم وتولي الصالحين عليهم، ودعاءً على الكافرين بالهلاك. كما يتضمن الصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور مُحدثاتُها، وكل مُحدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، يقول ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾، ويقول ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾، ويقول ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾، ويقول ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾، وغير ذلك من الآيات الكثيرة في كتاب الله جل وعلا. عباد الله، إن عداء الكفار جميعًا واليهود والنصارى خصوصًا معروف معلوم على تاريخ الأمم، خصوصًا مع هذه الأمة. فإن عداوتهم ظاهرة من لدن مبدأ هذه الدعوة الطيبة المباركة، دعوة أهل الإسلام التي بعث بها نبينا عليه الصلاة والسلام. فإن عداوتهم لم تزل من ذلكم اليوم إلى هذا اليوم، وهي متتابعةٌ مستمرة بكل معاني ووسائل العداء لهذه الأمة، لتمام علمها أنه إن كان أحد يغلبهم ويزيل أمرهم فإنه يكون من أمر هذه الأمة وأهل هذا الدين. ولذلك فهم يحاولون مجتهدين مجتمعين متكاثفين في محاربة هذا الدين وأهله بكل الوسائل وشتى الطرق ما أمكنهم ذلك وما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا. تارةً بالطرق الحسية، وأخرى بالطرق المعنوية. تارةً بقوة السيف والسنان، وقوة الجند والعتاد والنار والنيران، بما يكون من غزوهم ومن دمارهم ومحاربتهم. وتاريخ هؤلاء مع المسلمين ليس ببعيد. فمن اطلع على تاريخ هؤلاء وما فعلوه على مدى سنوات طويلة سابقة يعرف حقيقة حقد الكافرين وشدة نقمتهم على أهل هذا الدين. سواء ما كان مع الرعيل الأول من تلك الحروب العظيمة التي وقعت بين المسلمين وهؤلاء الكافرين، أو ما كان بعد ذلك حتى إلى زماننا هذا. فإننا نرى بأعيننا ونسمع بآذاننا من تلك المعالم ما هي برهانٌ ظاهر لكل من له معنى ومعرفة لهذا الدين، أن هؤلاء من أشد الأعداء لأهل هذا الدين. وتارةً بوسائل أخرى معنوية يكون بها محاربة هذا الدين وأهله، من بث الأفكار الهدامة وتلك الثقافات المنحرفة والأخلاق الساقطة التي يراد منها إدخال الوهن والضعف على أهل هذا الدين. سواءً ببث الشبهات والكفريات، أو كذلك غير ذلك مما يكون به إقصاء هذا الدين وإبعاد أهله عنه. ولذلك، عباد الله، وجب على المسلمين أن ينتبهوا تمام الانتباه من وسائل أعداء هذا الدين الكثيرة التي يراد منها إدخال الضعف والخور في أوساط المسلمين. ويكون بذلك تسلط أولئك الكافرين، وربما سميت بعض تلك الوسائل بمسميات هي في الحقيقة لا تخرجها عن كونها أنها من مكر أعداء هذا الدين على أهله. ولكن بعض ضعاف الأنفس الذين يؤثرون الدنيا الفانية على الآخرة الباقية ربما يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل، على حساب تسلط هؤلاء الكافرين على المؤمنين. فيتخذ بعض أولئك الكافرين بطانة، وقد نهانا ربنا جل وعلا أن نتخذهم بطانة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾. فيكون ذلك سببًا في إعانة الكافرين على مخططاتهم الماكرة التي يراد منها البطش بالمسلمين، بل وبهذا الدين. فربما كان من تلك الوسائل ما يكون فيه إثارة الفتن والشغب والفوضى في بلاد المسلمين. فإن من وسائل الكافرين، عباد الله، إن من وسائل الكافرين كذلك ووسائلهم كثيرة، والكثير منها خفي وبمكر دقيق يسير. إن من وسائلهم إثارة الفوضى والفتن في بلاد المسلمين، سواء بما قد يسمى بالمطالبة بالحريات، أو كذلك الإصراحات. ومن تأمل في حقيقة ذلك وجده أنه حقيقة لا ينفع أحدًا من المسلمين. فالمنتصر في تلك الخلافات والنزاعات مهزوم، وكذلك العالي فيها دنيء. وغير ذلك مما قد يظنه بعض الناس