الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 57، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يذكر الشيخ أسباب ضلال النصارى وهي ألفاظ متشابهة مجملة مشكلة منقولة عن الأنبياء وخوارق ظنوها آيات وأخبار منقولة ظنوها صدقا. هذه الأسباب أدت إلى تأويلهم الخاطئ للمعجزات والآيات.
يشرح المقطع كيف يضل الشيطان الناس بتقمص صور الأشخاص والأنبياء، وأن خوارق العادات ليست دليلاً على الكرامة الحقيقية بل قد تكون من فعل الشياطين. هذا يؤدي إلى انخداع الناس بهذه الخوارق.
يشرح كيف يمكن للسحرة أن يخدعوا الناس بالخوارق الكاذبة، وأن هذه ليست دليلاً على الحق بل قد تكون دليلاً على الكذب. ينبه إلى ضرورة التمييز بين الحق والباطل في الخوارق.
يشير إلى مبدأ الجزاء من جنس العمل، حيث يتم الاكتفاء بالإشارة إلى هذا المبدأ. هذا المبدأ يشير إلى أن الجزاء يكون مطابقاً للعمل.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال الشيخ: والسلام عليكم ورحمة الله. كتابي «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح». فصل. ومما ينبغي أن يعلم أن سبب ضلال النصارى وأمثالهم من الغالية، كغالية العباد والشيعة وغيرهم، ثلاثة أشياء. أحدها: ألفاظ متشابهة مجملة مشكلة منقولة عن الأنبياء، وعدلوا عن الألفاظ الصريحة المحكمة وتمسكوا بها. وهم كلما سمعوا لفظا لهم فيه شبهة تمسكوا به وحملوه على مذهبهم، وإن لم يكن دليلا على ذلك. والألفاظ الصريحة المخالفة لذلك إما أن يفوضوها وإما أن يتأولوها، كما يصنع أهل الضلال يتبعون المتشابه من الأدلة العقلية والسمعية، ويعدلون عن المحكم الصريح من القسمين. والثاني: خوارق ظنوها آيات وهي من أحوال الشياطين. وهذا مما ضل به كثير من الضالين المشركين وغيرهم، مثل دخول الشياطين في الأصنام وتكليمها للناس، ومثل إخبار الشياطين للكهان بأمور غائبة، ولا بد لهم مع ذلك من كذب. ومثل صرفات تقع من الشياطين. والثالث: أخبار منقولة إليهم ظنوها صدقا وهي كذب. وإلا فليس مع النصارى ولا غيرهم من أهل الضلال على باطلهم لا معقول صريح ولا منقول صحيح ولا آية من آيات الأنبياء. بل إن تكلموا بمعقول تكلموا بألفاظ متشابهة مجملة، فإذا استفسروا عن معاني تلك الكلمات وفرق بين حقها وباطلها تبين ما فيها من التلبيس والاشتباه. وإن تكلموا بمنقول فإما أن يكون صحيحا لكن لا يدل على باطلهم، وإما أن يكون غير صحيح ثابت بل مكذوب. وكذلك ما يذكرونه من خوارق العادات إما أن يكون صحيحا قد ظهر على يد نبي كمعجزات المسيح ومن قبله كإلياس واليسع وغيرهما من الأنبياء، وكمعجزات موسى ﷺ. فهذه حق. إما أن تكون قد ظهرت على يد بعض الصالحين كالحواريين. وذلك لا يستلزم أن يكونوا معصومين كالأنبياء، فإن الأنبياء معصومون فيما يبلغونه، لا يتصور أن يقولوا على الله إلا الحق، ولا يستقر في كلامهم باطل لا عمدا ولا خطأ. وأما الصالحون فقد يغلط أحدهم ويخطئ مع ظهور الخوارق على يديه، وذلك لا يخرجه عن كونه رجلا صالحا، ولا يوجب أن يكون معصوما إذا كان هو لم يدع