الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 158، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش ابن تيمية تمثيل النصارى لاتحاد اللاهوت والناسوت ويبين بطلانه. يوضح أن هذا التمثيل لا يخص المسيح وحده بل يشمل جميع المخلوقات.
يناقش النص تمثيل الوجود الإلهي بالشعاع والزجاج ويبين بطلانه. يخلص إلى أن مثل هذه التمثيلات تؤدي إلى الكفر وتجعل الخالق مفتقرًا إلى المخلوق.
يتناول الرد على شبهة الحلول والاتحاد ويبين بطلانها. يشرح ابن تيمية أن مثل الشمس وشعاعها يدل على إفاضة النور على المؤمنين وليس على الحلول.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتاب «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح»: «وأما المثل الثالث، وهو تمثيل ذلك بالشمس مع الماء والطين، وهو أشد فسادًا، فإنهم قالوا كما تقدم. قال: ومثل الشمس المخالطة للماء والطين وكل رطوبة وحمأة، فهي لا تتغير ولا تستحيل عن نورها وبقائها وضوئها مع مخالطتها كل سواد وسخ ونتن ونجس. فيقال: أما جرم الشمس الذي في السماء فلم يخالط شيئًا من الماء والطين، ولا اتحد به، ولا حل فيه بوجه من الوجوه، بل بينهما من البعد ما هو أجل وأعظم وأبعد من مخالطة الإنسان للشمس للماء والطين. وإذا كانت الشمس نفسها لم تتحد ولم تختلط، ولا حلت في الماء والطين، بل ولا بغيرها من المخلوقات، ورب العالمين أولى أن ينزه عن الاتحاد والاختلاط والحلول بشيء من المخلوقات. ولكن شعاع الشمس حل بالماء والطين والهواء وغير ذلك مما يقوم به الشعاع، كما يحل شعاع النار في الأرض والحيطان. وإن كان نفس جرم النار قائمًا بنفسه، الذي في ذبالة المصباح هو جوهر قائم بنفسه، لم تحل ذاته في شيء من تلك المواضع. ولفظ الضياء والنور ونحوه يراد به الشيء بنفسه المستنير، كالشمس والقمر وكالنار، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾، وقال: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾، وسمى سبحانه الشمس سراجًا وضياءً؛ لأن فيها معنى نارية والإشراق تسخينًا وإحراقًا، فهي بالنار أشبه بخلاف القمر؛ فإنه ليس فيه معنى نارية تسخينًا. ولهذا قال: ﴿جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾. والمقصود هنا أن لفظ الضياء والنور ونحوه يراد به الشيء المستنير المضيء القائم بنفسه، كالشمس والقمر والنار، ويراد به الشعاع الذي يحصل بسبب ذلك في الهواء والأرض. وهذا الثاني عرض قائم بغيره، ليس هو الأول، ولا صفة قائمة بالأول، ولكنه حادث بسببه. والشعاع الذي هو الضوء والنور الحاصل على الماء والطين والهواء وغير ذلك هو عرض قائم بغيره، وليس هو متحدًا به البتة. فهذا المثل لو ضربه النصارى الذين يقولون: إن الناسوت واللاهوت جوهران بطبيعتين حلا أحدهما بالآخر، لكان تمثيلًا باطلًا. فإن الشمس لم تحل بغيرها، ولا صارت مشيئتها ومشيئة غيرها واحدة كما تقوله النصارى، بل شعاعها حل بغيره، والشعاع حادث وكائن عنها. فإذا