الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 89

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 89

الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 89، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

الإسلام والإيمان بالمسيح عليه السلام

الإسلام لم يهمل حق المسيح عليه السلام، بل أمر بالإيمان به وبما جاء به. كما يدعو إلى الإيمان بجميع الكتب والرسل دون تفريق بينهم.

وحدة الدين وتعدد الشرائع

دين الأنبياء واحد وهو الإسلام، بينما شرائعهم تتعدد وتتنوع. المسلمون يتبعون جميع الرسل ويعظمونهم بالحق.

الرد على ادعاءات النصارى وتنزيه المسيح

يناقش الرد على ادعاءات النصارى حول المسيح، ويبين أن المسلمين يؤمنون بتكريم المسيح دون عبادته. كما يشرح أن روح القدس ليست مختصة بالمسيح وحده.

تنزيل الله للمحكم والتعامل مع الشبهات

ينبغي أن يكون ما ينزل الله من المحكم الذي لا مجال للشك فيه. الكلام في هذا الباب ظاهر ولا يحتاج إلى تفصيل كبير.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام، رحمه الله: كتاب الجواب الصحيح مدل دين المسيح، فصل. قالوا: ولما تقدم به قول لأنه غير لائق عند ذوي الألباب أن نهمل روح القدس وكلمة الله الذي شهد لهما في هذا الكتاب بالعظائم، فقال عن كلمة الله: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾. قال: والجواب: إن الله تعالى لم يبعث محمدا صلى الله عليه وسلم بإهمال ما يجب من حق المسيح عليه السلام، بل أمره بالإيمان بالمسيح وما جاء به، كما أمره بالإيمان بموسى وما جاء به، كما أمر المسيح بالإيمان بموسى وما جاء به. ولكنه أمر بإهمال ما ابتدع من الدين الذي لم يشرحه الله على لسان المسيح عليه السلام، وما نسخه الله من شرعه على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، فيُهمل المبدل والمنسوخ. كما أمر الله المسيح أن يهمل ما ابتدعته اليهود من الدين الذي لم يشرعه، وما نسخ من شرع موسى. فكما أمر المسيح أن يهمل المبدل والمنسوخ من التوراة التي جاء بها موسى عليه السلام، ولم يكن في ذلك إهمال لما يجب من حق التوراة وموسى عليه السلام، فكذلك إذا أهمل المبدل والمنسوخ من دين أهل الإنجيل، لم يكن في ذلك إهمال لما يجب من حق الإنجيل والمسيح. بل ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم يتضمن الإيمان بجميع الكتب والرسل، وأن لا نفرق بين أحد منهم، ونحن له مسلمون. كما قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾. والنصارى كاليهود، آمنوا ببعض وكفروا ببعض. فأيما هو اللائق عند أولي الألباب أن نؤمن بجميع كتب الله ورسله، أو نؤمن ببعض ونكفر ببعض؟ وأيما هو اللائق عند أولي الألباب أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا، ونعبده بما شرعه على لسان رسوله، أو نبتدع من الشرك والعبادات المبتدعة ما لم ينزل به الله كتابا ولا بعث به رسولا، ونضاهي المشركين عباد الأوثان؟ قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. فالمسلمون لم يهملوا روح القدس وكلمة الله. وقد قال تعالى عن كلمة الله: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. بل هم الذين اتبعوا دينه ودين الرسل قبله. فإن نبي الأنبياء عليه السلام دينهم جميعهم واحد، كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن معشر الأنبياء ديننا واحد». وقد قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾. فدين المرسلين كلهم دين واحد، ويتنوع شرعهم ومناهجهم، كتنوع شريعة الرسول الواحد. فإن دين المسيح ودين موسى، وهو دين الخليل قبلهما، ودين محمد بعدهما. مع أن المسيح كان على شريعة التوراة، ثم نسخ الله على لسانه ما نسخ منها، وهو قبل النسخ وبعده دينه دين موسى. ولم يهمل دين موسى. كذلك المسلمون هم على دين المسيح وموسى وإبراهيم وسائر الرسل، وهم الذين اتبعوا المسيح. ولهذا جعلهم الله فوق النصارى إلى يوم القيامة. والنصارى الذين بدلوا دين المسيح وكذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم، بريئون من دين المسيح، والمسيح بريء منهم، كبراءة موسى ممن بدل وغير دينه، وكذب المسيح. والمسلمون أشد تعظيما للمسيح عليه السلام، واتباعا له بالحق، ممن بدل دينه وخالفه من النصارى. فإن المسلمين يصدقونه في كل ما أخبر به عن نفسه، ولا يحرفون ما قاله عن مواضعه، ولا يفسرون كلامه بغير مراده، وكلام غيره من الأنبياء، كما فعلت النصارى. فإنهم نقلوا عن المسيح أنه قال: «عمدوا الناس باسم الأب والابن وروح القدس». وهذا إذا