العصمة ولم يأت بالآيات الدالة على ذلك. ولو ادعى العصمة وليس بنبي لكان كاذبا لا بد أن يظهر كذبه وتقترن به الشياطين فتضله. ويدخل في قوله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾. والنصارى عندهم منقول في الأناجيل أن الذي صلب ودفن في القبر رآه بعض الحواريين وغيرهم بعد أن دفن قام من قبره. رأوه مرتين أو ثلاثا، وأراهم موضع المسامير وقال: «لا تظنوا أني شيطان». وهذا إذا كان صحيحا فذاك شيطان ادعى أنه المسيح والتبس على أولئك. ومثل هذا قد جرى لخلق عظيم في زماننا وقبل زماننا. كناس كانوا بتدمر فرأوا شخصا عظيما طائرا في الهواء، وظهر لهم مرات بأنواع من لباس، وقال لهم: «إن المسيح من مريم». وأمرهم بأمور يمتنع أن يأمر بها المسيح عليه السلام. وحضروا إلى عند الناس وبينوا لهم أن ذلك هو شيطان أراد أن يضلهم. وآخرون يأتي أحدهم إلى قبر من يعظمه ويحسن به الظن من الصالحين وغيرهم، فتارة يرى القبر قد انشق وخرج منه إنسان على صورة ذلك الرجل، وتارة يرى ذلك الإنسان قد دخل في القبر، وتارة يراه إما راكبا وإما ماشيا داخلا إلى مكان ذلك الميت كالقبة المعمورة على القبر، وتارة يراه خارجا من ذلك المكان. ويظن أن ذلك هو ذلك الرجل الصالح. وقد يظن أن قوما استغاثوا به فذهب إليهم، ويكون ذلك شيطانا تصور بصورته. وهذا جرى لغير واحد ممن أعرفهم. وتارة يستغيث أقوام بشخص يحسنون به الظن إما ميت وإما غائب، فيرونه بعيونهم قد جاء، وقد يكلمهم، وقد يقضي بعض حاجتهم، فيظنونه ذلك الشخص الميت. وإنما هو شيطان زعم أنه وليس هو إياه. وكثيرا ما يأتي الشخص بعد الموت في صورة الميت فيحدثهم ويقضي ديونا، ويرد ودائع، ويخبرهم عن الموت، ويظنون أنه والميت نفسه قد جاء إليهم. وإنما هو شيطان تصور بصورته. وهذا كثير جدا، ناسيا في بلاد الشرك كبلاد الهند ونحوها. ومن هؤلاء من تراه أنت تحت سريره آخذ بيد ابنه في الجنازة. ومنهم من يقول: «إذا مت فلا تدع أحدا يغسلني، فإني آتي من هذه الناحية وأغسل نفسي». فيأتي بعد الموت شخص في الهواء على صورته يغسله هو والذي أوصاه، ويظن ذلك أنه جاء. وإنما هو شيطان تصور بصورته. وتارة يرى أحدهم شخصا إما طائرا في الهواء وإما عظيم الخلقة، وإما أن يخبره بأشياء غائبة ونحو ذلك، ويقول: «هذا الخبر». ويكون ذلك شيطانا كذب على ذلك الشخص. وقد يكون الرائي من أهل الدين والزهد والعبادة. وقد جرى هذا لغير واحد. وتارة يرى عند قبر نبي أو غيره أن الميت قد خرج إما من حجرته وإما من قبره، وعانق ذلك الزائر وسلم عليه. ويكون شيطانا تصور بصورته. وتارة يجيء من يجيء إلى عند قبر ذلك الشخص فيستأذنه في أشياء ويسأله عن أمور، فيخاطبه شخص يراه أو يسمع صوتا ولا يرى شخصا. ويكون ذلك شيطانا أضله. وقد يرى أشخاصا في اليقظة إما ركبانا وإما غير ركبان، ويقولون: «هذا فلان النبي»، إما إبراهيم وإما المسيح وإما محمد. وهذا فلان الصديق، إما أبو بكر وإما عمر وإما بعض الحواريين. وهذا فلان لبعض من يعتقدوا يعتقدوا فيه الصلاح، إما جرجس أو غيره ممن تعظمه النصارى، وإما