الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 142، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شيخ الإسلام ابن تيمية يرد على النصارى الذين يزعمون ألوهية المسيح بنصوص من الإنجيل والتوراة، ويبين أن هذه النصوص لا تدل على الألوهية بل يمكن تأويلها. يشير إلى أن هناك أنبياء آخرين وصفوا بمثل ما وصف به المسيح.
يناقش النص ادعاء ألوهية المسيح مستدلاً بنصوص من التوراة والإنجيل، ويقارن بينها وبين نصوص أخرى تتعلق بأنبياء آخرين مثل موسى وسليمان وداود. يحاجج بأن هذه النصوص قابلة للتأويل ولا تدل بشكل قاطع على الألوهية.
يستعرض المقطع رد الحسن بن أيوب على النصارى في تأليههم عيسى عليه السلام، حيث يستدل عليهم بما في كتبهم ويظهر تناقض استدلالاتهم. يبين أن ما يثبتونه لعيسى يمكن إثباته لغيره.
أشار إلى تحريف وتبديل الكثير من النصوص في أيدي الناس، مع الإشارة إلى أن هناك تتمة للموضوع في درس قادم. يشدد على أهمية التحقق من صحة النصوص.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام رحمه الله: قال وإذا تأملتم كل ما بيناه تأمل إنصاف من أنفسكم وإشفاق عليها، علمتم أنه قول لا يحتمل أن يتأول فيه للناس شيئا دون الله. قال: فإن قلتم إنه يثبت للمسيح البنوة بقوله: «أبي وأبيكم» و«يا أبي أبعثني أبي»، قلنا: فإن كان الإنجيل أنزل على هذه الألفاظ لم تبدل ولم تغير، فإن اللغة قد أجازت أن يسمى الولي ابنا. أن يسمى الولي ابنا، وقد سماكم الله جميعا بنيه، وأنتم لستم في مثل حاله. ومن ذلك أن الله عز وجل قال لإسرائيل في التوراة: «أنت ابني بكري»، وقال لداود في الزبور: «أنت ابني وحبيبي». وقال المسيح في الإنجيل للحواريين: «أريد أن أذهب إلى أبي وأبيكم وإله وإلهكم»، فسمى الحواريين أبناء الله، وأقر بأن له إلها هو الله. ومن كان له إله فليس بإله كما تقولون. فإن زعمتم أن المسيح إنما استحق إلهية بأن الله سماه ابنا، فنلتزم ذلك ونشهد بالإلهية لكل من سماه ابنا، وإلا فما الفرق؟ قال: فإن قلتم إن إسرائيل وداود ونظراءهم إنما سموا أبناء الله على جهة الرحمة من الله لهم، والمسيح ابن الله على الحقيقة، تعالى الله عن ذلك. قلنا: يجوز لمعارض أن يعارضكم فيقول لكم: ما تنكرون أن يكون إسرائيل وداود ابني الله على الحقيقة، والمسيح ابن رحمة؟ فما الفرق؟ فإن قلتم إن الفرق بين المسيح وسائر الأنبياء من قبل أن المسيح جاء إلى مقعد فقال: «قم، فقد غفرت لك»، فقام الرجل ولم يدع الله في ذلك الوقت. قلنا لكم: هذا إلياس أمر السماء أن تمطر فأمطرت، ولم يدع الله في ذلك الوقت. وكذلك اليسع أمر نعمان الرومي أن ينغمس في الأردن من غير دعاء ولا تضرع. على أن قد وجدناه في الإنجيل قد تضرع وسأل مسائل قد تقدم ذكرها. وقال في بعض الإنجيل: «يا أبي أشكرك على استجابتك دعائي»، وأعلم أنك في كل وقت تجيب دعوتي، لكن أسألك من أجل هذه الجماعة ليؤمنوا بأنك أنت أرسلتني. فإن قلتم إن الغفران من الله عز وجل، وأن المسيح قال لبعض بني إسرائيل: «قم، فقد غفرت لك»، والله هو الذي يغفر الذنوب. قلنا: فقد قال الله في السفر الخامس من التوراة لموسى: «أخرج أنت وشعبك الذي أخرجت من مصر، وأنا أجعل معكم ملكا يغفر ذنوبكم». فإن زعمتم أن المسيح إله لأنه غفر ذنوب المقعد، فالملك إذن إله لأنه يغفر ذنوب بني إسرائيل، وإلا فما الفرق؟ فإن قلتم إن الفرق بين المسيح وسائر الأنبياء من قبل أن الله سماه ربا، فقال: «ابن البشر رب السبت». قلنا: فهذه التوراة تخبر بأن لوطا عليه السلام لما رأى الملكين قد أقبل من البرية لهلاك قومه، قال لهما: «يا ربي ميلا إلى منزل عبدكما». وقد تقدم لنا احتجاج في هذا الكتاب بذكر من سمى أو سمي في الكتب ربا من يوسف وغيره. فإن كان المسيح إلها لأنه سمي ربا، فهؤلاء إذن آلهة لأنهم سموا بمثل ذلك. فإن قلت: من الأنبياء قد تنبأت بإلهية المسيح. قد تنبأت بإلهية المسيح، قال أشعياء: «العذراء تحبل وتلد ابنا، ويدعى اسمه عمانويل، وتفسيره معنا إلى إلهنا». قلنا: إن هذا اسم يعاره السيد الشريف من الناس. وإن كان الله عز وجل المنفرد بمعنى الإلهية جل ثناؤه، فقد قال الله في التوراة لموسى عليه السلام: «قد جعلتك لهارون إلها، وجعلته لك نبيا». وقال في موضع آخر: «قد جعلتك يا موسى إلها لفرعون». وقال داود في الزبور لمن كانت عنده حكمة: «كلهم آلهة، ومن العلية تدعون». فإن قلتم إن الله عز وجل جعل موسى إلها لهارون على معنى الرياسة عليه. قلنا: وكذلك قال أشعياء في المسيح إنه إله لأمته على هذا المعنى، وإلا فما الفرق؟ فإن قلتم إن المسيح قد قال في الإنجيل: «من رآني فقد رأى أبي، وأنا وأبي واحد». قلنا: إن قوله «أنا وأبي واحد» إنما يريد به أن قبولكم لأمره وقبولكم لأمر الله، كما يقول رسول الرجل: «أنا ومن أرسلني واحد». ويقول الوكيل: «أنا ومن وكلني واحد»، لأنه يقوم فيما يؤديه مقامه، ويؤدي عنه ما أرسله به، ويتكلم بحجته، ويطالب له بحقوقه. وكذلك قوله: «من رآني فقد رأى أبي»، يريد بذلك أن من رأى هذه الأفعال التي أظهرها فقد رأى أفعال أبي. فإن قلت: من المسيح قد قال في الإنجيل: «أنا قبل إبراهيم». فكيف يكون قبل إبراهيم وإنما هو من ولده؟ ولكن لما قال «قبل إبراهيم» علمنا ما أراد: أنه قبل إبراهيم من جهة الإلهية. قلنا: هذا سليمان بن داود يقول في حكمته: «أنا قبل الدنيا، وكنت مع الله حيث بدأ الأرض». فما الفرق بينه وبين من قال: إن سليمان ابن الله، وأنه إنما قال «أنا قبل الدنيا» بالإلهية؟ وقد قال داود أيضا في الزبور: «ذكرتك يا رب من البدء، وهديت بكل أعمالك». فإن قلتم إن كلام سليمان ابن داود متأول، متأول لأنهما من ولد إسرائيل، وليس يجوز أن يكون قبل الدنيا. قلنا: وكذلك قول المسيح: «أن قبل الدنيا» متأول، لأنه من ولد إبراهيم، ولا يجوز أن يكون قبل إبراهيم. فإن تأولتم تأولنا، وإن تعلقتم بظاهر الخبر في المسيح تعلقنا بظاهر الخبر في سليمان وداود، وإلا فما الفرق؟ وقد قدمنا هذا الاحتجاج على تأويلكم لتعلموا بطلان ما ذهبتم إليه، على أنه تأويل غير واقع بحقه. وإنما حقه أن يكون هذا الاسم -يعني عمانويل- لما وقع على المسيح، لما وقع على المسيح كان معناه أنه أخبر عن نفسه بأن إلهنا معنا، يعني أن الله معه ومع شعبه معينا وناصرا. ومما يصحح ذلك أنكم تتسمون به، ولو كان المعنى ما ذهبتم إليه لما جاز لأحد أن يتسمى به، كما لم يجز أن يتسمى بالمسيح لأنه مخصوص بمعناه. فإن قلتم إن تلاميذ المسيح كانوا يعملون الآيات باسم المسيح. قلنا لكم: قد قال الله جل ثناء ليحي من زكريا: «قد أيتك بروح القدس وبقوة إلياس»، وهي قوة تفعل الآيات، فأضاف القوة إلى إلياس. فإن زعمتم أن المسيح إله لأنه فعلت الآيات باسمه، فما الفرق بينكم وبين من قال: إن إلياس إله، فإنه فعلت بقوته الآيات؟ فإن قلتم إن الخشبة التي صلب عليها المسيح -على زعمكم- ألصقت بميت فعاش، فإن هذا دليل على أنه إله. قلنا لكم: فما الفرق بينكم وبين من قال: إن اليسع إله، واحتج في ذلك بأن كتاب سفر الملوك يخبر بأن رجلا مات فحمله أهله إلى المقبرة، فلما كانوا بين القبور رأوا عدوا لهم يريد أنفسهم، فطرحوا الميت عن رقابهم وبادروا إلى المدينة، وكان الموضع الذي ألقوا عليه الميت قبر اليسع، فلما أصاب ذلك الميت تراب قبر اليسع عاش وأقبل يمشي إلى المدينة. فإن زعمتم أن المسيح إله لأن الخشبة التي ذكروا أنه صلب عليها ألصقت بميت فعاش، فاليسع إله لأن تراب قبره لصق بميت فعاش. فإن قلتم إن المسيح كان من غير فحل. قلنا لكم: قد كان ذلك، وليس عجوبة الولادة توجب الإلهية ولا الربوبية، لأن القدرة في ذلك للخالق تبارك وتعالى لا للمخلوق. وعلى أنه يوجدكم: لأن حواء خلقت من فحل بلا أنثى، وخلق أنثى من ذكر بلا أنثى أعجب من ذكر من أنثى بغير ذكر. وأعجب من ذلك أن آدم خلقه الله من تراب، وخلق بشرا من تراب أعجب وأبدع من خلق ذكر من أنثى بلا فحل. فما الفرق؟ قالوا: هذه الأسباب التي ذكرناها كلها هي الأسباب التي تتعلقون بها في نحلتكم المسيح الربوبية. وإضافتكم إليه الإلهية. وقد وصفناها على حقائقها عندكم، وقبلنا فيها قولكم، وإن كنا لا نشك في أن أهل الكتاب قد حرفوا بعض ما فيها من الكلام عن مواضعه. وأوجدناكم بطول ما تنتحيلونه وفساد ما تتأولونه من الكتب التي في أيديكم: التوراة والزبور والأنبياء والإنجيل. فما الذي يثبت الحجة بعد ذلك لكم؟ قال: وقد قال السيد المسيح في الإنجيل: بسم الله الرحمن الرحيم. هذه مواصلة من شيخ الإسلام التيمية رحمه الله فيما ينقله عن الحسن بن أيوب في رده على النصارى في مواضع، ومنها هذا الموضع في قضية تأليه عيسى عليه الصلاة والسلام، وأن عيسى عليه الصلاة والسلام عبد الله ورسوله وليس بإله. وكل ما استدل به النصارى في الدعوى الأولوهية في عيسى، فإنه رحمه الله أتى لهم بنظير له يستلزم إثبات الأولوهية لغيره. فما كان جوابا عن ذاك النظير فهو جواب عما استدل به في حق عيسى عليه الصلاة والسلام، وإلا فيلزمهم إثبات الأولوهية لجميع النظائر. فإن هذا معلوم بالعقل فضلا عن الشرع: أنه لا يفرق بين المتماثلات كما لا يجمع بين المختلفات. وهو يستدل بمواضع مما في أيدي النصارى، ولا يعني ذلك أنه يصححها جميعا، بقدر ما هو يستدل عليهم بما هو صحيح عندهم. وفرق بين المسألتين: فرق بين أن يستدل بما هو صحيح عندهم، وبين أن يراه هو صحيحا. ولهذا قد نجد بعض العبارات التي عند الابتداء لا يصح التعبير بها، ولكن عند التبعية كهذا المقام -مقام استدلال عليهم بكلامهم- فيكون من باب خطابهم بما يعتقدون لا بما نعتقد نحن، لأن المقصود هو إلزامهم بذلك. كقوله رحمه الله: «قلنا: فقد قال الله في السفر الخامس من التوراة لموسى: أخرج -أو أخرج أنت وشعبك- إلى آخره». فنحن نعرف أن التوراة والإنجيل قد حرفتا، فلا نجزم بأن شيئا من التوراة قاله الله، ولكن هذا كما قلنا من باب الاستدلال عليهم بما يعتقدون. ومثله العبارات التي بعد في النقل عما في أيديهم من التوراة أو الإنجيل أو الزبور أو غير ذلك، فإنه من هذا الباب، ليس من باب أنه يثبت ويصححه، ولكن من باب الاستدلال عليهم بما يصححونه ويعتقدونه. ولهذا أشار في آخر هذه القراءة والفصل الذي مر علينا: أن الكثير مما في أيديهم مما وقع فيه التحريف والتبديل، كما قرأ مر معنا قبل قليل في القراءة. إلى هنا والله تعالى أعلم. وسيت إن شاء الله تتمة ذلك في درس قادم.