قيل: إنما يكون عن الرب من نوره وروح قدسه وهداه وكلامه، وما عرفته يحل بقلوب أنبيائه والمؤمنين من عباده، ومثل ذلك ومثل ذلك بحلول الشعاع بالأرض، كان أقرب إلى العقول. ولهذا قال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾، قال أبي بن كعب: «مثل نوره في قلوب المؤمنين». بهذا، وكذا إذا قيل: نوره أو هداه أو كلامه، وسمي ذلك روحًا يحل في قلوب المؤمنين، فهو بهذا الاعتبار، والله قد سمى ذلك روحًا، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، وقال تعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾. وما جاء في الكتب المتقدمة من أن روح الله أو روح القدس يحل في الأنبياء والمؤمنين، فهو حق بهذا الاعتبار. وإذا قيل: كلام الله يحل في قلوب القارئين، فهو حق بهذا الاعتبار. وأما نفس ما يقوم بالرب، فلا يتصور أن يقوم هو نفسه بغير رب، بل ما يقوم بالمخلوق من الصفات والأعراض، يمتنع أن يقوم هو نفسه بغيره. ويمتنع في صفات الشمس القائمة بها من شكلها واستدارتها، وما قام بها من نور أو غيره، أن يقوم بغيرها. وكذلك ما قام بجرم النار من حرارة وضوء، فلا يقوم بغيرها، بل إذا جاوزت النار هواء أو غير هواء، حصل في ذلك المحل سخونة أخرى غير السخونة القائمة بنفس النار، يسخن الهواء الذي يجاورها، كما تسخن القدر الذي يوقد تحتها النار فيسخن، ثم يسخن الماء الذي فيها، مع أن سخونة النار باقية فيها، وسخونة القدر باقية فيها، وسخونة الماء سخونة أخرى حصلت في الماء، ليست واحدة من تينك، وإن كانت حادثة عنها، وجنس السخونة يجمع ذلك كله. ولهذا ذكر الإمام أحمد عن السلف أنهم كرهوا أن يتكلم أحد في حلول كلام الله في العباد بنفي أو إثبات؛ فإن لفظ الحلول لفظ مجمل، يراد به معنى باطل، ويراد به معنى حق. وقد جاء في كلام الأنبياء لفظ الحلول بالمعنى الصحيح، فتأوله من في قلبه زيغ كالنصارى وأشباههم على المعنى الباطل. وقابلهم آخرون أنكروا هذا الاسم بجميع معانيه، وكل الأمرين باطل. وقد قدمنا أن الناس يقولون: «أنت في قلبي أو ساكن في قلبي، وأنت حال في قلبي»، ونحو ذلك، وهم لا يريدون أن ذاته حلت فيه، ولكن يريدون أن نتصوره وتمثله، وحبه وذكره حل في قلبه، كما تقدم نظائر ذلك. والمقصود هنا أن النصارى لو شبهوا ما يدعونه من اتحاد وحلول بالشعاع مع الطين، كان تنزيلهم باطلًا. فكيف بالملكية الذين هم أعظم باطلًا وزيغًا؟ فقولهم: «ومثل الشمس ومثل الشمس المخالط للطين والماء وكل رطوبة وحمأة»، تنزيل باطل من وجوه. منها: أن الشمس نفسها لم تتحد ولم تحل بغيرها، بل ذلك شعاعها. ومنها: أن الشعاع نفسه لم يتحد بالماء والطين، ولكن حل به وقام به. ومنها: أن ذلك عام في المخلوقات من وجه، وبعباده المؤمنين من وجه، لا يختص المسيح به. فالمخلوقات كلها مشتركة في أن الله خلقها بمشيئته وقدرته، وأنه لا قوام لها إلا به، فلا حول ولا قوة إلا به، وتلك مفتقرة إليه محتاجة إليه، مع غناه عنها. ولهذا كانت من