بعض شيوخ المسلمين. ويكون ذلك شيطانا ادعى أنه ذلك النبي أو ذلك الشيخ أو الصديق أو الكاهن. ومثل هذا يجري كثيرا لكثير من المشركين والنصارى وكثير من المسلمين. ويرى أحدهم شيخا يحسن به الظن ويقول: «أنا الشيخ فلان». ويكون شيطانا. وأعرف من هذا شيئا كثيرا. وأعرف غير واحد ممن يستغيث ببعض الشيوخ الغائبين والموتى، يراه قد أتاه في اليقظة وعانه. وقد جرى مثل هذا لي، ولي غيري ممن أعرفه. ذكر غير واحد أنه استغاث بي من بلاد بعيدة وأنه رآني قد جئته. ومنهم من قال: «رأيتك راكبا بلباسك وصورتك». ومنهم من قال: «رأيتك على جبل». ومنهم من قال غير ذلك. فأخبرتهم أني لم أغثهم وإنما ذلك شيطان تصور بصورتي ليضلهم لما أشركوا بالله ودعوا غير الله. وكذلك غير واحد ممن أعرفه من أصحابنا استغاث به بعض من يحسن به الظن، فرآه قد جاءه وقضى حاجته. وقال صاحبي: «وأنا لا أعلم بذلك». ومن هؤلاء الشيوخ من يقول: «إنه يسمع صوت ذلك الشخص المستغيث به ويجيبه». وتكون الشياطين أسمعته صوتا يشبه صوت الشيخ المستغيث به، فأجابه الشيخ بصوته، فأسمعت المستغيث صوتا يشبه صوت الشيخ، فيظن أنه صوت الشيخ. وقد جرى من أعرفه وأخبر بذلك عن نفسه. وقال: «وبقي الجن الذي يحدثني يبلغني مثل صوت المستغيثين به، ويبلغهم مثل صوتي، ويريني في شيء أبيض نظير ما أسأل عنه». فأخبر بهذا الناس أني رأيته وأنه سيأتي. ولا أكون قد رأيته. وإنما رأيت شبيهه. وهكذا تفعل الجن بمن يعزم عليهم ويقسم عليهم. وكذلك ما رآه قسطنطين من الصليب الذي رآه من نجوم، والصليب الذي رآه مرة أخرى، هو مما مثله الشياطين وأراهم ذلك ليضلهم به. كما فعلت الشياطين هو أعظم من ذلك بعباد الأوثان. وكذلك من ذكر أن المسيح جاءه في اليقظة وخاطبه بأمور، كما يذكر عن بولس. فإنه إذا كان صادقا كان ذلك الذي رآه في اليقظة وقال: «إنه المسيح»، شيطانا من الشياطين. كما جرى مثل ذلك لغير واحد. والشيطان إنما يضل الناس ويغويهم بما يظن أنهم يطيعونه فيه. فيخاطب النصارى بما يوافق دينهم، ويخاطب من يخاطب من ضلال المسلمين بما يوافق اعتقادهم، وينقله إلى ما يستجيب لهم فيه بحسب اعتقادهم. ولهذا يتمثل لمن يستغيث من النصارى بجرجس في صورة جرجس، أو بصورة من يستغيث به النصارى من أكابر دينهم، إما بعض البطاركة وإما بعض المطارنة وإما بعض الرهبان. ويتمثل لمن يستغيث به من ضلال المسلمين بشيخ من الشيوخ في صورة ذلك الشيخ. كما تمثل جماعة ممن أعرفهم في صورة وفي صورة جماعة من الشيوخ الذين ذكروا في ذلك. ويتمثل كثيرا في صورة بعض الموتى. تارة يقول: «أنا الشيخ عبد القادر». وتارة يقول: «أنا الشيخ أبو الحجاج الأقصري». وتارة يقول: «أنا الشيخ عدي». وتارة يقول: «أنا أحمد الرفاعي». وتارة يقول: «أنا أبو مدين المغربي». وإذا كان يقول: «أنا المسيح وإبراهيم أو محمد»، فغيرهم بطريق الأولى. والنبي ﷺ قال: «من رآني في المنام فقد رآني حقا، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي». وفي رواية: «في صورة الأنبياء». فرؤية الأنبياء في المنام حق. وأما