خطبة جمعة أحكام الحج

الدرس في خطبة جمعة أحكام الحج، خطبة جمعة أحكام الحج 7 ذو القعدة 1426هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

فضل الحج وأهميته

يتناول فضل الحج وأهميته في الإسلام، ويشير إلى أنه من أركان الدين الخمسة وسبب لتكفير الذنوب. كما يشجع على التهيؤ للحج لمن استطاع إليه سبيلًا.

أحكام الحج والإحرام وتعلم مناسكهما

يؤكد على أهمية تعلم أحكام الحج والإحرام قبل أداء الفريضة، ويعدد بعض محظورات الإحرام. كما يحث على طلب العلم لضمان أداء العبادة بشكل صحيح.

تحريم المدينة وآداب زيارتها

يشرح تحريم المدينة المنورة وحرمة بعض الأفعال فيها، ويوضح كيفية زيارة مسجد رسول الله وقبره بشكل صحيح وفق السنة النبوية. كما يحذر من ابتداع أفعال غير مشروعة.

الدعاء والثناء على الله تعالى

يتضمن دعاء لله تعالى بالتوفيق والابتعاد عن ما يبغضه، ويعبر عن الثناء على الله وحمده.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إن الحمد لله، نحمد الله تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئة أعمالنا. من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن الله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. يخلق ربنا جل وعلا ما يشاء ويختار، سبحانه ما يشاء. خلق ما شاء سبحانه من خلقه جل وعلا، ولم يشاركه بذلك أحد، سبحانه وتعالى. وكذلك عباد الله اختار ما شاء من أحكامه، لا يشاركه بذلك الأحكام أحد جل وعلا. إن الله جل وعلا اختار لعباده سبحانه ما شاء من أحكام هذا الدين مما يصلح به العباد والبلاد، ويقوم فيه الخير العاجل والآجل لهم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. فمن حكمته سبحانه وتعالى بعباده أن جعل لهم جل وعلا عددًا من الفرائض والطاعات والواجبات والمستحبات تتوالى على عباده، فيكون بذلك صلاحهم في عاجلهم وآجلهم. كما قال جل وعلا: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾. وبهذا، عباد الله، تمر مواسم الخيرات على عباد الله جل وعلا، موسمًا بعد موسم، وطاعة بعد طاعة، وعبادة بعد عبادة، فيكون بذلك تزكية النفوس وإخراج ما فيها من درن، وتكفير للذنوب والخطايا، ومحق للسيئات، ورفع للدرجات، واستكثار للحسنات. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. عباد الله، إننا في أيام قريبة آتية أمام موسم عظيم من مواسم الطاعات، إنه موسم حج بيت الله الحرام. وقد وفق الله جل وعلا من وفق للتهيؤ للذهاب إلى هذه الفريضة العظيمة التي جعل الله جل وعلا سببًا لتكفير الذنوب والخطايا ورفع الدرجات. ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه». وبالصحيحين أيضًا عنه رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة». وعند أحمد والترمذي وغيرهما من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه بإسناد حسن، وبمعناه عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «تابِعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد». ثانيًا، لمن وفقه الله جل وعلا للوصول إلى هذه الفريضة العظيمة والاكثار من المتابعة فيها، فإنها من مراسم الخيرات التي ينبغي للمسلم أن يلازمها، بل يجب على المسلم أن يحج إليها إن كان مستطيعًا، وإلا فقد نقص ركن من أركان الإسلام. فجاء بالصحيح من حديث جابر رضي الله تعالى عنه أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعلم الناس أمور دينهم، فسأله عن الإسلام، فقال: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا». فبين عليه الصلاة والسلام أن هذه الخمسة هي أركان الدين، فمن أقامها أقام دينه، ومن لم يقمها لم يقم دينه. وهكذا جاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال -كما في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر-: «بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان». وثبت بالصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قام بالناس خطيبًا فقال: «إن الله كتب عليكم الحج