آيات ربوبيته وشواهد إلهيته. ومن سماها مظاهر ومجالي بمعنى أن ذاته نفسها تظهر فيها، فهو مفتر على الله. ومن أراد بذلك أنه أظهر بها مشيئته وقدرته وعلمه وحكمته، فأراد بالمظاهر والمجالي ما يراد بالدلائل والشواهد، فقد أصاب. وكذلك إذا قال: «هي آثاره ومقتضى أسمائه وصفاته». وأما المؤمنون، فإن الإيمان بالله ومعرفته ومحبته ونوره وهداه يحل في قلوبهم، وهو المثل الأعلى والمثال العلمي، فلا اختصاص للمسيح بهذا. وكذلك كلامه في قلوب عباده المؤمنين، لا اختصاص للمسيح بذلك. ومنها: أن الشعاع لم يخالط الماء والطين، ولا يخالط شيئًا من الأعيان، ولا ينفذ فيه، ولا يتحد به، بل يكون على سطحه الظاهر فقط. لكن الشعاع يسخن ما يحل فيه، فإذا سخن ذلك، سخن جوفه بالمجاورة، كما يسخن الماء بسخونة القدر، من غير أن تكون النار خالطة القدر، ولا الماء. فأين هذا من قولهم: «إن رب العالمين اتحد بابن امرأة، فصار إلهًا تامًا وإنسانًا تامًا»؟ وهل يقول عاقل: «إن الماء والطين صار شعاعًا تامًا وطينًا تامًا»؟ بل الطين طين، لكن أثر الشعاع فيه بتجفيفه، لم يتحد به الشعاع، ولا نفذ فيه، ولا حل فيه باطنه. فهذا المثل أبعد عن مذهبهم من تمثيلهم بالنار مع الحديد، ومن تمثيلهم بالنفس مع الجسد؛ فإن هناك اتصالًا بباطن الحديد والبدن، وهنا لم يتصل الشعاع إلا بظاهر الطين وغيره. وأحترز بقوله: «ولفظ الضياء والنور ونحوه يراد به الشيء بنفسه المستنير، كالشمس والقمر وكالنار». عن أن يتوهم أن الشمس نفسها حلت في الماء والطين. ولا يوصف الطين باتحاده بالشعاع، ولا باختلاط الشعاع باطنه، ولا بحلول الشمس نفسها فيه. وحينئذ، فقول القائل: «إن الشمس لم تتغير ولم تستحل عن نورها ونقائها وضوئها مع مخالطتها كل وسخ ونتن ونجس»، إن أريد به نفس الشمس أو صفاتها القائمة بها، فتلك لم تتحد بغيرها، ولا حلت فيه، ولا قامت بغيرها. فإذا كانت الشمس كذلك، ولله المثل الأعلى، فهو أولى ألا يتحد بغيره، ولا يحل فيه، ولا يقوم به. وإن أريد شعاعها، فشعاعها ليس هو الشمس، فلا ينفعهم التمثيل به؛ فإنهم يقولون: «إن الله نفسه اتحد بالمسيح، والمسيح عندهم ورب العالمين مع أنه إنسان تام، فهو عندهم إله تام، إنسان تام». والطين ليس بشعاع تام، ولا طين تام. والشعاع نفسه لا يخالط شيئًا، ولكن يقوم به. وقيام العرض بالمحل غير مخالطة له؛ فإن المخالطة تكون باختلاط كل من الأمرين بالآخر، كاختلاط الماء بالطين ونحوه. وأما ما يقوم بالسطح الظاهر، فلا يقال: إنه مخالط بجميع الأجزاء. فلا يقال للشعاع الذي على الجبال والبحر: «إنه مخالط لجميع الجبال والبحر». ولا لشعاع النار: «إنه مخالط للحيطان وداخل للأرض». وقد تقدم أنهم قسموا هذا الباب ثلاثة أقسام: أحدها: اختلاط أحد الشيئين بالآخر، كالماء والخمر. والثاني: اتصال من غير اختلاط، كالماء والزيت، والإناء الذي بعضه فضة وبعضه ذهب. وقالوا: «إن هذا لا ينبغي أن يسمى اختلاطًا، مع افتراق الطبيعتين والقوامين، مثل