أنهم قد توصلوا به إلى نصر، وفي الحقيقة إنما خدموا أعداء هذا الدين فيما يريدون. ومن ذلك، عباد الله، إثارة الحروب الطائفية، وإثارة كذلك النزعات العرقية والعقدية. فتارة يجعلون أنهم يحاربون الإرهاب، وهم في الحقيقة يحاربون كل ما له صلة بالإسلام وأهله. مع أن الكثير من المسلمين بحمد الله تفطنوا وتفقهوا وعلموا من هم أهل الإرهاب حقيقة، ومن هم أعوانه. ولا أدل على ذلك، عباد الله، أن نجد أن أولئك المفسدين المخربين لا يجدون مأوى يأوون إليه إلا بلاد الكافرين. فرؤوس أهل التكفير تجدهم قد وجدوا لهم ملجأً ومأوى في تلك البلاد الكافرة. فإن كان هؤلاء كما يزعمون يحاربون الإرهاب، فلماذا يأوون رؤوس الإرهابيين ورؤوس المفسدين؟ إلا أن نعلم، عباد الله، أن وراء ذلك ما سبقت الإشارة إليه من عظيم مكرهم وإفسادهم بهذه الأمة. حتى أنهم ربما استخدموا بعض هؤلاء في محاربة الإسلام وأهله. حتى أنهم ربما يعينونهم بالسلاح والعتاد الذي يكون به إفساد أحوال المسلمين والتخريب على المسلمين وإيجاد الضرر فيهم. وهكذا كذلك تدور الأيام، وتمر الليالي، وإذا بنا نسمع أنهم يعينون ويدافعون عن بعض أهل البدع والأهواء الذين يعينونهم كذلك في محاربة الإسلام وأهله، كالرافضة وغيرهم من أهل الضلال الذين ربما تارة يزعمون أنهم أعداء لهم، وحقيقة هم ينصرونهم ويناصرونهم ويستخدمونهم في محاربة الإسلام وأهله. لأنهم يعلمون تمام العلم أن الإسلام لا ينصر بمثل هؤلاء. ولكن هؤلاء يستخدمون في التخريب على المسلمين وإفساد ذات بينهم وإيجاد الشر الذي يكون به إضعاف قوة المسلمين. فالحذر الحذر، عباد الله، من تلك الوسائل الخفية الماكرة. ولنعلم أن أعداءنا بالأمس هم أعداؤنا في اليوم، ولا يمكن أن يكون عدوك الذي يمكر بك من قديم الزمان يومًا من الأيام لك عونًا ونصيرًا. بل إنه لن يكون إلا ماكرًا بك، خبيرًا بحالك، حريصًا على إدخال الوهن والضعف والهزيمة على الإسلام والمسلمين. ولكن، عباد الله، يمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين. الله جل وعلا يدير بهم الدوائر. فمهما مكروا ومهما حرصوا، فإن الغلبة بإذن الله تعالى لأهل هذا الدين. ولكن المقصود من ذلك، عباد الله، أن يكون أهل الإسلام جميعًا شيئًا واحدًا، يرجعون إلى ثوابت هذا الدين المعلومة، يرجعون إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى ما كان عليه السلف الصالح. فبذلك يجتمعون، وبذلك تكون قوتهم، وبذلك تكون وحدتهم. لا تكون قوتهم ووحدتهم بتلك الأفكار المشرقة والمغربة، ولو صبغت بصبغات إسلامية. والإسلام منها براء. فإن ذلك مما زرعه أعداء هذا الدين ليفرقوا أهل هذا الدين. فليس عندنا اشتراكية إسلام، ولا ديمقراطية إسلامية، ولا غير ذلك من المسميات التي تضف الصبغات الإسلامية على الدعوات والأفكار المنحرفة الهدامة. بل نريدها إسلامية صافية صحيحة، مأخوذة من كتاب الله، ومردودة إلى كتاب الله، مأخوذة من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومردودة إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. لا شرقية ولا غربية، ولكنها حنيفية إسلامية صافية سلفية، بمعناها الصحيح، من اتباع السلف الصالح الرعيل الأول الذين رضي الله عنهم من فوق سبع سماوات، عقيدةً وعبادةً وأخلاقًا وسلوكًا ومعاملةً ومنهاجًا. وبذلك ينصرون. الله جل وعلا يعلي كلمتنا ويجمعها. فإنها لا تجتمع على غير ذلك. ورضي الله عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إذ يقول: «إن الله عزنا بهذا الدين، فمتى ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله». فمن أراد العزة، فالعزة لله ولرسوله وللمؤمنين. العزة لمن تمسك بهذا الصراط المستقيم. فمن تمسك به عزه الله. ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾. أسأل الله عز وجل أن يصلح أحوالنا، ويعز أمر أهل هذا الدين، وأن يجعلهم ظاهرين على غيرهم من الكافرين. إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، عباد الله، يقول ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾. فإن الله جل وعلا أخبرنا في كتابه الكريم، في آياتٍ عديدة، أن هؤلاء الكافرين حريصون غاية الحرص على إطفاء نور الله، ويبذلون غاية جهدهم وفارغ استطاعتهم في ذلك. ولكن الله جل وعلا قد تكفل برد ذلك. وأنه سبحانه وتعالى قد تكفل لمن تمسك بهداه وحبله أن ينصرهم عليهم. ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾. وكفى بالله شهيدًا أي على هذا النصر وهذا التأييد. وفي الآية الأخرى: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾. فإن الله جل وعلا تكفل بهذا النصر، لكن بشروطه، ومن أعظم أسبابه ما ذكر في هذه الآية: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾، ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾. فإن من أعظم أسباب النصر على الكافرين أن يكون بالهدى، أي العلم النافع، ودين الحق، أي العمل الصالح. فبالعلم النافع والعمل الصالح، عباد الله، يكون النصر لأهل هذا الدين. فلذلك كان الظهور، ولا يزال لأهل هذا الدين بهذا المعنى، ظهور الحجة والبرهان، ظهور العلم والإيمان. فإن الله جل وعلا جعله ظاهرا، ويكون كذلك إلى قيام الساعة. وقد ثبت في الصحيح من حديث تميم الداري رضي الله عنه أن الله عز وجل يعز هذا الدين، حتى أنه ما يبقى بيت مدر ولا حجر إلا دخله هذا الدين، بعز عزيز وذل ذليل. عزًا يُعِز الله به الإسلام وأهله، وذلًا يُذِل الله به أهل الكفر، يُذِل المشركين وأهله. رواه الإمام أحمد في مسنده، وأصله في الصحيح عن تميم رضي الله عنه وأرضاه. وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه رأى مشارق الشمس ومغاربها، وأنه أُخبر أن دعوتك ستبلغ ما زوي له منها. وها نحن نرى آثار انتشار الإسلام بقوة العلم والإيمان والحجة والبرهان، ما يُغيظ أعداء هذا الدين. فإنهم عجزوا أن يردوا ذلك. وبه نعلم، عباد الله، أننا بهذا خاصة أقوياء على أعدائنا. فهم علموا أن السيف والسنان ربما عليه قادرون، وأن الحرب وقوة النار ربما عليه قادرون. ولكنهم قد عجزوا أن يردوا قوة العلم والإيمان، وأن يحجزوا أمره في بلاد الإسلام. فانتشر هذا الدين مشرقًا ومغربًا، حتى بلغ ما بلغ الليل والنهار. فلا يكاد بلد من بلاد الكافرين، فضلًا عن غيرها، إلا وقد دخله صوت الإسلام ودين الإسلام. فتجد فيه من يقول: لا إله إلا الله، يشهد بأن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. فإذا علمنا ذلك، علمنا أن أعظم مكر أعدائنا في هذا الباب أن يصرفوا أهل هذا الدين عن هذا العلم الذي بعث به نبينا عليه الصلاة والسلام، والذي به قوتهم، والذي به صار كذلك ظهورهم في هذا الزمان. وأعظم من ذلك، عباد الله، أن نعلم أنهم متغيظون جدًا من بلادنا هذه اليمنية التي أثنى عليها نبينا عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة. فقد صح عنه عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة في الصحيحين قوله عليه الصلاة والسلام: «الإيمان يمان، والحكمة يمانية، والفقه يمان». وفي زيادة يحسنها جماعة من أهل العلم عند أحمد وغيره، قال: «وإني لأجد نفس ربكم من قبل أهل اليمن». فسره العلماء أن نصر هذا الدين على مر الزمان يكون من قبل أهل اليمن. ومن تأمل تاريخ أهل اليمن وجدهم أنهم أنصار الله، وأنصار جند الله، وأنصار دين الله على مر التاريخ. فالمهاجرون والأنصار فيهم