الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 25، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتحدث عن تحدي القرآن الكفار بمعارضته وعجزهم عن ذلك، ويبرز أهمية الإعجاز القرآني كدليل على صدق رسالة النبي محمد عليه الصلاة والسلام. يشير إلى شمول رسالة الإسلام لجميع الناس.
يتناول تعدد المقاصد والحكم من وراء أفعال الله تعالى وأحكامه، مثل إرسال الرسل وإنزال الكتب، ويبين أن كل فعل أو حكم له مقاصد متعددة. يشير إلى أن الآيات القرآنية تشير إلى مقاصد متعددة مثل البشارة والإنذار.
يرد على شبهة نفي الحكم الأخرى عند ذكر حكمة معينة في الآية، ويبين أن ذكر حكمة في آية لا ينفي الحكم الأخرى المقصودة، مستشهدا بالآيات التي تؤكد هذا المعنى.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتاب "الجواب الصحيح من بدل دين المسيح": "ولما زعموا أن هذا القرآن مؤلفه، قال الله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوْلُهُ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ ۖ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ﴾، ثم تحداهم بعشر سور، فقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، فإن لم يستجيبوا لكم، فاعلموا أن ما أنزل بعلم الله، وأن لا إله إلا هو، فهل أنتم مسلمون؟ ثم تحداهم بسورة واحدة، وقال: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا، قال تعالى أيضا: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ﴾، فعجز جميع الخلق أن يعارضوا ما جاء به، ثم سجل على جميع الخلق العجز إلى يوم القيامة بقوله: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾. فأخبر من ذلك الزمان أن الإنس والجن إذا اجتمعوا لا يقدرون على معارضة القرآن بمثله، فعجز لفظه ومعناه ومعارفه وعلومه أكمل معجزة وأعظم شأنا. والأمر كذلك، فإنه لم يقدر أحد من العرب وغيرهم، مع قوة عداوتهم وحرصهم على إبطال أمره بكل طريق، وقدرتهم على أنواع الكلام، أن يأتوا بمثله. أنزل الله إذ ذاك آيات بيّن فيها أنه رسول إليهم، ولم يذكر فيها أنه لم يرسل إلى غيرهم. فقال تعالى في سورة القصص: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَىٰ بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾، ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾، ﴿وَلَٰكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ ۚ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَٰكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾، ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَٰكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾، ﴿وَلَوْلَا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وقال في سورة السجدة: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۚ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾. وقال في سورة يس: ﴿يس ۚ وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ۖ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾، ﴿عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾، ﴿تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴾، ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾. ذكر تعالى في هذه الآيات نعمته على هؤلاء وحجته عليهم بإرساله، وذكر بعض حكمته في إرساله. وذلك لا يقتضي أنه لم يرسل إلا لهم، بل مثل هذا كثير معروف في لسان العرب وغيرهم. قال تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، ومعلوم أن في هذه الدواب منافع غير الركوب. قال تعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾، يومهم بارزون. وقد أخبر أنه ينزل الملائكة بالوحي على الأنبياء لينذروا يوم القيامة، وذلك لا يمنع أن يكونوا نزلوا بالبشارة للمؤمنين، والأمر والنهي بالشرائع. قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾، فأخبر تعالى أنه خلق العالم العلوي والسفلي ليعلم العباد قدرته وعلمه، ومع هذا ففي خلق ذلك له من الحكمة أمور أخرى غير علم العباد. ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ۚ ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، ومعلوم أن في جعل الكعبة قياما للناس والهدي والقلائد حكما ومنافع أخرى. قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَىٰ﴾، ومعلوم أن في ملك الله حكما أخرى غير جزاء المحسن والمسيء. وكذلك قوله: ﴿وخلق الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون﴾. وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ ۚ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾، ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ۚ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾، ﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾، ومعلوم أن في إرسال الرسل سعادة من آمن بهم، وغيرها حكم أخرى غير دفع حجة الخلق على الله. وكذلك قوله تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ﴾، ومعلوم أن في تسخيرها حكما ومنافع غير التكبير. وقوله: ﴿لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ﴾. قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ﴾، ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾، ﴿وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾، ومعلوم أن لله حكما في خلق الشمس والقمر والليل والنهار غير انتفاع بني آدم. وكذلك قوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾. وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾، وفيها حكم أخرى. قال: ﴿وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾، وفي إنزال الكتاب من هدي من اهتدى به واتعظ به وغير ذلك مقاصد غير الحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه. فقال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ ۚ بَلَىٰ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾، ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾، ومعلوم أن في مبعث الخلق يوم القيامة مقاصد غير بيان المختلف في علم هؤلاء. ومما يبين ذلك أنه قال في الآية التي احتجوا بها: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾، ومعلوم أنه لم يبعث لمجرد الإنذار، بل وليبشر من آمن به، ولأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وتحليل الطيبات وتحريم الخبائث، وغير ذلك من مقاصد الرسل. كما قال تعالى: ﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾. وقوله: ﴿وَمَا نَرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾، لا ينافي كونه لم يصفهم في موضع آخر إلا بالإنذار. قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا﴾، ﴿قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾، ﴿مَّا يَكْثُرُونَ فِيهِ أَبَدًا﴾، ﴿وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾، ﴿مَّا، وَلَا لِآبَائِهِمْ ۚ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾. وكان المسلمون مرة صلوا