فحجوا». فقام رجل وقال: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت عليه الصلاة والسلام حتى كررها ثلاثًا، فقال: «لو قلت نعم لوجبت، ثم قال: ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه». فمن وفقه الله جل وعلا فليحمد الله وليستعن بالله وليتزود بزاد التقوى قبل زاد الراحلة والمال، وليتزود بزاد العلم والتفقه في الدين قبل أن يتزود بغيره من الزاد الآخر. ومن لم يوفقه الله جل وعلا في هذا العام فليصدق مع الله جل وعلا وليعزم النية على أن يحج إلى بيت الله جل وعلا الحرام، فإنه يكتب له الأجر. وفي الصحيح من حديث جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن أقوام، ما سرتم مسيرًا ولا واديتم واديًا إلا كتب لكم مثل ما كتب لمن حج معكم». فأنت يا عبد الله، يا من تشوقت إلى بلد الله الحرام وحج بيته سبحانه، تشوقت إلى ذلك ورغبت إلى ذلك فلم يتيسر لك، إنك بحسن نيتك وصدق عزيمتك يكتب لك من الأجر بمثل ما كتب لأولئك الذين وفقوا إلى حج بيت الله الحرام. كما في هذا الحديث، وقد ذكر العلماء استنباطًا من هذا الحديث أنه يكتب لصاحب النية الحسنة والعذر الصادق ما يكتب للعامل، إن كان قد منع صاحب ذلك من نية أو عذر. ويؤيد ذلك، عباد الله، ما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن رجلًا تمنى أن ينفق مالًا في الخير، فقال: «لو أن لي مثل مالي فلان فأقضي به مثل ما قضى». قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «فهما في الأجر سواء». فلا يفوتنك يا عبد الله أجر النية وصدق العزيمة، إذ وُفقت لأجر العمل والتوفق له. وفضل الله جل وعلا واسع. وإن مما ينصح به في هذا المقام أول ما يذكر به أنه ينبغي على من عزم إلى حج بيت الله الحرام أن يحرص على أن يتزود بخير الزاد، وهو التقوى، فينض بطنه مع الله جل وعلا في نيته، لا يريد بذلك إلا وجه الله، يخلص لله جل وعلا في حج بيت الله الحرام. ثم كذلك يحرص على بعض الطاعات واجتناب المعاصي والسيئات. فقد سمعتم بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه». ومفهومه أنه من فعل ما ينافي ذلك من الفسق أو الرفث أو المعاصي فإنه لا يرجع كيوم ولدته أمه. وهكذا في الحديث الآخر: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة». ومفهومه أن من لم يكن حجه مبرورًا فإنه لا يكون جزاؤه الجنة. والحج المبرور هو الحج الذي ليس فيه معصية وفيه طاعة. وهكذا كذلك يا عبد الله، يا من حرصت وسعيت وبدلت الكثير للوصول إلى البلد الحرام، اعلم أن ذلك لا يكفيك فيما يقرب إلى الله جل وعلا حتى تؤدي هذه العبادة على الوجه الذي أراد الله سبحانه وتعالى. ففي الصحيح من حديث جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «خذوا عني مناسككم». أمر عليه الصلاة والسلام أن تأخذ المناسك عنه، ليست بالهوى ولا بالعاطفة ولا بالرأي ولا كذلك بالاستحسان، ولكن بالاتباع والانقياد لسنة النبي عليه الصلاة والسلام. ولهذا كان لزامًا عليك أن تتعلم أحكام الحج وتسأل عن فرائضها وشروطها وأركانها واجباتها، بما يجعلك تؤدي هذه الفريضة على أكمل وجه أراد الله جل وعلا منك. فدفر بذلك يا عبد الله، إما بدلت من مال وبدلت من جهد فوضعته في موضعه الذي يكتب لك به الأجر. فما أضر من يحج إلى بيت الله الحرام وهجه فاسد أو باطل لا يقبل منه. ومما ينقل عن العلماء أهمية العلم في ديننا وأنه قبل القول والعمل. قال البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه: «باب العلم قبل القول والعمل». وقول الله جل وعلا: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾. ومعنى ذلك أن المسلم قبل أن يعمل أي عمل من أعمال الدين عليه أولًا أن يتعلم كيف يعمل هذا العمل حتى يعمله على الوجه الصحيح الذي أراده الله جل وعلا لك. فلذلك يا عبد الله احرص على شراء الكتب التي تفقهك في دين الله جل وعلا في أمر هذه الفريضة، واغتنم الأشرطة التي تستمع بها أحكام هذه الفريضة، وسؤال أهل العلم عن كل عمل تعمله حتى تصل إلى هذه العبادة وأنت تحسنها وتجيد عملها