ما لا ينبغي أن يكون بين الماء والقلة التي هو فيها خلطة؛ لأن طبيعة الفخار ليس بينها وبين الماء خلطة». وهذا الفرق موجود في الشعاع والطين، بل بينهما من الفرق أشد مما بين الماء والقلة؛ فإن الماء جرم قائم بنفسه، وهذا عرض قائم بغيره. والجسم بالجسم أشبه من الجسم بالعرض. والإله عندهم مخالط لجميع ناسوتي المسيح، لم يخل جزء منه من اتحاد الإله به. فإن هذا من هذا. وإذا قيل: «إن الشعاع لم يستحل عن نوره ونقائه وضوئه مع مخالطته كل سواد ووسخ ونتن ونجس»، لم يكن مثلًا يطابقه، مع أنه لم يخالط الشعاع غيره. ثم يقال: «إن أراد بما لم يتغير نفس الشعاع القائم بالمحل، فهذا ممنوع؛ فإن الشعاع يتغير بتغير محله، فيرى في الأحمر أحمر، وفي الأسود أسود، وفي الأزرق أزرق». حتى إن الزجاج المختلف الألوان إذا صار مطروحًا للشعاع، ظهر الشعاع متلونًا بتلوين الزجاج، فيرى أحمر وأزرق وأصفر. «وضرب أهل الإلحاد القائلون بوحدة الوجود، وأن وجود الخالق ووجود المخلوق واحد، أمثالًا باطلة شر من أمثال النصارى، ولهم مثل السوء، ولله المثل الأعلى». وكان مما ضربوه لله من الأمثال: أن شبهوه بالشعاع في الزجاج؛ فالأعيان الثابتة في العدم عندهم هي الممكنات، ووجود الحق قاض عليها، فشبه وجوده بالشعاع، وأعيانهم بالزجاج. وهذا باطل من وجوه: منها: أن القول بأن أعيان الممكنات ثابتة في العدم، قول باطل. ومنها: أن قولهم: «إن وجود الخالق وعين وجود المخلوق»، وأيضًا باطل. ومنها: أن حلول الشعاع بالزجاج يقتضي حلول أحدهما بالآخر، وهم ينكرون الحلول، ويقولون: «الوجود واحد». ومنها: أن الشعاع على نفس الزجاج، ليس وجوده وجود الزجاج. وعندهم: «وجود الرب وجود الممكنات». ومنها: أن الشعاع الحال بهذا الزجاج، ليس هو بعينه ذلك الشعاع الحال بالزجاج الآخر، وإن كان نظيره. وهؤلاء عندهم: «أن الوجود واحد بالعين، لا يتعدد». ومنها: أن الشعاع عرض مفتقر إلى الزجاج، فهو مفتقر إليه افتقار العرض إلى محله، فيلزم إذا مثل به الرب، أن يكون الرب مفتقرًا إلى كل ما سواه، مع غنى كل ما سواه عنه. وهذا قلب كل حقيقة، وأعظم كفر بالخالق تعالى. فإنه سبحانه: الغني عن كل ما سواه، وكل ما سواه مفتقر إليه. وكل من قال بحلول الله بشيء من المخلوقات، من النصارى وغيرهم، يلزمهم أن يكون مفتقرًا إلى ما حل فيه؛ فإنه لا حقيقة للحلول إلا هذا. ولهذا كان ما حل بقلوب المؤمنين من الإيمان والهدى والنور والمعرفة، مفتقرًا إلى قلوب المؤمنين، ولا يقوم إلا بها. وجميع الصور الذهنية القائمة بالأذهان، مفتقرة إلى الأذهان، لا تقوم إلا بها. والشعاع مفتقر إلى محله، لا يقوم إلا به. وهكذا سائر النظائر. وهؤلاء الذين شابهوا النصارى، وزادوا عليهم من الكفر، بقولهم: «إن وجود الخالق وجود كل مخلوق، وإنه قائم بأعيان الممكنات»، يقولون: «إنه مفتقر إلى الأعيان في وجوده، وهي مفتقرة إليه في ثباتها»، فيجعلون الخالق محتاجًا إلى كل مخلوق، والمخلوق محتاجًا إلى الخالق، ويصرحون بذلك. كما يصرح بعض النصارى بأن اللاهوت محتاج إلى الناسوت، والناسوت محتاج إلى اللاهوت. ومعلوم أن الله غني عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه من كل وجه؛ فهو الصمد المستغني عن كل شيء، وكل شيء مفتقر إليه. فمن قال: «إنه مفتقر إلى مخلوق بوجه ما»، فهو كاذب مفتر كافر. فكيف بمن قال: «إنه مفتقر إلى كل شيء»؟ والمثل الذي ضربوه له يقتضي أن يكون مفتقرًا إلى غيره، وغيره مستغن عنه، كالمثل الذي ضربه النصارى له، لما مثلوه بشعاع الشمس مع محله؛ فإن محل الشعاع مستغن عن الشعاع، والشعاع مفتقر إلى محله. فمقتضى هذا التمثيل: أن الإله محتاج إلى الإنسان، والإنسان مستغن عن الله. تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا. ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾. أجاب رحمه الله تعالى كما نرى في هذا السياق، الذي هو تتمة لما سبق في هذا الفصل عن هذه الشبهة بهذا التمثيل: تمثيل الشمس مع الماء والطين، وزعموا أن هذه الخلطة مثال يؤكد إمكانية حلول الله عز وجل في المخلوق، ويريدون به عيسى خاصة. وأجاب رحمه الله كما سمعنا ورأينا: أن هذا كلام باطل من جهة العقل والحس والمشاهدة، فضلًا عن الشرع. وقد أوضح ذلك رحمه الله بأوجه عديدة ظاهرة. فبيّن رحمه الله أولًا: أن المثال لا يصح من جهة عدم تساوي ما أرادوا التمثيل به وما أرادوا إثباته في مسألة الحلول. ثم بيّن رحمه الله بهذه الأوجه التي ذكرها بطلان هذا الزعم الذي زعموه في كون الأمر حصل فيه شيء من الخلطة؛ وذلك لأن أحدهما كما بيّن رحمه الله عرض، والآخر جوهر. والمراد بالعرض: الوصف، والجوهر: الذات. فالطين والماء ذات، والشمس شعاعها وصف. والوصف لا يقوم إلا بذات. فإذا كان كذلك، فمن الخطأ أن يقال: «حصل اختلاط»، بل حصل وصف. وهذا الوصف لا يقتضي اختلاطًا البتة؛ إذ لا يوجد شعاع إلا في مكان. وكون الشعاع وقع في مكان ما، سواء أكان هذا المكان هواءً أو كان ماءً أو كان جمادًا، فإنه لا يعني حصول الاختلاط، ولكن معناه حلول هذا الوصف في ذاك الموصوف. فيقال في المكان الذي أصابه الشعاع: «إنه محروق». والمكان الذي لم يقع عليه الشعاع: ضل، ولم تحصل المخالطة البتة في المكان الذي أصابه الشعاع. ثم بيّن رحمه الله تعالى: أنه لو قيل في هذا المثال أن معناه معنى إفاضة النور على قلب المؤمن، كحصول الشعاع على الأجسام، لكان هذا معنى قريب، أو أنه معنى أقرب إلى العقول. ثم ذكر الآية: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وأثر أبي بن كعب الذي مر معنا في فصول سابقة، وهو قوله في هذه الآية وتفسيرها: «أنه مثل مضروب للمؤمن الذي جعل الإيمان في صدره». ومر معنا كذلك: أنه قد رواه غير واحد من أهل التفسير: ابن جرير، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وغيرهم. فهذا الأثر معناه صحيح، وليس فيه شيء من معنى الحلول والاتحاد؛ فكون نور الرب جل وعلا يقذف في قلب المؤمن، هذا ليس فيه معنى