رؤية الميت في اليقظة فهذا جني تمثل في صورته. وبعض الناس يسمي هذا «روحانية الشيخ». وبعضهم يقول: «هي رفيقه». وكثير من هؤلاء يرى يقوم من مكانه ويدعى في مكانه صورة مثل صورته. وكثير من هؤلاء ومن هؤلاء من يرى في مكانين، ويرى واقفا بعرفات وهو في بلده لم يذهب. فيبقى الناس الذين لا يعرفون حائرين. فإن العقل الصريح يعلم أن الجسم الواحد لا يكون في الوقت الواحد في مكانين. والصادقون قد رأوا ذلك عيانا لا يشكون فيه. ولهذا يقع النزاع كثيرا بين هؤلاء وهؤلاء. كما قد جرى ذلك غير مرة. وهذا صادق فيما رأى وشاهد، وهذا صادق فيما دل عليه العقل الصريح. لكن ذلك المرء كان جنيا تمثل بصورة الإنسان. والحسيات إن لم يكن معها عقليات تكشف حقائقها وإلا وقع فيها غلط كبير. وهذا القسم المشهود في الخارج غير ما يتخيله الإنسان في نفسه. فإن هذا يعرفه جميع الناس ويصوبه جميع العقلاء. يتخيلون أشياء في أنفسهم كما يتخيله النائم في منامه. وتكون تلك الصورة موجودة في الخيال لا في الخارج. والفلاسفة وسائر العقلاء يعترفون بهذا. لكن كثير من الفلاسفة يظن أن ما رأته الأنبياء من الملائكة وما سمعتهم من الكلام كان من هذا النوع. ويظنون أن ما يرى من الجن هو من هذا النوع. وهؤلاء جهال غالطون في هذا. كما جهلوا وغلطوا في ظنهم أن خوارق العادات سببها قوى نفسانية أو طبيعية أو فلكية. وأن الفرق بين النبي والساحر إنما هو حسن قصد هذا وفساد قصد الآخر، وإلا فكلاهما خوارق سببها قوى نفسانية أو فلكية. وهذا النفي باطل كما قد بسطنا الكلام عليه وبينا جهل هؤلاء وظلالهم في غير هذا الموضع. ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. جعل المؤلف رحمه الله تعالى هذا الفصل كذلك تبعا واستطرادا في بيان ضلال النصارى في هذا المقام. فأراد أن يتبع بذكر شيء من ضلال النصارى. وأن من أسباب ضلالهم ما ذكره رحمه الله تعالى من الخصال الثلاث. وهذا ليس خاصا بالنصارى، بل هو لهم ولمن كان على طريقتهم ممن سلك هذا المسلك وهذا المنهج. ولهذا صح دخول هذا المعنى كذلك في طوائف من المسلمين، كغالية العباد والشيعة. والمراد بهم المفتونين بالقبور من متصوفة. وهكذا كذلك بعض الرافضة والشيعة. وأجمل هذه الخصال الثلاث في أول الفصل، ثم بدأ رحمه الله يذكر شيئا من التفصيل في ذلك. أولها ما أشار إليه أنهم يعتمدون ألفاظا متشابهة مجملة مشكلة منقولة عن الأنبياء. يعني تركوا الصريح الواضح البين وانتقلوا إلى المجمل. وهذا أحد أسباب الضلال كما بين العلماء في مواضع كثيرة. وهذا يدخل بمعنى عام ومعنى خاص، وبقليل وبكثير، على كثير من الناس. أي أن من تمسك بالمجمل وترك البين الواضح ربما ضل. ويكثر الضلال ويقل بحسب خطورة مبحث هذا المجمل أو ما يتحمله المعنى من مباحث كثيرة وقليلة. فمثلا الرهبانية كما تقدم وسبق هو معنى قد يتمسك به بأنه ممدوح وليس بممدوح. وقد وضح المعنى الممدوح بنصوص الكتاب والسنة بالنسبة للمسلمين. وهكذا كذلك بنصوص الأنبياء من أهل الكتاب وغيرهم قبل ذلك. فعلم بهذا أن الواجب الرجوع إلى المحكم