قاله المسيح، فإنه يفسر بلغته وعادته في خطابه، وعادة سائر الأنبياء. وليس في كلام المسيح، ولا في كلام سائر الأنبياء، ولا كلام غيرهم، أن كلمة الله القائمة بذاته سبحانه وتعالى تسمى ابنا، ولا روح قدس. ولا تسمى صفته القديمة ابنا، ولا روح قدس. ولا يرد قط في كلام الأنبياء اسم الإبن واقعا إلا على مخلوق. والمراد في تلك اللغة أنه مصطفى محبوب لله، كما ينقلونه أنه قال لإسرائيل: «أنت ابني بكري». ولداود: «أنت ابني وحبيبي». وأن المسيح قال للحواريين: «أبي وأبيكم»، فجعله أبا للجميع، وهم كلهم مخلوقون. فيكون اسم الإبن واقعا على المسيح الذي هو ناسوت مخلوق. فعمد هؤلاء الضلال، فجعلوا اسم الإبن واقعا على اللاهوت قديم أزلي مولود غير مخلوق. وزعموا أن الإبن يراد به الإبن بالوضع، وهو المخلوق، وهو الإبن بالطبع، وهو القديم الأزلي المولود غير المخلوق. وهذا التفريق هم أحدثوه وابتدعوه. ولا يوجد قط في كلام المسيح، ولا غيره، أنه سمى القديم الأزلي ابنا، ولا جعل له ابنا قديما مولودا غير مخلوق. ولا سمى شيئا من صفات الله قط ابنا. وكذلك لفظ روح القدس موجود في غير موضع من كلام الأنبياء عليه السلام، لا يراد بهذا قط حياة الله، ولا صفة قائمة به. وإنما يراد به ما أيد الله به الأنبياء والأولياء، ويجعله في قلوبهم من هداه ونوره ووحيه وتأييده، ومما ينزل بذلك من الملائكة. وهذا الذي تسميه الأنبياء روح القدس، لم يقتص به المسيح باتفاق المسلمين وأهل الكتاب. بل قد أنزله على غيرهم من الأنبياء والصالحين، كما هو موجود في كتبهم. إن روح القدس كانت في داود وغيره، وكانت أيضا عندهم في الحواريين. وكذلك خاتم الرسل كان يقول لحسان بن ثابت: «إن روح القدس معك ما دمت تدافع عن نبيه». ويقول: «اللهم أيده بروح القدس». وقد قال الله تعالى عن عباده المؤمنين: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾. فروح القدس لا اختصاصا للمسيح عليه السلام بها، بل ما يفسر به اسم الابن واسم روح القدس، وغير ذلك مما وصف به المسيح، فهو مشترك بينه وبين غيره من الرسل. وإذا فسروا الحلول بظهور نور الله وعلمه وهداه في الأنبياء، فهذا حق، وهو مشترك بين المسيح وغيره. فأما نفس ذات الله، فلم تحل في أحد من البشر. والمسلمون مع شهادتهم للمسيح بأنه عبد الله ورسوله، يقولون إنه مؤيد منصور، عصمه الله من أعدائه، وطهره منهم، ولم يسلطهم عليه. والنصارى يدعون أن اسم المسيح اسم اللاهوت والناسوت، وأنه إله تام وإنسان تام. وهذا يمتنع شرعا وعقلا. ثم يصفونه بالصفات المتناقضة، يصفونه بأن طائفة من أشرار اليهود وضعوا الشوك على رأسه، وبصقوا في وجهه، وآذوه، وصلبوه، وفعلوا به ما لا يفعل بأخس الناس. ويقولون مع هذا: إنه رب السماوات والأرض وما بينهما. خلاصة هذا الفصل أن استدلالهم مكابرة، فإن القرآن دل على تكريم المسيح، لا أن يعبد المسيح. وهذا التكريم بحق، كما بين رحمه الله، بأن ما كان من دين مبدل أو منسوخ مما جاء به المسيح، فإن القرآن يأمر بتركه. أما المبدل، فالمسيح لا يرضى به، كما أن المسيح حذر ما فعله اليهود من التغيير والتبديل فيما بعث به موسى عليه الصلاة والسلام. فكذلك محمد عليه الصلاة والسلام حذر من التغيير والتبديل الذي وقع من أتباع موسى وأتباع عيسى عليهم الصلاة والسلام. وما نسخ من شريعتهما، كذلك أمر الجميع: اليهود والنصارى وأهل الإسلام، بأخذ الناسخ وترك المنسوخ. وأما ما ذكره رحمه الله، فهو من باب الامتثال لحديث النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تصدقوهم ولا تكذبوهم». يعني ما ذكر من تسمية المسيح بالابن. ويقول: لعله على لغتهم وعرفهم، وعرفهم نزل الإنجيل. إذا صح أنه من الإنجيل الثابت، وإلا فالأقرب أن مثل هذا اللفظ من التغيير والتبديل في الإنجيل، لأنه يفضي إلى معاني فاسدة. وما ينزله الله محكم، لا يكون فيه وجه لإدخال المعاني الفاسدة. لكن الشيخ رحمه الله يقول ذلك تنزلا، يعني لو قدر أنه صح، والله أعلم هل صح أم لم يصح، فإنه يحمل أن هذا بلغتهم وتعبيرهم، أي لغة الأعاجم باللغة العبرية، وتعبير الأعاجم أنه ربما يسمى المخلوق ابن. وما أدري هذا كيف يا بحذيفة موجود عندكم، يعني هل يعبر به في اللغة؟ فالمهم كما قال شيخ الإسلام: قد يكون هذا باعتبار عرفهم ولغتهم، وإلا فبظاهر اللفظ هو لفظ غير كامل، لفظ غير صحيح، لأنه يوهم الباطل. وليس مثل هذا ينبغي أن يكون فيما أنزل الله أو ينزل الله، بل ما ينزله الله من المحكم الذي لا مجال للشك والريب فيه. لكن شيخ الإسلام ذكر هذا كما قلنا تنزلا، وباقي الكلام كله ظاهر. والله تعالى أعلم.