صلاة العيد بحضرة حصار النصارى، فقام خطيبهم فخطب بهذه الآية. ولما قرأ قوله: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾، أشار إلى جند الإيمان. ولما قرأ قوله: ﴿وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾، أشار إلى جند الصليب. قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾، وفي إنزال الكتاب والميزان حكم أخرى من البشارة والإنذار وغير ذلك. وكذلك قوله عن أهل الكهف: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾، وفي بعثهم حكم أخرى، بدليل قوله: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾. قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُ جَعَلَكُم مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِ سَدًّا﴾، ﴿لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾، ومعلوم أن في ذلك مقاصد أخرى من هداية الخلق وقيام الحجة على من بلغهم، وغير ذلك. وقوله: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، وفيه حكم أخرى من قيام الحجة على الخلق، وظهور من ظفر به. ومثله قوله: ﴿هَٰذَا بَلَاغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، ومعلوم أن في ذلك مقاصد أخرى من البشارة والأمر والنهي وغير ذلك. وكذلك قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ ۚ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾، ومعلوم أن في جزاء المؤمنين مقاصد أخرى غير علم أهل الكتاب. قال تعالى: ﴿وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾، ومعلوم أن فيه حكما أخرى مثل تبشير من آمن به، والأمر والنهي، وإنذار غير هؤلاء من العرب. قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ﴾، ﴿لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، ومعلوم أن فيه حكمة أخرى غير الإنذار. قال تعالى: ﴿وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَامًا وَرَحْمَةً ۚ وَهَٰذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَانًا عَرَبِيًّا لِّيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ﴾، ومعلوم أن فيه حكمة أخرى من إنذار الخلائق كلهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وتبشير المؤمنين. فقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۖ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾، ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ﴾، ومعلوم أن في أخذ الميثاق حكما أخرى. قال تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾، ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾. وقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾. وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ۖ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾. وكذلك قوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾، وفي ذلك حكم أخرى. وكذلك قوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾، وإن كانت هذه لهم العاقبة، فليست العاقبة منحصرة في ذلك، بل في ذلك من الإحسان إلى موسى وتربيته، وغير ذلك حكم أخرى. ومثل قوله: ﴿وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾، وفي إرساله حكم أخرى. وكذلك قوله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾، وفي إنزاله تبشير وإنذار، وأمر ونهي، ووعد ووعيد. وكذلك قوله في عيسى بن مريم: ﴿وَيَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا ۚ وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾. وكذلك قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾، وفيه حكم أخرى. كما قال في آية أخرى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾. وقال: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ ۚ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾، ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾، ﴿وَلِتَصْغَىٰ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾. وكذلك قوله: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾، وفي كونهم وسطا حكم أخرى. وقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، وفيهما حكم أخرى. وكذلك قوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾، وفي ذلك حكم أخرى من البشارة والأمر والنهي. قال تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ﴾، ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾، ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وفي ذلك حكم أخرى. ومثل ذلك كثير في كلام الله عز وجل. وغير كلام الله، إذا ذكر حكمة للفعل، لم يلزم أن لا تكون له حكمة أخرى، لكن لا بد لتخصيص تلك الحكمة بالذكر في ذلك الموضع من مناسبته. وهذا كالمناسب في قوله: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾، فإن هؤلاء كانوا أولى المنذرين، وحقهم بالإنذار، فكان في تخصيصهم بالذكر فائدة، لا أنه خصهم لانتفاء إنذار من سواهم. قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ﴾، ﴿عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾، ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾، ومعلوم أنه نزل به ليكون بشيرا، وليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحل الطيبات ويحرم الخبائث، ويضع الآصار والأغلال. صلى الله عليه وسلم. وهذا من المؤلف كذلك. تتمة لما سبق في ذكر بعض الآيات المؤيدة لصدق رسالته عليه الصلاة والسلام. ومن ذلك الإعجاز بالإتيان بمثل القرآن أو عشر سور أو كذلك سورة، وأن ذلك بقي معجزا إلى قيام الساعة. يبقى كما ذكر أنه إلى زمانه مرت أكثر من سبعمائة سنة، ولم يدع أحد ولم يستطع أن يأتي بمثل هذا القرآن، ولا بعشر سور، ولا بسورة واحدة. فإن قال قائل: لما لم يقل آية؟ قال بعض أهل العلم: لأن الآية منها ما هو كلمة واحدة، وهذا لا يعجز عنه، ولا يكون فيه إعجاز، مثل: "مدهامتان". فلذلك لم يقل آية. ثم استطرد رحمه الله تعالى في ذكر شبهة أخرى والجواب عليها، وهو أن بعث النبي عليه الصلاة والسلام للعرب لا يستلزم بعثه لغيرهم، وأن أدلة الكتاب دلت على أنه بعث للعرب وغيرهم من أهل الكتاب. وأشار إلى بعض الآيات الدالة على عين هذه الشبهة والجواب عليها، وسيأتي إن شاء الله زيادة إضاحة في الفصول الآتية. ثم أشار إلى عدد كثير من الآيات ليستدل بها أن ذكر حكمة لا يعني نفي حكم أخرى مقصودة في نفس الآية المرادة، وضرب أمثلة كثيرة ليؤكد هذا المعنى بأن ذكر البعض لا ينفي البعض الآخر. وهذا لا يجحده بعد ذلك إلا مكابر، مع ما تضمنت بعض الآيات من تأكيد الجواب على هذه الشبهة، كقوله: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾، ثم ﴿وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾، فهي بشارة لمن اتبعه من المؤمنين، ولو كانوا من أهل الكتاب، وإنذار لمن ترك متابعته، ولو كان من أهل الكتاب أو من غيرهم. وسيأتي إن شاء الله زيادة بيان في الفصل الذي بعده، والذي بعده، مما يبين ويجلي الجواب على هذه الشبهة، وباقي ما ذكر واضح وظاهر. والله أعلم.