البين وترك المشتبه المجمل. وهكذا الثاني: السبب الثاني للضلال خوارق الآيات التي هي ربما تكون من أحوال الشيطانية. وقد تقدم معنا أن الكرامة الحقيقية ليس في الخوارق. فالخوارق يفعلها السحرة ممن لا دين عندهم كسحرة الهند ونحوهم من المشركين. فإذا علم ذلك علم أن الخوارق ليس الدليل كرامة، بل ربما عند المنصفين العقلاء دليل كذب وضلال. وهذا الذي أضل جماعة كبيرة من النصارى أنه دخل عليهم بعض الضلال من هذا الباب. يعني من جهة ظهور بعد الخوارق على أيدي بعض الكذابين من السحرة ونحوهم، أو على أيدي بعض المغفلين الذين جرت على أيديهم ما فتنوا به من شياطين الإنس والجن. الإنس من السحرة والجن بما يكون من تسلطهم على العباد. وهذا كثير كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام إلى بعض ذلك. وسيأتي ذكر البعض الآخر إن شاء الله. والأمر الثالث: وهذا الأمر الثاني كما تقدم قد يقع على إنسان ولإنسان بعلم أو بغير علم. فبعلم من السحرة والكهنة هم يعلمون أنهم كاذبون. وبغير علم من بعض العباد الذين ما يعلمون أن الذي أمامهم هذا ليس خوارق على وجه الآيات، ولكنها أحوال الشيطانية. والثالث يقول: أخبار منقولة ظنوها صدقا وهي كذب. وهذا كثير. وهذه الأخبار منها ما يتعلق بالأمر الأول، كتعلق بأشياء مجملة غير واضحة، والترك الواضح البين شرعا وعقلا. ليس فقط شرعا حتى شرعا وعقلا ربما خرجوا عن المعقول كما مر الآن معنا. وكذلك يأتي شيء كثير من ذلك. ومنه ما يكون من الثاني: تمسك بأحوال وأخبار هي من جنس أحوال السحرة والكهنة وتسلط الشياطين. وعند النصارى من ذلك قصص كثيرة. أشار شيخ الإسلام إلى بعضها. منه ما هو منقول حتى في بعض كتبهم كبعض الأناجيل. ومنه ما هو منتشر عند العامة. مثل قصة «بابا نويل» التي هي مشهورة عندهم اشتهارا عظيما. وهم يعلمون أنها خارجة عن معنى المعقول ومعنى الشرع والدين. لكن مع ذلك صار لها رواج ويعيش الأطفال في خيال في رأس كل سنة ينتظرون «بابا نويل» أن يأتي لهم بالهدية. فيستيقظون وقد وضع لهم الآباء تلك الهدايا في رأس السنة متعلقين بتلك الخرافة. وهكذا من ذلك ما أشار إليه في قصة المسيح عليه الصلاة والسلام. وما يذكر في قصة المسامير ونحوها التي أشار إليها. قد أشار المعلق إلى بعض ما في أناجيل النصارى. ففي نص إنجيل متى الإصحاح الثامن والعشرين في أوله قال: «وبعد السبت عند فجر أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية ومريم الأخرى...» إلى آخر ما ذكر. إلى أن قال: «قال لتنظر القبر». وإذا زلزلة عظيمة حدثت. لأن ملاك الرب نزل من السماء وجاء ودحرج الحجر عن الباب وجلس عليه. وكان منظره كالبرق ولباسه أبيض كالثلج. فمن خوفه ارتعد الحراس وصاروا كأموات. ثم قال إلى آخره قال: «فإني أعلم أنكما تطلبان يسوع المصلوب. ليس هو ها هنا، لأنه قام...» إلى آخر ما ذكر من أن المسيح صلب وأنه أخرج بعد صلبه من القبر على ما يذكرونه من أمور. وهذا مخالف للشرع ومخالف كذلك للمعقول. وهي خيالات إما هي خيالات كتبت ودخلت في الإنجيل، وإما هو من جنس ما يقع على بعض العباد الجهال مما يأتي من السحرة ونحوهم، أو من تسلط الجن وتصورهم وتكييفهم. كما ذكر رحمه الله من حكايات وأخبار كثيرة تدل أن جنس ذلك واقع ويقع. وما أشار إليه أنه استغيث به رحمه الله. وهذه قضية عين في شخصه. فما بالك في غيره؟ وقد ذكر بعض المشايخ كذلك نحو ذلك. أن أناسا يأتون فيقولون: «رأيناك وكذا وكذا». ويقول: «أبدا أنا في بيتي ولا أتيت عندكم ولا أخبرتكم بشيء». وهكذا ما ذكره ابن القيم في مواضع من كتبه، وما ذكره ابن الجوزي بكتابه «تلبيس إبليس» من ذلك شيء كثير من جنس هذا. وهذا يكون كما قلنا بأحد أمرين: إما بتسلط بعض السحرة، وإما يكون بتسلط بعض الشياطين على بعض الجهال من العباد. وهكذا كذلك الحكاية الأخرى التي تحكى وهي مشهورة عند النصارى. بأن الملك الفلاني رأى في السماء نجوما قد تحورت وتكورت على شكل الصليب تحكي كذا وكذا. هذا كله أحد أمرين: إما خيال، وإما هو من فعل الشياطين. إما هو خيال، وإما هو من فعل الشياطين. ولا مانع لا من الأول ولا من الثاني. لأن إثبات مثل ذلك خروج عن المعقول، وهو مخالف لصريح المنقول. وهكذا كذلك قوله عن الفلاسفة: «وسائر العقلاء يعترفون بهذا». يشير رحمه الله تعالى إلى إمكان دخول الباطل بالخيال. هذا صحيح. والناس في الخيال طرفان ووسط. قوم نفاه مطلقا، وقوم توسع فيه مطلقا. وأهل السنة في ذلك وسط. أثبتوا الحق ونفوا الباطل. فالخيال له وجود وحقيقة. لكن ليس معناه أن يجعل الثوابت الشرعية الصحيحة خيالا كفعل الفلاسفة الذين سماهم شيخ الإسلام في مواضع من كتبه «بأهل التخييل». فحولوا رسالات الرسل والجنة والنار والبعث والنشور وكل ذلك عبارة عن خيال. المطلوب منه إقامة العدل في الأنفس والأخذ بها إلى طريق الزكاء. وهم في هذا على مذهبين: أي الفلاسفة. منهم من زعم أن الأنبياء كذبوا في مصلحة إصلاح البشرية. ومنهم من زعم أن الأنبياء أصلا لم يعرفوا الحقيقة. وكل ذلك باطل وظلال وكفر والعياذ بالله. والشاهد أن وجود الخيال لا ينكره عاقل. فإذا كان كذلك فما المانع أن يكون ما يحكى عند النصارى وفي كتبهم وفي أناجيلهم هو من جنس هذا الخيال الذي تحدث به العقلاء؟ وذلك لأن كثيرا مما عندهم خرج عن معنى المعقول وخالف المنقول. وأما قوله رحمه الله: «في أن هؤلاء إما يجعلون سببها قوة نفسانية أو طبيعية أو فلكية». وهذا باعتبار مذاهب الفلاسفة. فبعض الفلاسفة من فلاسفة الهند يؤمنون بالروحانيات وتناسخ الأرواح، فهم يجعلون مرد ذلك إلى القوى النفسية. وبعض فلاسفة اليونان يؤمنون بالمحسوسات والطبيعيات كأهل الرياضة ونحوهم. فيردون مرد ذلك إلى تأثير القوى الطبيعية. ومن الفلاسفة من له تعلق بالأفلاك كبعض فلاسفة اليونان ومن كانوا في زمن إبراهيم عليه الصلاة والسلام. فإنهم يرجعون قوى ذلك إلى القوى الفلكية. فيرون أن لحركة الأفلاك تأثيرا في وجود الخيالات باختلاف الزمان والمكان. وكله في الحقيقة يرجع عليهم بأنه توسع في مفهوم الخيال جعلهم يثبتون أشياء لا وجود لها حقيقة. والجزاء من جنس العمل. نكتفي بهذا.