وتميز الصحيح والفاسد منها. وما أكثر الناس الذين لا يعلمون ذلك. عباد الله، ومما يصح به كذلك في هذا المقام أنه يجب عليك كما أنك تتعلم أحكام الحج والعمرة، كذلك عليك أن تتعلم أحكام الإحرام. فإن للإحرام أحكامًا لا بد أن تعرفها وأن تسأل عنها، فإنه قد يخفى في ديننا في كتاب الله وبصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وعلاه وسلم أحكامًا للمحرم بالحج والعمرة. فمن هذه المحظورات أن المحرم يجتنب ما كان من الثياب مخيطًا، أي يكيف ويهيأ على جسده، لا يلبس القميص ولا العمامة ولا البرانس ولا السراويل، لا الطويل ولا القصير. وكذلك لا يلبس الخفاف. وآخر لا يمس طيبًا ولا وردًا ولا زعفران ولا أي شيء من أنواع الطيب، فقد نهى النبي صلى الله عليه وعلاه وسلم عن ذلك كله. وهكذا كذلك ينبغي على هذا المحرم أن يعلم أن من محظورات الإحرام ألا ينكح ولا يزوج كما في حديث عثمان رضي الله تعالى عنه. ومن ذلك أنه يجتنب النساء، فلا يقرب النساء ما دام محرمًا. وهكذا المرأة فإن عليها محظورات، ومن ذلك بعض ما ذكر، إلا أنه قُف عنها في الثياب لحاجتها وضرورة تسترها، فإنها تلبس ما تشاء، غير أنها لا تنتقب، أي لا تشد النقاب على وجهها، ولكنها تستر هذا الوجه بما يخرج من فوق الرأس، كما جاء في حديث عائشة وأسماء رضي الله عنهما. وكذلك لا تلبس القفازين، ولكن تستر اليدين تحت جلبابها وشرابها وما كان بمعناه مما تستر به المرأة المسلمة. فإذا علمت ذلك، علمت يا عبد الله أنك بحاجة ماسة لمعرفة أحكام الحج وأحكام الإحرام، بما تؤدي به هذه العبادة على الوجه الذي أراده الله جل وعلا منك. نسأل الله جل وعلا أن يبصرنا بنور شرعه، ويبصرنا بنور ديننا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الصادق الأمين. أما بعد، عباد الله، وإن مما ينبغي أن ينتبه له أنه كذلك قد يخفى كذلك للبلد الحرام أحكامًا. فإن مكة حرسها الله من كل سوء ومكروه، بلد الله الحرام وبلده المعظم، ويأم القرى، فيها من الفضائل الشيء الكثير، وفيها من المزايا والخصائص الشيء الكثير. ولذلك فإن الله جل وعلا حرمها، كما أخبر بدعاء إبراهيم عليه السلام، فلا يصاد صيدها، ولا ينفر، ولا يقطع شجرها، ولا يُعتب. وكذلك لا تلتقط لقطتها إلا لمعرف، كما أنه لا تلتقط لقطة الحاج مطلقًا، فكذلك لا تلتقط لقطة الحرم أبدًا إلا لمن أراد أن يعرفها. كذلك يا عبد الله، واعلم أن الله عز وجل قد خص البيت الحرام بمزيد من هذه الأحكام. ومن ذلك يا عبد الله أن الله جل وعلا خصها بحفظها وصيانتها، وتوعد من أراد الشر فيها، ليس فقط بمن عمل السيئة فيها، بل وكذلك لمن هم بها وسعى إليها ولم يوقق إليها. قال الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. قال العلماء: في هذه الآية جليل على أن من أراد أن يعصي الله جل وعلا هم بذلك وسعى، فإنه تكتب له سيئة، وسيئة عظيمة، ليس كغيرها من السيئات، ولو لم يعملها. وهكذا كذلك يا عبد الله، إذا علمت ذلك، فاعلم أن نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم حرم المدينة كما حرم إبراهيم عليه السلام مكة. فبالصحيحين من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة كما حرمها إبراهيم». أي جعل لها أحكامًا من أحكام الحرمة. ومن ذلك لا يعضد شجرها، ولا يقطع، كما أخبر بذلك النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة. وذلك، عباد الله، من حكمته إدخال الأمن والأمان على بلد الله الحرام، إدخال الأمن والأمان على البلد الحرام. ومن ذلك كذلك تعظيم هذه البقاع بأنها بقاع جعلت لعبادة الله جل وعلا، يتوجه الناس فيها لعبادة الله سبحانه. وهكذا كذلك اعلم يا عبد الله أنك قد أمرت بعبادة الله جل وعلا كما أراد الله جل وعلا منك، فلا تعمل من الأعمال إلا ما علمت أنه مشروع في ديننا، وما لم يكن مشروعًا فلا تقلب به الناس. فما أكثر بلي الجاهلين من الأقوال والأعمال، وتخصيص بعض البقاع بعض البقاع في بلد الله الحرام، سواء في مكة أو في المدينة، مما لم يشرعه الله جل وعلا. وإنما شرع لك يا