الكثير من أهل اليمن. بل الأنصار خاصة الذين فيهم الأوس والخزرج، فأصولهم من أهل اليمن. وما جاء الله بعد ذلك ببعض أهل اليمن من أهل الهجرة الأولى وأهل الهجرة الثانية، كالأشعريين وغيرهم، نصر الله عز وجل بهم الدين. وفي عهد الخلفاء بعده عليه الصلاة والسلام، لا يزال نصر هذا الدين من قبل أهل اليمن. ينصر الله عز وجل به الإسلام والمسلمين في عهد أبي بكر في حروب الردة، وهكذا في عهد عمر رضي الله عنه، وتلك الفتوحات الإسلامية. وفي عهد عثمان، وما شرق فيه وغرب، حتى فتح للإسلام ما لم يفتح لغيره. وبعد ذلك في عهد علي رضي الله عنه، وبعده في الدولة العباسية الأولى والثانية، والدولة الأموية قبل ذلك، وحتى زماننا هذا. فإنك إذا تأملت إلى معاقل العلم ودورها في بلادنا اليمنية، لا تكاد ترى لها نظيرًا في الدنيا كلها. فقد أخرجت الحفاظ والقراء والدعاة والعلماء، فنفع الله بهم في مشارق الأرض ومغاربها. فلا تكاد تجد بلدًا من البلاد إلا وفيه أحد أولئك القراء أو الحفاظ أو الدعاة أو العلماء. فقد صدر اليمنيون العلماء والدعاة، خصوصًا في هذا الزمان، وفي هذه السنوات الأخيرة، بعد دعوة شيخنا الإمام المجدد رحمه الله مقبل بن هادي الوادعي، الذي جدد الله به أمر الدين والسنة في هذه البلاد اليمنية. وقد سبقه العلماء كثر، جدد الله بهم هذه الدعوة في هذه البلاد، كالإمام الشوكاني، والصنعاني، وابن الوزير، وغيرهم. فها نحن نرى آثار هذه الدعوة المباركة حتى صارت دورًا في مشارق الأرض ومغاربها، في بلاد أندونيسيا وشرق آسيا، وفي بلاد أوروبا وأمريكا وغير ذلك. فإنك لا تجد بلدًا من تلك البلاد إلا وفيها من طلاب هذه المراكز والدور، ومن المستفيدين منها مباشرةً أو بواسطة. ما يغيظ أعداء هذا الدين. فلذلك، عباد الله، حرص أعداء هذا الدين على المكر بهذه الدعوة المباركة، وإيجاد ما يكون به ضعفها ووهنها. ومن ذلك هذا الذي نسمعه من تصليط بعض أهل الأهواء، كالرافضة وغيرهم، على أهل السنة. فإنهم يريدون بذلك إطفاء نور الله، والله متم نوره ولو كره الكافرون. فننتبه هنا لأمرين: الأمر الأول أن قوة أهل السنة والجماعة هي من قوة أهل الإسلام، وأن ضعفها من ضعف أهل الإسلام. ليس في اليمن فقط، بل في الدنيا عامة. لأن الله عز وجل نصر بهم الدين في مشارق الأرض ومغاربها. ولا أدل على ذلك تلك المساجد في البلاد القريبة والبعيدة التي صُدِّر إليها من القراء والحفاظ والدعاة والعلماء، ما كان قرة عين كل مسلم، فضلًا عن من عرف حقيقة السنة وأهميتها. والأمر الآخر أن لا تصرفنا هذه الفتن عن حقيقة عزنا ونصرنا وقوتنا، فننقلب من دعاة علم وتعليم إلى دعاة حرب وقتال. فإن ذلك مقصود الأعداء أن يشغلوا أهل هذه الدعوة المباركة والمسلمين عامة بالحروب والفتن والقتال، لعلمهم أنهم بذلك ينتصرون، وأنهم بقوة العلم والإيمان يهزمون. فهم حريصون على صرفنا وعلى جرنا من طريق العلم إلى غيره، فلا نتخذ لما به عزتنا ونصرنا سبيلًا، ولا بديلًا، ولا غيره من السبل. بل نحرص على ذلك غاية الحرص. فبذلك عزنا ونصرنا وقوتنا، وبذلك غلبتنا على أعدائنا. أسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يعز الإسلام والمسلمين، وأن يذل الشرك والمشركين، وأن يجعل الدائرة على الكافرين. اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان، وأصلح أحوال المسلمين في اليمن خاصة. اللهم انصر إخواننا المسلمين في كل مكان، وانصر إخواننا في دماج خاصة. اللهم أصلح حالنا وأحوال المسلمين، وأعز الإسلام والمسلمين. اللهم ولي على المسلمين خيارهم، ولا تولي عليهم شرارهم. اللهم واجعل الدائرة على الكافرين ومن معهم، يا رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.