الحلول والاتحاد. وممكن أن يكون مثله في مسألة الشمس وشعاعها. فإذا كان كذلك كما ذكر رحمه الله: هذا ليس خاصًا بالمسيح، بل هو في المسيح وفي غيره من الأنبياء والرسل والصالحين، الذين يقذف في قلبهم نور الإيمان والعلم. وليس في هذا شيء من المخالطة، ولا معنى من معاني حلول الخالق بالمخلوق، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا. وبيّن كذلك: مثالًا آخر يقرب المعنى في مسألة التسخين، ومراده أن التسخين حصل بأثر ملامسة ومخالط ووقوع الحرارة على الجسم بالمجاورة، وليس في هذا مخالطة، ولكن حصلت حرارة بالمجاورة. وإن وجد في كلام أحد أنه عبر بالمخالطة، فهو تجوز لفظي، وإلا في الحقيقة لم تحصل المخالطة، وإنما حصلت الحرارة بالمجاورة، كما مثله وبينه رحمه الله. ثم انتقل في الرد على أهل الحلول والاتحاد، فقولهم أفحش من قول النصارى. والنصارى فرق كما تقدم معنا في فصول سابقة: النصارى فرق، النصارى فرق: النصطورية والملكية. والملكية: هم الذين كتبوا الأمانة، كما تقدم معنا، وسيأتي إن شاء الله، فهم مختلفون فيما بينهم، وقوالهم كلها باطلة. وأبطل من ذلك: قول أهل الحلول والاتحاد الذين قالوا قولًا أفحش من قول النصارى. وناسب ذكر ذلك؛ لأجل أن يبين كيف أن الباطل شبهته واحدة، وأنه يقتبس بعضه من بعض. فدين أهل الحلول والاتحاد من أهل الإلحاد مأخوذ من دين النصارى، ولكن زيد فيه شيء من الباطل، فكان أشد باطلًا. وبيّن رحمه الله بالأوجه التي أجاب بها، وهي ظاهرة واضحة، في بعد مذهب أهل الاتحاد، وكيف أنه قالوا قولًا يرده المعقول، فضلًا عن المنقول. وبين بهذه الأمثلة، أو بهذه الأوجه التي أجابها: أنهم أبعدوا في البطلان من النصارى. وذلك لأنهم خالفوا ما يعتقدون حتى في الباطل الذي هم عليه. فمثلًا قولهم في مسألة الحلول، هؤلاء أهل الإلحاد والقول بوحدة الوجود، قائم على هذا المعنى: بأن الأعيان الثابتة في العدم هي الممكنات، وأن وجود الحق -أي الله عز وجل- قاض عليها. فزعموا: أن كل شيء من المخلوقات فيه الرب جل وعلا. ثم مثلوا بهذا المثال في مسألة الشعاع في الزجاج، وهو مأخوذ من النصارى. وأبان رحمه الله: مع بطلان هذا القول، وهذا الاعتقاد الفاسد الذي يكذبه الحس والعقل، فضلًا عن الشرع، أنه لا ينطبق معه هذا المثال، حتى على عقيدتهم الفاسدة؛ لأنه مقتضى عقيدتهم الفاسدة: أنه لا يوجد مخلوق إلا وفيه الخالق. وليس هذا كذلك، يصح في هذا المثال الذي ضربوه؛ فليس كل ما في الوجود فيه هذا المعنى. ونحن نرى في الحس والوجود: أن الشعاع إنما هو وصف، وأن الأعيان هي موصوفة، ولم يحصل فيها شيء من الاختلاط. ثم بيّن رحمه الله: الافتقار؛ أن الشعاع يفتقر إلى الزجاج، باعتبار أن الشعاع وصف، والزجاج موصوف، ولا يوجد الوصف إلا في موصوف، كما تقدم معنا ذلك. فإذا كان كذلك، فهم جعلوا الرب -تعالى الله عن قولهم- يفتقر إلى المخلوق. وهذا من أبطل الباطل، وإلى غير ذلك مما ذكره رحمه الله، وهو واضح في هذا المقام.