عبد الله أن تزور البيت الحرام، وتصلي فيه بمئة ألف صلاة. وكذلك أن تذهب إلى الحين شرع لك من أمر مناسك الحج، كالذهاب إلى منى وعرفة ومزدلفة ورمي الجمار، وما كان بمعناه مما تعلق به أعمال الحج. ولم يشرع لك تخصيص زيارة بعض الجبال أو كذلك تخصيص زيارة بعض المساجد مما لم يثبت تخصيص زيارتها. بل ذلك، عباد الله، على القول الصحيح من أقوال أهل العلم أنه من البدع والمحدثات. فإن فيه أولًا، عباد الله، تعلق القلوب بغير ما تعلق به، وما لم يجعله الله جل وعلا مشروعًا. وفيه كذلك إضاعة للأموال وإضاعة للأوقات. وفيه كذلك نشر للبدع والمحدثات. فما أكثر الناس الذين يحدثون البدع والمحدثات في تلك البقاع. فمنهم من يخصها بالصيام، ومنهم من يخصها بالصدقة، ومنهم من يخصها بوضع أو غير ذلك مما لم يشرعه الله جل وعلا. وأعظم من ذلك يا عبد الله، أعظم من ذلك أن تذهب إلى بعض الأماكن تظن أنك تملك بذلك أو تجلب لنفسك بذلك نفعًا أو ضُرًا. فإن ذلك من الأمور الشركية التي يجب أن تحذرها. بل يجب عليك كذلك أن تجتنب التبرك ببعض البقاع، ولو قيل لك: هذا بيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو موضع بيته، أو هذا موضع مولده، أو هذا موضع كذا وكذا. فإنه وإن كان فلا يعني ذلك التبرك بتلك البقاع. فقد قال عمر رضي الله تعالى عنه أرضاه: حين رأى أقوامًا يتزاحمون في بعض الطريق، قال: ما شأن هؤلاء؟ قالوا: يزعمون أو يأتوا إلى مكان يذكرون أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلى به. فقال رضي الله عنه أرضاه: «إنما أهلك من كان قبلكم اتباعهم لآثار أنبيائهم». فاتباع آثار الأنبياء، عباد الله، إنه كان من سنة الجاهلية الأولى، وبه ضلت اليهود والنصارى، فإنهم اتبعوا آثار الأنبياء حتى عبدوا غير الله جل وعلا، وعظموا ما لم يعظمه الله سبحانه. وكذلك إذا ذهبت إلى المدينة، فإنك تأتي مسجد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتبدأ بالزيارة زيارة مسجد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم تدخل تزور قبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، تسلم عليه وتدعو الله جل وعلا لصاحبه، كما علمت بذلك. لا تدعوه هو، فهو بشر، وإن كان نبيًا من الأنبياء، فإنه لا يدعى، ولكن الذي يدعى هو الله جل وعلا وحده. وأما استغفار النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو بحياته، وأما بعد مماته فإنه لا يعلم من الغيب إلا ما أعلمه الله. وأخبر عليه الصلاة والسلام أن الله يرد عليه روحه ليسلم على من سلم عليه، لا شيء غير ذلك، كما صح بذلك الحديث عنه عليه الصلاة والسلام. وهكذا ممن يشرع زيارته في المدينة كذلك زيارة مسجد قباء، وقد كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يزوره كل أسبوع، كما صح بذلك عن عبد الله بن عمر عنه عليه الصلاة والسلام. وكذلك يشرع للرجال زيارة قبور الصحابة بالتسليم عليهم والدعاء لهم، كما أمرنا بذلك. ومن ذلك زيارة أهل البقيع وزيارة كذلك أهل بدر، وغيرها مما شرع على هذا الوجه لا زيادة عليه. وأما ما يسمى بالمساجد السبعة، أو مسجد عائشة، أو مسجد الجن، أو مسجد القبلتين، أو غير ذلك مما يعتبر عند كثير من الناس من مناسك الزيارة، فمن البدع والمحدثات التي لم تشرع بكتاب ولا في السنة، ولا صح عن أحد من الصحابة، ولا نقل عن أحد من الأمة. بل هو مما أحدثه الجهال وتناقله العامة، ولم يثبت بذلك حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا قول راجح عن أحد من الأمة. فاحذر يا عبد الله أن تتعبد الله بما لم يشرعه الله، وما ليس من دين الله. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». بل قال عليه الصلاة والسلام: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». بل قال عليه الصلاة والسلام: «فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار». أسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، وأن يجنبنا ما يبغض ويأبى، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين.